"موقعة القهوة "
أول ما يشدك إلى النص عنوانه المثير ، يثير في الذهن إحالات تاريخية ذات صدى عميق في الذاكرة ...موقعة الجمل ... موقعة صفين ...موقعة حطين ... موقعة ... ثم يتضح لك أن المتن لا علاقة له بهذه الموقعة أو تلك ، ولكنه مراوغة من الكاتبة و تلميحا إلى الفتح الذي أنجزته القهوة في هذه الجلسة ...فتح فكري اتسم بنقاش حكيم اكتسى طابع المحاورة بين الكاتبة و فنجان قهوتها و العام يوشك ينتهي ليبتدئ عام جديد ....
حينما تشرع في قراءة النص يأخذك جمال الافتتاحية أين تحدد الكاتبة مجلس المحاورة ، المجلس في اللغة اسم مكان الجلوس ، وهو أيضا اسم زمان الجلوس ..
مكان الجلوس جذع فكرة ... فسحة خيال ... وزمان الجلوس ليلة تغوص في عمق الكون ...اقرأ هذه الافتتاحية البليغة التي تليق بعظمة اللحظة و جلالها ، انقضاء عام و ميلاد عام جديد : " جلست الليلة على جذع فكرة كبيرة في فسحة خيال ماطرة مشمسة "
لتبدأ المحاورة بين الكاتبة و رفيقتها القهوة في خلوتها حيث التأمل في الحياة و الوجود ، السعادة و التعاسة ...القلب و العقل أيهما المخول لقيادنا إلى الخلاص ؟ تدلي القهوة بنصيحتها المبطنة بالتحذير " إن المغالاة في إرضاء القلب يا علا مغالاة في اضطهاد العقل ، و هي مغالاة تتوعد مريدها بلعنتين : الجنون و الندم " ...ولكن ذلك لا يعني انتصارا للعقل ، فهو في نظر القهوة " فارغ و عار كجسد ميت " يخسر مسبقا حين يحاول احتلال قلعة القلب ...العقل الذي تدعو إليه القهوة هو عقل القلب ...إن للقلب عقلا خاصا ...كل حجرة لها ميلها و ما يشغلها عقل القلب كورق الحائط يعمل أن يظهر كافة الحجرات من بيت واحد ...
لعله هذا هو الدليل إلى الحقيقة و الغاية التي ننشدها في هذا الوجود ...في بحر الزمن ..
محاورة شيقة تفتح فيها القهوة فتحا مبينا و هي تدلي بحكمها للكاتبة في عامها الجديد متمنية لها أن تصبح على سطر جديد ...
اللغة تلبس رداء الحكمة فتجيء رائعة في مثل قولها "من كان في فنجان القهوة ناشئا غلبت عليه طبائع القهوة "
وتميل إلى الشعرية الجميلة فتنساب كأحسن ما يكون الشعر ، و اقرأ عبارتها هذه " ها كل حواسي بين رشفاتك ، خطي سطرا جديدا لصفحة جديدة ، ثم دعي كلماتي تذوب فيك مرارة السكر و اطمئني إلى العام الجديد " أية شعرية تتدفق ههنا رقة و عذوبة ! عبارة فتنتني فأعدت قراءتها مرارا ...
تحية إجلال و تقدير لقلم صاغ هذا النص ...