تفكيك إنسانية مصادَرة: قراءة في ومضة "خسارة..؟" للفرحان بوعزة
الفرحان بوعزة قاص مغربي يكتب القصة القصيرة والقصيرة جدًا بأسلوب مكثف يعتمد المفارقة والرمزية، حيث يختزل المواقف الإنسانية في مشاهد خاطفة لكنها غنية بالدلالة، ويطرح من خلالها أسئلة حادة عن القيم، السلطة، والتحولات الاجتماعية.
هل يمكن أن تنحدر قيمة الصفات الإنسانية إلى درجة أن تُعرض للبيع في الشارع فلا تجد من يشتريها؟ وهل يمكن للإنسان أن يصبح غريبًا عن أجمل ما فيه، فيضطر إلى تسويقه كما تُسوّق البضائع؟
النص يروي عن راوٍ يتساءل عن قيمة صفاته الإنسانية، ثم يقرر في اليوم التالي عرضها للبيع في شارع عمومي، لكن لا أحد يشتري أو حتى يساوم. فجأة، يتدخل العسس فيصادرون تلك الصفات بالقوة، بينما ينسحب صاحبها بهدوء، تاركًا السلطة تتفحصها بعناية.
تقوم الومضة على اقتصاد لغوي شديد يحقق أقصى أثر بأقل الكلمات، حيث تتشكل ثلاث لحظات سردية: التساؤل الداخلي، الفعل العملي (عرض الصفات للبيع)، التدخل السلطوي. هذه البنية الثلاثية تصنع منحنى توتري سريعًا: من الشك الذاتي، إلى الفعل العبثي، إلى النتيجة المأساوية. الفضاء المكاني "شارع عمومي" يعكس حالة الانكشاف الكامل أمام المجتمع، ويحوّل الصفات الإنسانية من قيمة ذاتية باطنية إلى سلعة مكشوفة على الملأ. تدخل العسس يحمل دلالتين: الأولى عنف السلطة في التحكم بالمجال القيمي للأفراد، والثانية تجريد الإنسان من ملكيته الرمزية لذاته. أما فعل الانسحاب "خلسة" فيفتح الباب أمام قراءة وجودية قاتمة: التنازل عن الهوية الإنسانية قد يحدث بهدوء، وربما برضا ضمني أو استسلام للواقع.
لغة النص تقوم على المفارقة الساخرة: منطق السوق يلتهم منطق القيم، والسلطة تتعامل مع إنسانية الفرد كغنيمة قابلة للفحص. البنية الدلالية تحرك القارئ بين أسئلة فلسفية وأخرى اجتماعية: هل الإنسان يحدد قيمة إنسانيته، أم أن المجتمع هو الذي يمنحها أو يسلبها؟ وما مصير القيم إذا خرجت من ذاتها ودخلت في آليات السوق أو السلطة؟
فهل تُسترد الإنسانية إذا صودرت قسرًا، أم أن ما يُنتزع من الجوهر لا يمكن استرجاعه مهما حاول صاحبه؟ وهل نحن حقًا من نملك ذواتنا، أم أننا مجرد حراس مؤقتين لها حتى يأتي من يصادرها؟