منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > منتدى الحوار الفكري العام

منتدى الحوار الفكري العام الثقافة ديوان الأقلاميين..فلنتحاور هنا حول المعرفة..ولنفد المنتدى بكل ما هو جديد ومنوع.

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع التقييم: تقييم الموضوع: 1 تصويتات, المعدل 5.00. انواع عرض الموضوع
غير مقروء 18-05-2011, 09:30 PM   رقم المشاركة : 145
معلومات العضو
عبدالله الحلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالله الحلبي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالله الحلبي غير متصل


افتراضي رد: هذا ما يحدث في سجون سوريا

بعد ذهاب مدير السجن فكرت طويلاً , ضحكت .. لو كنت في السجن الصحراوي لاستطاعوا أن يجعلوني أوقع على آلاف البرقيات , لا بل إنهم يستطيعون أن يجعلوني أقبل حذاء أصغر شرطي !.
الشعور بالحماية .
معرفتي أن أهلي عامة وخالي على وجه الخصوص يتابعونني خطوة بخطوة ولّد لدي احساساً بأنني محمي , ويمكن أن يكون هو الأساس الفعلي لموقفي الرافض للتوقيع !.. ولكن ..
ألا يوجد شيء نابع من الذات ؟ .
3 تموز .
التاسعة وسبع وثلاثون دقيقة صباحاً، أقف على الرصيف المبلل بالمياه أمام الفرع بعد أن أغلقوا الباب خلفي .
واخيراً .. أنا حرّ ! .
ثلاثة عشر عاماً وثلاثة اشهر وثلاثة عشر يوماً .. مضت على وصول الطائرة , التي كنت على متنها , إلى مطار عاصمة الوطن .
دوار في الرأس , طنين في الاذنين , زوغان في العينين .
عشرات السيارات الصفراء تنطلق أمامي مسرعة وفي الاتجاهين , مئات الناس يهرولون بسرعة في كافة الاتجاهات .
سمعت من ينادي خلفي , التفت , رأيت حارس الفرع يشير لي بيده يأمرني أن أبتعد من أمام الفرع , " تساءلت : هل هي آخر أوامرهم لي ؟ " .
ابتعدت أكثر من مئة متر , وقفت على الرصيف , وقفت أمامي سيارة أجرة صفراء , سألني السائق إن كنت أريد الصعود .. صعدت , انطلقت السيارة مسرعةً , الهواء يضرب وجهي .. أغمضت عيني , سمعت صوت السائق :
- لوين رايح .. استاذ ؟
- إلى أي مكان !
سكت السائق قليلاً , نظر إلي في المرآة متفحصاً .. عاد للسؤال :
- لأي مكان .. تحب تروح استاذ ؟.
لم أكن راغباً بالحديث مع أي كان , اردت اسكاته قلت :
- أريد أن تأخذني مشوار .. دورة في كل الأحياء القديمة .

************
بعد خروجي من عند رئيس الفرع وبعد محاولة مدير السجن معي لأوقع , أهملوني تماماً أكثر من شهر ونصف , في الايام الأولى من هذه الفترة كنت فرحاً ومزهواً وراضياً عن نفسي تماماً , لكن مع استمرار الاهمال بدأ الاحساس بالضيق و الملل ينتابني , يومياً كنت اسمع أصوات التعذيب و الصراخ , وفي يوم من الأيام سمعت صراخ ولدٍ صغير يتعذب , فكرت أن أطرق الباب لأطلب منهم مقابلة رئيس الفرع !.






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-05-2011, 09:32 PM   رقم المشاركة : 146
معلومات العضو
عبدالله الحلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالله الحلبي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالله الحلبي غير متصل


افتراضي رد: هذا ما يحدث في سجون سوريا

حتى الكلمات التي يجب أن أقولها له كانت جاهزة :
- سيدي العميد .. لقد فكرت طويلاً , وأنا على استعداد للتوقيع على أي ورقة تريد !.
فركت جبيني وأنا أسير خطوتين إلى الأمام ومثلهما إلى الخلف , جلست , وضعت رأسي بين يدي , فكرت , ضربت راسي بالحائط , بكيت .. بكيت , تمددت ونمت .

في 23 حزيران حوالي العاشرة صباحاً فتح السجان الباب وقال لي أن أجهز نفسي للزيارة .
أخي لوحده دون لينا , يجلس إلى جانب العميد , قام العميد وقال أنه سيتركنا لوحدنا لكي نأخذ حريتنا بالكلام , قال ذلك بمنتهى التهذيب و اللباقة .
بدأ أخي الحديث , حوالي الساعة أو أقل قليلاً , ساق الكثير من الأمثال , وضغط عليّ بشدة يدعوني إلى التوقيع , تكلم .. وتكلم , أنا مطرق براسي أستمع إليه , استمع إليه وأزداد ابتعاداً عنه ! هل هذا أخي الكبير الذي كان يوماً ما مثالاً وقدوة لي ؟!.
دون أن أرفع راسي قلت له أنني لن أوقع على أي شيء ,انني اذا كنت عبئاً عليه فارجو ألا يكلف نفسه زيارتي ثانية .. ثم .. اندفعت كتلة من الغضب و الحنق إلى حلقي فصحت بوجهه .. إنه إذا أراد ثانية أن يزورني ليسمعني هكذا كلام .. هكذا نصائح .. فأرجو منه بشدة ألا يزورني , لأنني اشعر بالقرف اتجاهه !.
اتسعت عيناه دهشة .. فغر فمه , سكت مطرقاً ..
أنقذ العميد الموقف بدخوله , واستوعب الموقف حالاً .. التفت إلى أخي وقال بهدوء :
- سلم لي على خالك .. مو قلت لك أن رأسه يابس .
شكر أخي العميد وخرج .
عشرة أيام أخرى من الإهمال , عشرة ايام من العذاب النفسي المضني .. هل خسرت أخي ؟ .. هل أنا عبارة عن مدعٍ فارغ صغير؟.. هل أريد أن البس نفسي ثوب المناضل الصلب ؟.. ألن يكون هذا الثوب فضفاضاً عليّ كثيراً ؟.. أليس المنطق الذي يتكلم فيه أخي هو السائد إن لم يكن هو الصحيح ؟.. أتقلب على جمر النفس , و .. أحترق !.
في 1 تموز الساعة الحادية عشر صباحاً ادخلوني إلى غرفة العميد لأجده واقفاً باحترام بينما أخي وشخص أخر كهل , أبيض الشعر , جالسان !.. عرفت فيما بعد أن هذا الكهل هو خالي .
استأذن العميد بأدب جم أن يخرج من الغرفة بعد أن طلب لنا ثلاثة فناجين قهوة .
بعد التحيات و القبلات بدأ خالي محاضرة طويلة انتهت بالتأنيب و التوبيخ , ثم أصدر لي أمراً حازماً بالتوقيع على الورقة التي مدها لي .
بهدوء شديد رفضت .
قام عن كرسيه لأول مرة , " فكرت .. كم يبدو كبيراً في السن !" اقترب مني حانقاً , توقف , التفت إلى أخي بسرعة وسأله أن كان يستطيع التوقيع على الورقة بدلاً مني , أومأ أخي برأسه موافقاً .. ثم وقع , صرّ خالي على اسنانه , وقال لي :
- يا ويلك .. إذا حكيت أي كلمة !.







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-05-2011, 09:34 PM   رقم المشاركة : 147
معلومات العضو
عبدالله الحلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالله الحلبي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالله الحلبي غير متصل


افتراضي رد: هذا ما يحدث في سجون سوريا

حضر العميد. ناوله خالي الورقة. رن العميد الجرس بعد أن وضع الورقة في درج المكتب. أمرهم أن يعيدوني إلى الزنزانة. بعد يومين وفي الساعة التاسعة وسبع وثلاثين دقيقة كنت أقف على الرصيف المبلل أمام مبنى الفرع.. حرّاً!

************

دارت بي السيارة زهاء ساعة، تجاهلت السائق تماماً، كنت في حالة انعدام تفكير، صحوت بعدها .. وسألت نفسي : إلى أين .. إلى أين ؟.
شعرت برغبة جارحة للنوم ! .. أريد أن أنام , أريد أن أنام !.
أعطيت السائق عنوان بيتنا. نزلت من السيارة بعد أن أعطيته نصف ما أملك من النقود. مشيت على الرصيف. كنت أنظر إلى الرصيف وأخشى في كل لحظة أن ينخسف و أغوص في حفرة لا نهاية لها .
صعدت الدرج، ضغطت الجرس .. من سيفتح الباب ؟.. أمي، أبي ؟ .
لم يفتح لي أحد ! أين أبي؟ .. أين أمي؟..
جلست على الدرج، بقيت جالساً ثلاث ساعات تقريباً، مرت بي العديدات من جاراتنا صعوداً أو نزولاً، ينظرن إلي باستغراب وتوجس، لم أعرف أية واحدة منهن. حضر شاب أنيق يلبس نظارات طبية، نظر إلي باستغراب ثم تجاوزني، فتح باب بيتنا .. ودخل !.
وقفت .. ناديت عليه، التفت إلي دون أن يستدير ناظراً بطرف عينه.
- نعم .. شو بتريد؟
- من أنت .. لوين داخل؟.
************

تعارفنا. انه زوج لينا ابنة أخي. رحب بي ترحيباً شديداً، قال إنه سيجهز الحمام بسرعة، وإنه يجب أن أغير ثيابي. سألني إن كنت جائعاً، طلبت منه فنجان قهوة بلا سكر. يدور سؤال في حلقي.. أخشى كثيراً أن أطرحه. أنهيت شرب القهوة.. اعتدلت في جلستي، وسألته :
ـ أين أبي و أمي؟
فوجئ... نظر إلي بدهشة ممزوجة بالشفقة، بدأ يتمتم:
- لا أعرف.. أنا ولينا، وقت معرفتي بلينا .. لم يكونا موجودين. رحمهما الله .. ما تعرفت لا على الوالد ولا على الوالدة .. و .. و..
ما كنت أخشاه.. حاصل. آه يا أمي ويا أبي، هل قلتما أو قال أحدكما إنه يتمنى أن يراني قبل أن يموت؟ .. هل تسبب سجني وغيابي بتعجيل موتكما؟.. أدفع نصف حياتي مقابل أن أضع رأسي لمدة خمس دقائق على صدر أمي.






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-05-2011, 09:36 PM   رقم المشاركة : 148
معلومات العضو
عبدالله الحلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالله الحلبي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالله الحلبي غير متصل


افتراضي رد: هذا ما يحدث في سجون سوريا

أنور زوج لينا يقف أمامي مرتبكاً، يراقبني، سألته إن كان يعرف مكان الدفن، أومأ برأسه أن نعم.
كتب ورقة وضعها على الطاولة. انطلقنا نحو المقبرة، وصلنا، اسم أبي وأمي واضحان على الحجر، رسم أنور إشارة الصليب على صدره...
وقفت قليلاً أتمعن الكتابة ولا أفهم شيئاً، احتضنت الحجارة الباردة وأرحت رأسي عليها، أغمضت عيني... شعرت براحة كبيرة... أوشكت أن أنام، تذكرت أنور فوقفت. في داخلي شعور بأن علي واجباً ما اتجاه الموت يجب القيام به، اتجهت نحو القبلة... القبر بيني وبين مكة، فتحت كفي باتجاه السماء وقرأت الفاتحة، ثم وبشكل آلي... صليت صلاة الجنازة!.
6 تشرين أول
بعد أسبوع من خروجي من السجن دعاني أخي أبو لينا إلى عشاء في مطعم خارج المدينة , كان المطعم جميلاً وهادئاً لا يسمع فيه إلا صوت الموسيقى الناعمة وصوت خرير النهر المنحدر من الهضاب الغربية .
على العشاء حدثني عن أمي و أبي و قال إن ابي قد رتب قبل وفاته وضعي المالي بحيث يكون بيت العائلة الذي تسكن فيه حالياً لينا مع زوجها ملكاً لي , وأنشأ باسمي شراكة بعمل تجاري مع أحد الأقارب وأن الأرباح من يومها تحفظ لي مما شكل ثروة صغيرة , وقال :
- من هذه الناحية لا تحمل هم , وضعك المادي مرتب و الحمد لله .
بعدها سألني إن كنت اريد السكن لوحدي بحيث تخرج لينا وزوجها من بيتي , فرفضت رفضاً قاطعاً , أحسست أن لهجة الرفض الحازمة قد أشعرت أخي بالارتياح .
مع إنتهاء كأس العرق الثانية اصبح الجو أكثر استرخاءً وحميمية , استرجعنا بعض الذكريات العائلية .. وفجأة اعتدل في جلسته وتطرق إلى الموضوع الذي كنت أخشى أن يفتحه أو يلمح إليه , قال :
- راح كون صريح معك .. حول الكلام الذي قلته لي بالفرع أثناء الزيارة , يا أخي .. في البداية أحسست بجرح عميق , لكن بعد عدة ساعات أحسست بالفرح , بالفخر , لأنك رجل .. وبطل ..
رفعت يدي واسكته .

خلال هذه الشهور الثلاثة كان أكثر ما يضايقني هو معاملة الأخرين لي بصفتي بطلاً !!.

" الفائض الرئيسي في السجن هو الوقت , هذا الفائض يتيح للسجين أن يغوص في شيئين , الماضي .. والمستقبل , وقد يكون السبب في ذلك هو محاولات السجين الحثيثة للهرب من الحاضر و نسيانه نسياناً تاماً .
والغوص في هذين الشيئين قد يحولان الإنسان إما إلى ..... إنسان حكيم هادئ , أو إلى شخص نرجسي عاشق لذاته ومنكفئ لا يتعاطى مع الآخرين إلا في الحدود الدنيا , أو إلى ..... مجنون !.
منذ أن وعيت هذه المعادلة حاولت جاهدأ أن أتحول إلى ذلك الإنسان الهادئ , ولا أدري إلى أية درجة نجحت .
من هنا رفضت أن أتاجر بسجني , رفضت أن أكون بطلاً عندما أراد الآخرون عند خروجي من السجن أن يعتبروني ويعاملوني كبطل , أنا أعرف امكانياتي جيداً .. ببساطة ... أنا إنسان .







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-05-2011, 09:38 PM   رقم المشاركة : 149
معلومات العضو
عبدالله الحلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالله الحلبي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالله الحلبي غير متصل


افتراضي رد: هذا ما يحدث في سجون سوريا

أنا خواف ورعديد وجبان .. إلى درجة أنني قد أتبول في ثيابي من الخوف .
أنا شجاع وصلب وعنيد .. إلى درجة أنني أصمد أمام اقسى اساليب التعذيب .
لكن .. وبكل الأحوال لست بطلاً , فسلوكي هذا الطريق لم يكن بخياري , و البطل لا يمكن أن يكون بطلاً لسلوكه طريقاً بالإكراه .
بذلت جهوداً مضنية مع لينا وزوجها , حتى استطعت أن أقنع لينا أنني لست أسطورة , وبالتالي أن تتعامل معي بمنتهى البساطة , وأن أقنع أنور أن لا حاجة لكل هذا التهيب و الإجلال في التعامل معي , لا حاجة لأن يقف احتراماً كلما دخلت أو خرجت من الغرفة , " عمري يزيد عمر أنور بحوالي العشر سنوات " .

************

منذ الساعة التاسعة وسبع وثلاثين دقيقة من الثالث من تموز لاحظت شيئاً لم أعهده في المدينة سابقاً .
الغبار .. الغبار يغطي كل شيء في المدينة , الطرقات , الشوارع , الجدران , كلها مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار الأصفر الناعم , أوراق الاشجار الخضراء .. التي كنت أعرفها سابقاً زاهية لامعة بخضرتها .. مغطاة بهذه الطبقة الرقيقة من الغبار .
حتى وجوه الناس السائرين في الشوارع و المتسكعين في الساحات و على الارصفة .. مغطاة بهذه الطبقة الغبارية الصفراء .
يغسلون وجوههم , يجففونها , لكن الغبار لا يزول , يبدو ملتصقاً بالوجوه أو أنه من تكوينها ! .. ويبدو هذا الغبار واضحاً عند الابتسام , فالابتسامات على ندرتها – هذه الندرة التي تقترب من العدم حتى أنني شككت أن الناس في مدينتي قد نسوا فعل الابتسام – تترافق مع هذا الغبار، فإذا حاول شخص ما الابتسام , تبدو هذه الابتسامة شائهه .. ويبدو هذا الشخص وكأنه قد كبر في السن عشرات السنين , وأهم عرض من أعراض الإبتسام هو ظهور طبقة الغبار الملتصق بالوجه ظهوراً واضحاً .. حينها تظهر حبيبات الغبار هذه مجسمة واضحة .
خشيت أن أسأل أحداً عن أمر الغبار هذا .
************

بعد خمسة عشر يوماً من خروجي فكرت بالقيام بواجبي الأول , زيارة أهل نسيم , ومحاولة تطمينهم عنه .
ضجة خروجي من السجن خفت قليلاً , انخفض معدل الزوار كثيراً , الزوار من الأهل و الأقارب , يأتون .. يتلفظون بعبارات التهنئة التقليدية , الكثير من عبارات التبجيل , وأكثر من كل شيء .. النصائح :
- الحمد لله على سلامتك .
- نحن نفتخر بك .
- لا تنظر إلى الخلف .. المستقبل لا زال أمامك .
- أصلحك الله .. ضروري تعمل بالسياسية ؟.. يا أخي العين لا تقاوم المخرز !.






 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-05-2011, 09:40 PM   رقم المشاركة : 150
معلومات العضو
عبدالله الحلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالله الحلبي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالله الحلبي غير متصل


افتراضي رد: هذا ما يحدث في سجون سوريا

اسمع أنا كل هذا وأرسم ابتسامة بلهاء على وجهي .
صديقان أو ثلاثة من أيام الصبا و الشباب , أرسلوا لي خبراً في منتهى السرية و الخفاء :
- نحن نود زيارتك .. لكننا نخاف نتائج هذه الزيارة , فعذراً !.
واحترمت جبنهم كثيراً.
أخبرت لينا وأنور عن سفري إلى مدينة نسيم الساحلية, رتب أنور جميع الاجراءات ورافقني حتى انطلاق البولمان باتجاه الشمال. لأول مرة منذ سنوات طويلة أحس أنني انسان , جاري في المقعد ومرافق الباص يعاملاني كإنسان, عندما يخاطباني يخاطباني بلقب استاذ!.
أرجعت المقعد إلى الخلف, أغمضت عيوني, صددت كل محاولات جاري بفتح حديث معي, استرجعت ذكريات نسيم .. يا هل ترى ماذا يفعل الآن؟..
في كل مكان من هذا العالم يمكن أن تنشأ علاقات حميمية بين شخصين , لكن أن تنشأ علاقة حميمية بين شخصين في السجن, حتماً سيكون لها معنى آخر, مذاق آخر .. نكهة أخرى.
أيام كثيرة , وليال طويلة .. طويلة نقضيها في الحديث , أعرف كل شيء عن عائلة نسيم , الأب , الأم , الأخوة , الأخوات .. عاداتهم , تقاليدهم , تفاصيل عائلية دقيقة لا يمكن الحديث عنها إلا .. بين سجينين !
بعد فترة من هذه الأحاديث يصبح لكل من طرفي العلاقة السجنية هذه حياتان عائليتان , الحياة التي عشتها في عائلتي الحقيقية , والحياة التي عشتها متقمصاً , حالماً , في عائلة نسيم ! .
استرجع التفاصيل الطازجة بينما الباص يجتاز مسرعاً مناظر آخاذة وساحرة من الخضرة و المياه .
المائة كيلو متر الأخيرة اسرني فيها جمال الطبيعة إلى درجة أنني لم استطع أن أفكر إلا بما أرى , إلى اليسار البحر الرائق بزرقته المتدرجة , والى اليمين الجبال الشاهقة الخضراء .
يتلوى الطريق , يقترب من البحر حتى يدانيه , أرقب تكسر المويجات الصغيرة على الشاطئ , أرى السابحين و السابحات يحتضنون البحر و يحتضنهم , ويبتعد إلى درجة يغيب فيها البحر عن أعيننا فأنظر يميناً إلى بساتين البرتقال و الليمون و الزيتون .. هذا الاخضرار الندي .
ويصل الباص إلى المدينة , مدينة نظيفة , أنزل واستقل تكسياً , أعطيه العنوان الذي أعرفه كما أعرف عنوان بيت أهلي , أصل , أنزل , ودون عناء أقف أمام بيت أهل نسيم واضغط الجرس .
بين رنين الجرس وخروجي من البيت مطروداً مهاناً حوالي الثلاث ساعات .
فتح الباب ووقفت طفلة صغيرة في العاشرة من عمرها , قلت :
- مرحبا عمو , هذا بيت أهل الدكتور نسيم ؟
لم تجب , ركضت إلى الداخل , سمعتها تقول :
- ماما .. ماما , في واحد عم يسأل عن الدكتور نسيم .
ثوان قليلة خرجت بعدها أخت نسيم في ثيابها المنزلية وقد وضعت بسرعة غطاءً على رأسها , عيونها مثقلة بنظرات الدهشة و الاستفسار , وقد عرفتها فوراً , ابتسمت وقلت لها :
- مرحبا .. أكيد أنت سميرة ؟







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-05-2011, 09:42 PM   رقم المشاركة : 151
معلومات العضو
عبدالله الحلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالله الحلبي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالله الحلبي غير متصل


افتراضي رد: هذا ما يحدث في سجون سوريا

جمدت في مكانها مواجهتي قليلاً مرتبكة وقد سمرت عينيها عليّ .. سحبت نفساً عميقاً وقالت :
- نعم يا أخي .. نعم ! أنا سميرة , بس حضرتك مين ؟ .. كيف بتعرفني ؟.
- أنا صديق نسيم , وجئت أزور أهله واطمنهم عليه .
- أهلاً وسهلاً .. يا أهلاً وسهلاً .. صحيح ؟ .. يعني نسيم حي ؟ .. نسيم عايش ؟..
مع العشرات من التساؤلات و الترحيبات ووسط دموع غزيرة .. أخذت سميرة تدور حول نفسها .. لا تعرف ماذا تفعل , طفلتها إلى جانبها , تسألني عدة أسئلة دون أن تنتظر جواباً , ثم تتبعها .. يا أهلاً وسهلاً , مسحت دموعها عدت مرات بغطاء الراس , وأخيراً انتبهت , قالت :
- عفواً .. عفواً , تفضل .. تفضل .
أدخلتني إلى غرفة الضيوف , جلست , ذهبت هي قليلاً ثم عادت , قالت :
- اتصلت مع زوجي .. زوجي في الجمارك , لم أجده , تركت له خبراً .
سكتت قليلاً .. ثم وبحرقة :
- من شان الله يا أخي .. طمني عن نسيم , أكيد نسيم عايش ؟ .. و وينو ؟
شرحت لها .. تكلمت وتكلمت , رويت لها العديد من قصصهم وحكاياهم العائلية و التي لا يعرفها إلا أفراد العائلة , فصدقتني , سألتها عن والد ووالدة نسيم .. عندها ازداد بكاؤها وتحول إلى نشيج , وفهمت من خلال الدموع و النحيب , أنهما قد توفيا , توفيا بحسرة الولدين .
الأول وهو المنخرط بصفوف المعارضة الاسلامية انقطعت أخباره نهائياً وتضاربت الآراء بين أنه قتل في إحدى العمليات وبين أنه معتقل, أما نسيم فقد انتظرت العائلة في اليوم المحدد لعودته متهيئةً للاحتفال بهذه العودة رغم غصة الولد الأول.
لكن العائد لم يعد, وطال الانتظار, بدأ الأب رحلة ماراثونية عبثية بين إدارة المطار وشركة الطيران والسفارة الفرنسية.
القنصل الفرنسي أكد بعد شهر من الانتظار على أن نسيم قد غادر الأراضي الفرنسية متوجهاً إلى بلاده , لكن شركة الطيران الوطنية وادارة المطار لم يقدما إلا إجابات غامضة لا تنفي ولا تؤكد .
ست سنوات بقي الأب مواظباً على السفر إلى العاصمة , في كل مرة يبقى ثلاثة أو أربعة أيام يتنقل خلالها بين السفارة الفرنسية و الشركة الوطنية للطيران و المطار الدولي , لكن دون فائدة .
عرفه موظفوا القنصلية الفرنسية , وكان الجواب واحداً في كل مرة . الشركة الوطنية للطيران كان جوابها واحداً في كل مرة : رفضت رفضاً قاطعاً إطلاعه على قائمة المسافرين في الرحلة التي كان من المفترض أن يكون نسيم ضمنها . إدارة الأمن في المطار الدولي ردوه عدة مرات رداً لطيفاً , ثم أخذوا يعاملونه بخشونة , بعدها هددوه بالاعتقال , وفي رحلة آب من السنة السادسة صفعه أحد عناصر الأمن في المطار صفعتين على وجهه .
خرج الأب وهو يبكي لأول مرة في حياته , قالت سميرة :







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-05-2011, 09:44 PM   رقم المشاركة : 152
معلومات العضو
عبدالله الحلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالله الحلبي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالله الحلبي غير متصل


افتراضي رد: هذا ما يحدث في سجون سوريا

- و الله يا استاذ .. لم نشاهده أبداً وهو يبكي , حتى أمي قالت بعد أن رووا لها الحادثة أنها لم تشاهده يبكي أو يضعف ولا مرة في حياتهما المشتركة الطويلة .
اصيب الأب بجلطة دماغية لم تقض عليه ولكنها ألصقته بفراشه مدة أربع سنوات مشلولاً عاجزاً عن الحركة و الكلام .
نسيت الأم كل شيء , حتى أولادها , كرست نفسها لخدمة الرجل الذي رافقته هذه الحياة , كانت لا تخرج من غرفته إلا لقضاء حاجة أو لشأن خاص به .
دام هذا الحال أربع سنوات توفي الأب بعدها , وبعد شهرين لحقته الأم .
البنات تزوجن , سميرة وزوجها الكمركجي يسكنان بيت العائلة .
أعطيتها رقم هاتفي , سجلت رقم هاتفها .
ران صمت استمر أكثر من دقيقة , شعرت بعطش فطلبت من الطفلة أن تأتيني بكأس ماء , مقرراً الرحيل بعد شرب الماء , فيما أنا أشرب فتح باب البيت وسمعت خطوات الرجل , هبت سميرة واقفة وخرجت مسرعة .
سمعت همساً في البداية , ثم صوت نقاش حاد , صوت الرجل الذي ما ينفك يرتفع بينما سميرة تحاول جاهدة خفض صوتها والطلب إليه أن يخفض صوته , رغم ذلك سمعت أغلب ما دار بينهما .. بصوت خشن :
- ولك .. كيف تدخليه على بيتي و أنا غايب , أنا ناقصني مجرمين وخريجين سجون ! .
- يا ابن عمي .. يا ابن عمي , الله يخليك ويطول عمرك .. هذا ما نو مجرم , هذا من عند نسيم , صديق نسيم , هو فاعل خير .. الله يخليك طوّل بالك .
ودخل زوج سميرة بلباس الجمارك , طويل القامة , اشقر , مكفهر الملامح , وببرود وجفاء شديدين قال :
- مرحبا.
هببت واقفاً وأنا أقول :
- أهلاً وسهلاً .
بإشارة من يده طلب مني الجلوس بينما بقي هو واقفاً , بادرني بأول سؤال :
- كيف تسمح لنفسك أن تدخل إلى بيت رجل في غيابه ؟
لم يتنظر الجواب , تبع هذا السؤال سيل من الأسئلة التي لم يكن يريد لها جواباً , وأنقذت سميرة الموقف بدخولها الغرفة , تحول إليها آمراً إياها بالخروج , أبت الخروج ممسكة يده .. ومتضرعة :
- من شان الله .. ابوس ايدك .. ابوس رجلك , هذا صديق نسيم ونواياه كلها خير ..
سحب يده بعنف وهو يصرخ :
- خير ! .. عم تقولي خير !.. بتعرفي لو عرفــــ "وا " .. انه هيك ناس عم يزوروني .. وقتها راح ينخرب بيتي .. وبروح لعند أخوك الدكتور !.. وإلا هذا المجرم الثاني .. قولي لي .. عندها شو بصير فيكي .. و بالأولاد ؟.. أه احكي .
ثم التفت إليّ .. وبصوت أهدأ قليلاً :







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-05-2011, 09:46 PM   رقم المشاركة : 153
معلومات العضو
عبدالله الحلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالله الحلبي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالله الحلبي غير متصل


افتراضي رد: هذا ما يحدث في سجون سوريا

- شوف .. أنا لازم خبر الأمن , بس من شان خاطر نسيم .. راح خليك تروح .. بس وينك !.. ترى لا شفتني ولا شفتك .. ويا ويلك إذا هوبت صوب بيتنا مرة ثانية .. فهمان هــ الحكي ؟.
خرجت لا ألوي على شيء , اتصبب عرقاً وأصواته تلاحقني .
رميت نفسي في أول سيارة رأيتها وقلت للسائق أن يأخذني إلى البحر , لكن السائق توقف وقال :
- لكن .. هذا هو البحر .. قدامك يا استاذ !.
- خذني إلى بحر غير هذا البحر .. يعني خارج المدينة .
في مطعم بحري لا أذكر منه شيئاً , جلست و أكلت , لا أعرف ماذا وكيف أكلت ,لا أعرف كم بقيت جالساً .
في اليوم الثاني استيقظت من نومي عند عودة لينا بعد الظهر , مع القهوة أخبرتني أن أمراة اسمها سميرة اتصلت هاتفياً وسألت عني وأنها تعتذر بشدة عما حدث .
استرجعت أحداث اليوم السابق محاولاً أن استوعب ما حدث .
حاولت أن أنسى .
13 تشرين الثاني .
اتركوني بسلام فأنا لا أريد منكم شيئاً .
استيقظ صباحاً دون موعد محدد , يكون البيت فارغاً , أنور ولينا في عملهما , البنت الصغيرة في الحضانة , أبقى قليلاً في السرير ثم أنهض , أرتدي ثيابي كلها " منذ أن خرجت من السجن و أنا أنام عارياً " , أتوجه إلى باب الغرفة المقفل , افتحه , أضع " ركوة " قهوة ثقيلة على الغاز وأذهب إلى المغسلة .
ساعة أو ساعتين وأحياناً أكثر أجلس على " الكنبة " اشرب القهوة بلا سكر وأدخن , أدخل إلى المرحاض " أنا حريص جداً أن اقضي حاجتي اثناء غياب لينا عن البيت , وأعتقد أن المسألة هنا معقدة قليلاً , فبنفس الدرجة التي تضايقني عملية اعتباري اسطورة من قبل لينا , إلا أنها ترضي بعض العوالم الجوانية في نفسي , أي بما انني بطل واسطورة كبيرة في نظرها فإنني – مع ضيقي من ذلك – أحاول باكثر من وسيلة أن أوكد ذلك , ومنها عدم دخولي المرحاض في حضورها , فالاسطورة التي في ذهنها أو البطل ذاك , يجب أن يكون منزهاً عن كل ما هو كريه , وهو أرفع من هذه الحاجات الإنسانية الوضيعة .. لذلك ومنذ أن عشت معها في بيت واحد , لم ترني قط أدخل المرحاض .... " .
أرتدي ملابسي , أخرج , أسير على غير هدى , لا أحد يعرفني , لا أعرف أحداً , أسير .... و أسير , لا أفكر بشيء محدد , قد اشتري قطعة شوكولاته فاخرة , انا أحب الشوكولاته ولدي الكثير من النقود , آكلها .. أدخن و أنا أمشي , في الكثير من الحالات أجلس في حديقة صغيرة قريبة من بيتنا .
أشتري بعض الحاجات التي أشعر أنها قد توفر بعض المال على لينا و زوجها , فوضعي المادي أفضل منهما بكثير , أنا مليونير تقريباً .







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-05-2011, 09:48 PM   رقم المشاركة : 154
معلومات العضو
عبدالله الحلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالله الحلبي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالله الحلبي غير متصل


افتراضي رد: هذا ما يحدث في سجون سوريا

مسألتان أرعبتاني .
اتركوني بسلام فأنا لا أريد منكم شيئاً .
منذ فترة حضر خالي الوزير – وهو يتردد لعندنا بشكل دوري – وبعد الكثير من الأحاديث المعتادة , التفت إليّ فجأة وقال :
- أما آن الأوان .. تفكر بمستقبلك ؟.
وجمدت !!.
المستقبل ؟!.. وهل لإنسان في مثل سني ووضعي مستقبل ؟!.
خالي مثل أغلب رفاقه, آراؤه قاطعة حاسمة ولا تقبل النقاش, يتكلم دائماً بلهجة العارف بكل شيء, ويتخذ هيئة من يمتلك الحقيقة دائماً .. ولوحده!.
لذلك قال كلامه هذا بلهجة الآمر, وتطرق إلى المسألتين المرعبتين بالنسبة لي : العمل .. و الزواج !.
أيد جميع الحاضرين الفكرة, انتفخت أوداج خالي , ابتسم , التفت إلى بعض نساء العائلة وقال :
- أمر العمل , اتركوه لي .. أما الزواج فهو مهمة هــ الصبايا , يا الله .... شوفوني شطارتكن .... ونقوا شي عروس تكون حلوة ومناسبة لهذا العريس المليونير .
ارتفعت صيحات النساء وزقزقاتهن وفوراً بدأن أحاديث جانبية عن مواصفات العروس المطلوبة .
ذهب خالي وانهمك الجميع في ترتبات الخطبة و الزواج , وانا صامت ! لم يسالني أحد رأيي , وبقيت صامتاً . هاتان المسألتان أتعبتاني لفترة طويلة .
بعد مضي حوالي الاسبوعين طلبني على الهاتف موظف كبير في الإذاعة و التلفزيون , عرفني على نفسه وطلب مني الحضور إلى مكتبه لمناقشة سيناريو مسلسل تلفزيوني وقال :
- إذا عجبك السيناريو, فوراً نوقع العقد لتخرجه, ولا تسأل عن الإمكانيات المادية فهي متوفرة و الحمد لله .
احتجت إلى الكثير من اللباقة لكي أعتذر بلطف , لكنه واصل :
- يا أخي لا ترفض , تفضل لعندي إلى المكتب و أنا واثق أنك ستقتنع , يعني..لا تواخذني..أنت صحيح مخرج لكنك اسم غير معروف, وأنا لاعتبارات أظنك تعرفها, أقدم لك فرصة العمر على طبق من ذهب .
ورفضت .
نتيجة الرفض كانت توبيخاً شديداً من خالي عند المساء , وأمرني أن أوافق على العرض , لكني رفضت , قال بغضب :
- انت واحد حمار .
بقيت مسألة الزواج، لا يمر يوم دون أن تتصل أو تحضر إحدى نساء العائلة ، أغلبهن يبدأن الحديث بجملة واحدة :
- أما شو لقيت لك عروس .. لقطة .. لقطة ، واذا مشي الحال .. راح يكون بيتك بالجنة .
وتبدأ عرض مزايا هذه العروس التي قد تكون قريبتها أو جارتها ، واحداهن رشحت لي أختها .
كنت أحتاج إلى صبر أيوب ، خاصة والحديث يجري مع النساء ، فأنت تسطيع بسهولة أن تجعل أية إمرأة تيدأ الكلام ، لكن من العسير جدا أن تجعلها تسكت .







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-05-2011, 09:51 PM   رقم المشاركة : 155
معلومات العضو
عبدالله الحلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالله الحلبي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالله الحلبي غير متصل


افتراضي رد: هذا ما يحدث في سجون سوريا


اتركوني بسلام فأنا لا أريد منكم شيئا .

منذ أن خرجت من السجن أحسست أن هناك هوة لا يمكن ردمها أو جسرها بيني وبين الآخرين ، حتى أقرب الناس إلي ، اخوتي أو لينا، أحك عواطفي ومشاعري فلا أشعر تجاههم بشيء ، الحيادية في المشاعر ، لا شيء يشدني ، لا شيء يثير اهتمامي .
لكل انسان لغة تواصل خاصة به يستخدمها بإقامة العلاقات المتفاوتة في القرب أو البعد عن الناس ، هذه اللغة .. لغتي الخاصة بالتواصل مع الناس ، مفقودة .. ميتة ، والأكثر من ذلك ليست لدي الرغبة بالمطلق في إيجاد لغة تواصل جديدة ... أو احياء القديمة .
دائما أشعر أن لهم عالمهم .. ولي عالمي ، أو ليس لديّ عالم أبدا ، لكن قطعا لا أنتمي لعالمهم .
أرتعب من فكرة الاضطرار إلى مخالطة الناس بحكم العمل أو أي شيء آخر ، أريد الابتعاد عنهم أكثر
ما يمكن !! .. الانزواء !.
أريد أن أكون منسيا ومهملا منهم .
الزواج ؟ .... يا الهي .
أن تأتي إنسانة ما تشاركني فراشي وطعامي ومرحاضي وروائحي !!..
إن مجرد التفكير بهذا المضوع يتعبني ويصيبني بالدوار .
اتركوني بسلام فأنا لا أريد منكم شيئا !.
وفي لحظة غضب طلبت من لينا أن تبلغ الجميع هاتفيا انني لا أريد من أحد أن يكلمني في موضوع الزواج بعد اليوم أبدا .
كانت النتيجة أن قال لي خالي :
- أنت واحد بغل .
أما النساء اللواتي كن يسعين لتزويجي فقد اعتبرن الموضوع ماسا بكرامتهن وانطلقت السنتهن تنهشني ..
- لا تعمل خير ، شر ما يجيك ..
- على شو شايف حاله !! . يعني كل واحد يدخل شي يومين عـ السجن يصير يعنطز حاله هيك !
- رضينا بالهم ، لكن الهم ما رضي فينا ..
- يعني ختيار " مكحكح " واصلع .. مثل القرد ، يعني لأنه عندو قرشين ما عاد حدا يعجبه !.. صحيح مثل ما يقول المثل : يا آخذ القرد على ماله ، بيروح المال ويظل القرد على حاله .
كل هذ وأكثر .. ولكن رب ضارة نافعة ، فقد تحولت العلاقات إلى ما يشبه القطيعة .
وأخيرا .. تركوني بسلام .







 
رد مع اقتباس
غير مقروء 18-05-2011, 09:53 PM   رقم المشاركة : 156
معلومات العضو
عبدالله الحلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالله الحلبي
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالله الحلبي غير متصل


افتراضي رد: هذا ما يحدث في سجون سوريا

25 كانون الأول
اليوم عيد الميلاد ، وهو يتوافق مع العيد الثاني لميلاد ابنة لينا .
حقا أنني قد عشت عمرا طويلا !! .. وقد يكون أكثر من اللازم ، لا زلت أذكر حماسي الشديد عند ما كنا نحضر للاحتفال بأعياد ميلاد لينا نفسها ، الأول .. الثاني .. الثالث .. وحتى الخامس .
الآن أرقب " ومن مسافة " التحضيرات الحماسية لأجواء عيد الميلاد ، وللاحتفال بعيد ميلاد ابنة لينا .

************

طوال الشهور الماضية حياتي محصورة بمجموعة من الأفعال القليلة ، وعلى الأغلب يشكل قسم منها السبب أو العلة للقسم الثاني :
أنام ، آكل ، أشرب ... و... استيقظ ، أتغوط ، أتبول ..
أتجول هائما على وجهي في الشوارع والطرقات والحدائق ، حولي الكثير من الناس ، لكني لا ألحظ الوجوه ، أحس الناس كتلة هلامية ، أو كتلة أثيرية .. جزءاً من الهواء المحيط بي ، لا ألحظ شيئاً أو وجهاً ... فالانسان عادة لا يرى الهواء المحيط به .
اشتريت جهاز تلفزيون جديداً وضعته في غرفتي ، لا اشاهد إلا الأفلام الأجنبية والمسلسلات ، لا أتابع الأخبار مطلقا ، لا أفوت أية مباراة كرة قدم سواء كانت محلية أم أجنبية .
أنور زوج لينا يعمل مبرمجا للكمبيوتر ، أغراني بتعلمه وهو لا ينفك يردد عبارة : " في هذا الزمن من لا يعرف الكمبيوتر يعتبر أميا " ، تعلمت واشتريت جهازا حديثا ذا نوعية جيدة ، لم استخدمه إلا لألعاب الورق
" الشدة " وخاصة لعبة تسمى " العنكبوت " .
منقطع كليا عن كل ما يدور في هذا العالم ، حاولت لينا عدة مرات أن تعيد صلتي بالناس .. بالمحيط ، أحيانا كنت أحب أن أسايرها وأجاملها ، لكني رفضت بعناد تغيير أسلوب حياتي .
في حضور الناس أحس بالوحشة والغربة ، أشعر أن هناك عبئا ثقيلا ملقى على كاهلي !.. ولا يزول هذا الاحساس إلا عندما أعود إلى غرفتي , استلقي على سريري وأحدق بالسقف , أبقى ساعات .. ساعات طويلة على هذه الشاكلة .. ودون أن أفكر بشيء !.
أنور ولينا يتحركان الآن بحماس شديد ، يزينان شجرة الميلاد ، بحضران الشموع .. يرتبان المائدة ، هناك عدد من المدعويين ، أفكر كيف سأتملص من هذه الحفلة الصاخبة !.. في داخلي حزن أسود .
لم أخبر أحدا بما حدث لنسيم !.
************

منذ عشرة أيام رن الهاتف في البيت ، عادة لا أرد أنا على الهاتف ، ليس هناك من يتصل بي ، ظللت مستلقيا على سريري ، نادت لينا :
- يا عمو .. التلفون الك !.
لأول وهلة جفلت ، ذهبت إلى حيث التلفون ، لينا تمسك السماعة ، سألتها :
- مين ؟ .
- واحد اسمه الدكتور هشام .






 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 08:51 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط