منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > منتدى نصرة فلسطين والقدس وقضايا أمتنا العربية

منتدى نصرة فلسطين والقدس وقضايا أمتنا العربية منتدى مخصص لطرح المواضيع المتنوعة عن كل ما يتعلق بالقدس الشريف والقضية الفلسطينية وقضايا الأمة العربية .

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 25-09-2026, 09:02 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي ماذا تكشف ذاكرة الفلسطينيين عن غزة اليوم؟

النكبة التي لم تنتهِ:
ماذا تكشف ذاكرة الفلسطينيين عن غزة اليوم؟
يتغير السلاح الإسرائيلي، وتتسع قدرته على القتل، لكن وظيفة العنف تبدو مألوفة: إخافة السكان، إفراغ المكان، تدمير شروط البقاء فيه، ثم تحويل الرحيل من احتمال مؤقت إلى واقع تشرد مفروض. من الرصاص الذي دخل البيوت في 1948، إلى القتل والهدم في 1967، وصولًا إلى الإبادة في 2023، لم تتكرر الحرب بالصورة ذاتها، لكن تطورت قدرتها على جعل الفلسطيني يدفع ثمن البقاء في أرضه.

حين تقول امرأة فلسطينية في أواخر عقدها السابع من العمر وهي تنزح من بيتها في غزة تحت القصف: “عدنا مثل حكاية عام 1948″، تصبح المسافة بين الماضي والحاضر أقصر من أن تُقاس بالسنوات. النكبة هنا ليست ذكرى محفوظة في الصور والكتب، ولا حدثاً انتهى قبل نحو ثمانية عقود، بل تجربة تنتقل من جيل إلى آخر، وتعود بأشكال مختلفة.

في شهادات فلسطينيين عاش بعضهم النكبة، وعبر بعضهم نكسة 1967، ثم وجدوا أنفسهم وسط حرب غزة منذ 2023، تتجاور الأزمنة داخل السيرة الواحدة. تتغير الأسلحة، وتتسع رقعة التدمير، وتختلف الجغرافيا، لكن سؤالاً واحداً يلاحق أصحاب هذه الشهادات: كم مرة بإمكان الإنسان أن يُقتلع من مكانه، وأن يبدأ من جديد، قبل أن يتحول النزوح من حدث استثنائي إلى شكل من أشكال الحياة؟

هنا، في هذه الشهادات، لا يبدو الماضي بعيدًا كما يفترض له أن يكون. يكفي أن يبدأ أحدهم في الحديث عن الطريق الذي خرج منه، أو البيت الذي تركه، أو الخوف الذي دفعه إلى الركض، حتى تتداخل السنوات ببعضها: نكبة 1948 تقترب من نكسة 1967، و1967 تجد طريقها إلى حرب الإبادة في 2023، ويصبح ما ظُنّ أنه تاريخٌ مضى شيئًا يحدث الآن من جديد.

تقول الحاجّة فاطمة شقفة (78 عامًا)، وهي تستعيد ذكرى نزوحها في الحرب الأخيرة: “عدنا مثل حكاية عام 1948”. لم تكن تستعيد الحكاية من كتاب أو صورة أرشيفية؛ كانت ترى حولها مشهدًا يشبه ما حفظته ذاكرتها وسمعته من أبيها: أناس يخرجون على عجل، أطفال يبكون، أقدام حافية، أشياء تُترك خلفهم، وماء وطعام يصيران أكثر إلحاحًا من أي شيء آخر. في 1948 خرجت عائلتها من بلدة عاقر تحت الخوف، وفي 1967 نزحت نحو البحر وصولاً إلى غزة، وفي 2023 وجدت نفسها تركض مرة أخرى بحثًا عن مكان لا تصل إليه الحرب داخل غزّة المحاصرة براً وجواً وبحراً.

بالنسبة إلى جيل عاش أكثر من حرب، لا تأتي النكبة في صيغة حدث واحد يمكن وضعه في الماضي. آمنة حسن عدوان، التي عاشت تهجيرها من يافا عام 1948، تقول إنها نزحت أكثر من سبع عشرة مرة في حياتها. وبينما تتغير المدن التي يذهب إليها الناس، وتتبدل وسائل النقل والأسلحة وشكل القتل والتهجير، يبقى في شهادتها شيء ثابت: وطن متروك، ومكان يُبحث عنه، ثم أمر جديد بالرحيل والإخلاء.

أما أم منير، التي عاصرت 1948 و1956 و1967، فتضع حدًا مهمًا لأي مقارنة سهلة بين الأزمنة. فهي لم تُجبر على مغادرة بيتها في أيٍّ من تلك الحروب، في حين أجبرتها حرب 2023 على النزوح وسط دمار واسع طاول البيوت وكل منشآت الحياة، وفقدت فيها أكثر من خمسة وعشرين فردًا من عائلتها. هكذا لا تقدم الذاكرة الفلسطينية صورة عن تاريخ يعيد نفسه حرفيًا، بقدر ما تكشف عن أنماط تعود بأشكال مختلفة، وتترك في كل مرة أثرًا جديدًا فوق آثار لم تلتئم.

وهذا ما يجعل من غرض هذه الشهادات قضية أكبر من استعادةٍ شخصيةٍ للماضي. إنها تضع أزمنة مختلفة في موازاة بعضها، وتسمح بالنظر إلى أكثر من سبعة عقود من التاريخ من داخل سيرة الإنسان نفسه وذاكرته التي تسأل: ماذا يبقى من النكبة حين يعيشها المرء مرة، ثم يسمع عنها من والديه، ثم يجد بعض صورها تعود أمام عينيه؟ ماذا يحدث لذاكرة التهجير والطرد حين لا تكون الهجرة مجرد ذكرى، وإنما تجربة قابلة للتكرار؟

منذ النكبة، عرف الفلسطينيون موجات متعاقبة من النزوح ومحاولات الاقتلاع، وإن اختلفت ظروف كل مرحلة وأدواتها. ففي حرب غزة التي بدأت في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وثقت الأمم المتحدة نزوحًا واسعًا ومتكررًا داخل القطاع؛ ففي كانون الأول/ ديسمبر من ذلك العام، كانت تقديرات الأونروا تشير إلى نزوح ما يصل إلى 1.9 مليون شخص، مع اضطرار كثيرين إلى النزوح أكثر من مرة بحثًا عن الأمان.

لكن الأرقام، مهما اتسعت، لا تستطيع وحدها أن تقول ما يعنيه أن يعيش الإنسان أكثر من تجربة من هذا النوع. وحدها الشهادة تتيح رؤية ما يحدث حين تتراكم هذه الأزمنة داخل حياة واحدة: كيف يتحول البيت إلى مكان مؤقت، وكيف تصبح الخيمة صورة قديمة وجديدة في آن، وكيف يعود أمر “ارحلوا” بأشكال مختلفة، وكيف بإمكان جيل كامل أن يرث من سابقيه ليس فقط ذاكرة المكان الذي فقدوه، وإنما الخوف من فقدانه مرة أخرى.

ما الذي تحفظه الذاكرة حين يتكرر الرحيل؟
لا تحتفظ الذاكرة بكل شيء. مع مرور السنوات، تتساقط منها تواريخ وأسماء وتفاصيل كثيرة، لكن بعض المشاهد تظل عالقة، كأنها وجدت في الذاكرة مكانًا لا تصل إليه السنوات. عند الحاجة، لا تستعيد فاطمة شقفة عام 1948 بوصفه تاريخًا، وإنما تستعيد مشهد خروجهم نازحين حسب ما رواه لها والدها، حيث الطريق المكتظّ بالناس الذين خرجوا حفاة، الأطفال الذين بكوا، العربات التي حملت ما استطاع أهلها حمله، والبيوت التي تركها أصحابها وراءهم على عجل.

كانت في العشرين يومًا من عمرها حين خرجت عائلتها من عاقر، ولذلك جاءت ذاكرتها عن ذلك العام من حكايات أبيها وأهلها، ومن آثار تركتها الهجرة في حياتها. تقول إنهم وصلوا إلى رفح – سيناء، وأقاموا في خيام من القماش وألواح الـ”زينكو” وطبخوا على النار في الحر.

في نكسة الـ 67، وجدت فاطمة نفسها أمام نزوح جديد. آنذاك، اتجهت العائلات نحو البحر، بحثًا عن مكان يقيها القصف، فيما كان الجوع والماء الملوث جزءًا من ذكريات تلك الأيام. تتذكر كيف أكل الناس ثمار الجوافة غير الصالحة وكيف التقطوا حبات البلح عن الشجر، وكيف ناموا على رمل الشاطئ، ليأتي بعد ذلك صوت مكبرات الطائرات: “ألو… ألو”، يأمر الناس بإخلاء الشاطئ أيضاً للعودة إلى أماكنهم التي نزحوا منها. تذكر فاطمة أن الذعر في ذلك الوقت كان أكبر من أي شيء، إذ إن العودة كانت مجرد فخ، “كل الي رجعوا استشهدوا عملوا فيهم مجزرة”…

بعد أكثر من خمسة عقود، عرفت فاطمة الصوت نفسه في حرب مختلفة، تعود الذكريات نفسها في جولةٍ أخرى، الخروج من البيت تحت وطأة القصف الشديد، وحين وصلت إلى المواصي، لم تجد مكانًا مجهزًا لاستقبال النازحين، فصنع الناس ملاجئهم من سعف النخيل وما توفر لهم. ثم قالت الجملة التي تختصر علاقتها بكل هذه السنوات: “عدنا مثل حكاية عام 1948”.

لا تتشابه الأعوام الثلاثة في كل شيء. تغيّرت الأسلحة، واتسعت قدرة الحرب على التدمير، وتبدلت الطرق التي يسلكها الناس وقت المغادرة، لكن بعض التفاصيل التي تحفظها الذاكرة بقيت قادرة على وصل زمن بآخر.

بالنسبة إلى محمد الشيخ علي، فالتجارب التي خضع لها من نزوح وهجرة ليست في صورةٍ واحدة يمكن وضعها في عام محدد. يقول إن “كل نزوح يترك أثرًا”، وإن الانتقال من بيت إلى بيت، ومن خيمة إلى خيمة، ومن منطقة إلى أخرى، يُثقل على الناس، خصوصًا المسنين. لا يتحدث عن النزوح باعتباره لحظة تنتهي عند الوصول إلى مكان جديد، يقول “نصيبنا نضل مشردين”.

أما آمنة حسن عدوان، المولودة عام 1938 في يافا، فتقيس حياتها بعدد المرات التي اضطرت فيها إلى التنقل، وتصف حياتها بعدم الاستقرار: “من يوم ما انخلقنا واحنا بننزح”. تتذكر خروجها من يافا إلى المجدل ثم إلى بيت حانون عام 1948، وتقول إنها نزحت أكثر من 17 مرة على امتداد حياتها وصولاً إلى هذه الحرب. لم يعد يعنيها المكان ولا معناه، انتقلت من بيت حانون إلى جباليا، ثم إلى مراكز إيواء ومناطق أخرى، قبل أن تجد نفسها تنتقل مرة أخرى. تقول ببساطة: “لا نزال نازحين وحنضل نازحين”.

لهذا، حين يستعيد هؤلاء الرجال والنساء حكاياتهم، لا يستعيدون الذاكرة تاريخًا واحدًا، بل نمطاً متكرراً في العيش يخصّ الفلسطيني نفسه ويقدمه عبر التاريخ في صورة: أن يجهز نفسه للرحيل قبل أن يعرف إلى أين سيذهب، وأن يتعلم مع كل نزوح ما الذي يستطيع حمله وما الذي سيضطر إلى تركه.

وربما لهذا أيضًا لا تبدو الأشياء في شهاداتهم مجرد صورة من الماضي، على سبيل المثال، آمنة التي عاشت في الخيام بعد النكبة عادت إليها في الحرب الأخيرة. وفاطمة، التي حملت في ذاكرتها خيمة الطفولة، بنت في 2023 مأوى جديدًا يشبهها بعدما خرجت من بيتها. وبين الخيمتين، امتدت حياة كاملة بذاكرة اللجوء والتهجير نفسها.

ثلاثة أزمنة ومشهد يتكرر
حين تتجاور شهادات الفلسطينيين الذين عاشوا حروبًا مختلفة، لا يتكرر التاريخ في تفاصيله، وإنما في بعض عناصره الأساسية. تتبدل المدن والأسلحة والظروف، بينما تعود إلى الواجهة أفعال متشابهة: مغادرة البيت، حمل ما يمكن حمله، البحث عن مكان آخر، ثم اكتشاف أن المكان الجديد قد لا يكون نهائيًا.

تكشف أرقام الأونروا عن جانب من هذا التكرار. بعد حرب 1967، أُجبر أكثر من 300 ألف شخص على مغادرة بيوتهم أو فقدوها، بينهم نحو 120 ألف لاجئ فلسطيني كانوا قد نزحوا أصلًا عام 1948. بالنسبة إلى هؤلاء، لم يكن التهجير تجربة تُستعاد في ذاكرة الآباء، وإنما حدثًا وقع مرة ثانية على الأشخاص أنفسهم. البيت الذي غادره صاحبه في النكبة لم يعد بالضرورة آخر بيت سيتركه قسرًا.

هذا المعنى يظهر بوضوح في حياة آمنة عدوان، التي تقول إن عدد مرات نزوحها تجاوز السبع عشرة مرة. الرقم هنا لا يعمل بوصفه إحصاءً فرديًا بقدر ما يكشف كيف يمكن للنزوح أن يتحول من حادثة استثنائية إلى نمط يتكرر داخل العمر نفسه. كل مرة تبدأ باعتقاد أن المكان الجديد قد يكون نهاية الطريق، ثم يأتي ما يعيد العائلة إلى نقطة الصفر: انتقال آخر، وحمل آخر للأغراض، ووجهة أخرى لا يُعرف كم ستدوم.

تكشف فاطمة شقفة عن تكرار أكثر تحديدًا. في ذاكرتها عن النكسة، يعود صوت مكبرات الطائرات وهي تردد “ألو… ألو” في أثناء النزوح. وبعد عقود، عاد الصوت نفسه تقريبًا في الحرب الأخيرة، فيما كانت تغادر من جديد. بالنسبة إلى من عاش التجربتين، لا تحتاج المقارنة إلى تشابه كامل بين الحربين؛ يكفي أن تعود وسيلة الأمر بالرحيل إلى المشهد نفسه حتى يصبح الماضي حاضرًا داخل اللحظة.

ويتكرر الأمر في شكل المأوى أيضًا. الخيمة التي تظهر في روايات النزوح القديمة تعود في الحرب الأخيرة، مع اختلاف المواد والظروف. في كل مرة، يتحول البيت من مساحة مستقرة إلى مكان مؤقت، وتصبح الخيمة علامة على أن الوصول لم يكن وصولًا نهائيًا. وحتى الأشياء التي يحملها النازحون معهم تتكرر وظيفتها: ما يكفي للبقاء أيامًا، لا ما يكفي لبناء حياة جديدة.

لكن التكرار لا يعني أن التجارب متطابقة. أم منير، مثلًا، لم تعش نزوحًا قسريًا في النكسة، قبل أن تصبح الحرب الأخيرة تجربة نزوح مباشرة لها. هذا الاختلاف مهم لأنه يمنع وضع حياة الفلسطينيين داخل قالب واحد؛ بعضهم واجه التهجير في أكثر من مرحلة، وبعضهم ظل في مكانه خلال حرب ثم خرج منه في حرب أخرى. ومع ذلك، حين اجتمعت تجاربهم في الحرب الأخيرة، وجدوا أنفسهم أمام عناصر عرفتها ذاكرة أقدم: الخوف الذي يدفع إلى المغادرة، الطريق المجهول، والمكان الذي يفترض أن يكون ملجأً ثم يصبح هو الآخر قابلًا للفقد.

لهذا تبدو أهمية التكرار في الشهادات أبعد من إثبات أن الفلسطينيين نزحوا أكثر من مرة. ما يتكرر هو العلاقة بين الإنسان والمكان: بيت يُترك، ومكان مؤقت يُبحث عنه، ثم يُترك بدوره. ومع كل دورة، لا يبدأ النازح من نقطة الصفر تمامًا؛ يحمل معه ذاكرة المرات السابقة، ويعرف شيئًا عن شكل الرحيل قبل أن يبدأ.

ربما لهذا بدت الحرب الأخيرة لكثير ممن عاشوا حروبًا سابقة مألوفة في بعض تفاصيلها، على رغم اختلاف حجمها وأدواتها. لم يكونوا يرون حادثة جديدة منفصلة عن كل ما سبق، وإنما مشاهد يعرفون ترتيبها: الخروج، الانتقال، الانتظار، ثم البحث من جديد عن مكان يمكن البقاء فيه.

من الطرد إلى التهجير: كيف يتغير شكل الاقتلاع؟
تبدأ الحاجّة أم يحيى البدرساوي، اللاجئة من بلدة “بيت دراس”، ذكرياتها القديمة عن الهجرة والنزوح من أصوات الرجال الذين جُمِعوا في خان يونس عام 1948، لا تتذكر المشهد بوصفه رقمًا في تاريخ الحرب، بل بوصفه فعلًا ما زال حيًا في حواسها: “جمعوا كل الشباب… وأخذوهم فردة واحدة وتخطّفوهم”. تتذكر مشهد اعتقال 30 فرداً من عائلتها وتجميعهم في طابور واحد لتُطلق عليهم النيران مرة واحدة تجسيداً لفعل الإبادة الذي تنتهجه إسرائيل لمحو الفلسطيني عن وجه الخارطة. ثم تنتقل إلى عام 1967، حيث يظل صوت الرجال المقتولين حاضراً مرة أخرى في قلب المشهد، بدون أن تختلف النتيجة، وإن اختلفت التفاصيل، لم تكن تلك الواقعة بالنسبة إليها نزوحًا عابراً أو مجرد رحيل، فتفاصيل كهذه مهمة لأنها تمنعنا من اختزال التاريخ في صورة واحدة ثابتة للتهجير. فوسيلة العنف المنتهجة منذ القدم في اقتلاع الفلسطينيين من أراضيهم لم تبدأ بأمر ترك البيت وعبور الحدود إلى المجهول، قد تبدأ بالخوف، بجمع الرجال والقتل، بتهديد المكان، وبإشعار الجماعة أن وجودها نفسه أصبح معلقًا على قرارٍ عسكري ضد مدنيين عزّل.

لهذا تقول أم يحيى وهي تقارن الماضي بالحاضر: “في اختلاف كبير كتير كتير بين الماضي والحاضر، فرق شاسع بين كل الحروب”. تكشف هذه العبارة عن الاستمرارية بقدر ما تكشف عن الاختلاف. فالحاضر، في تجربتها، لم يُلغِ أشكال العنف السابقة؛ بل وسّعها. ما كان في تجارب سابقة يستهدف الرجال فقط في أماكن محددة، أو يفرض خوفًا موضعيًا، صار في الحرب الراهنة يطاول المدنيين كافةً والحركة اليومية نفسها، ويحوّل النزوح من حادثة استثنائية إلى تجربة متكررة. ولعل أكثر ما يكشف ثقل هذه الاستمرارية أن أم يحيى، وهي امرأة عاشت عقودًا طويلة، لا تتذكر الحرب الراهنة وحدها حين تخاف؛ الماضي يدخل معها إلى الخوف الجديد. تقول: “بتذكر صوتهم وكلامهم ونداتهم عليّ ودخولهم علي… كله خيال ما بننساه”، وتقارن ذلك بليلة نزوحها من مخيم “البريج” في الحرب الأخيرة، حيث ركضت مع أحفادها وبناتها في الليل تنفيذاً لأوامر إخلاء عاجلة. تقول: “بلغونا نخلي العمارة، طلعنا بطولنا نجري إحنا وصغارنا خلال دقيقتين، ولما طلعنا قصفوا المكان كله الي أخليناه والي لجأنا اله”.

نجت أم يحيى مع عائلتها وعبرت ليلتها من وسط جثث وأشلاء أطفال تطايروا من مكان القصف، “شفتهم بعيني ورجعتلي ذكرى النكبة لما طخوا على ولاد عمي وقتلوهم”.

هنا لا تعود الذاكرة خلفية للحكاية، بل تصبح جزءًا من الحدث الجاري. فالشخص الذي عاش عنفًا متكررًا لا يبدأ كل حرب من نقطة الصفر؛ الحاضر قد يوقظ خبرات أقدم ويعيد منحها حضورًا جسديًا ونفسيًا.

ربما لا تحتاج المقارنة بين زمن النكبة والحرب الراهنة إلى كثير من الشرح بقدر ما تحتاج إلى الإصغاء إلى امرأة كهذه قطعت المسافة بينهما بجسدها، حين تسرد طريقها من بيت دراس، ثم بيت حانون، ثم البريج، ثم خانيونس، تبدو الجغرافيا في روايتها كأنها قائمة طويلة من محطات مؤقتة لم تجد فيها العائلة وقتًا كافيًا لتستقر قبل أن تباغتها محطة النزوح التالية.

لكن الفارق الذي تضعه أم يحيى بين زمنين لا يكمن في أصل الفعل وحده، وإنما في حجمه ووسائله وما تركه من امتداد. في طفولتها، كان الخروج من المكان يعني السير إلى مكان آخر على أمل أن تنتهي الحرب، أما اليوم، فقد صارت الهجرة نفسها تتكرر داخل القطاع، من حي إلى حي، ومن مدرسة إلى ملعب، ومن مدينة إلى أخرى، حتى تفقد الخريطة قدرتها على أن تكون دليلًا إلى نهاية. تقول وهي تستعيد مسار نزوحها منذ 2023: “طلعنا على خانيونس، طلعنا على رفح، رجعنا من رفح على خانيونس… من دير البلح رجعنا على غزة… وبعدين رجعنا على دير البلح”.

في هذا التكرار يكمن أحد أكثر التحولات قسوة: لم يعد النازح يبحث فقط عن مكان بديل، وإنما عن مكان يستطيع أن يمكث فيه من دون أن يتعرض فجأة إلى إخلاء ومغادرة أخرى، في رواية أم يحيى تختلط الذكريات لديها ما بين نكبة سابقة ونكسة تلتها وحرب إبادة تعيشها الى الآن، لتؤكد أن التعرض المتتابع للأحداث العنيفة لدى المسنين قد ينتج ضغطًا تراكميًا، إذ تتداخل الخبرات السابقة مع الصدمة الراهنة وتؤثر في القدرة على الإحساس بالاستقرار والتعافي.

ولذلك تختصر أم يحيى تجربتها الممتدة منذ 1948 حتى اليوم بعبارة تبدو أبسط من أن تحتمل كل ما وراءها: “لا زلنا نازحين”. أربعة وسبعون عامًا تقريبًا تفصل بين خروجها الأول من”بيت دراس” وحياتها الحالية، لكن الكلمة بقيت هي نفسها، الذي تبدل هو المسافة، والسرعة، وعدد المرات، واتساع الدمار، أما الهجرة، فقد تحولت من حدثٍ في سيرتها إلى السيرة نفسها.

يتغيّر السلاح ولا يتغيّر الهدف
لا تبدو المقارنة بين النكبة والنكسة وحرب غزة في 2023 بحثًا عن نسخة واحدة من التاريخ؛ فالوقائع والسياقات وأدوات الحرب مختلفة. لكن النظر إلى طريقة التعامل مع السكان المدنيين يكشف خيطًا أكثر ثباتًا: حين يصبح الاستيلاء على المكان هو الغاية، يتحول المدنيون أنفسهم إلى جزء من معركة إخلائه.

في دير ياسين، في نيسان/ أبريل 1948، اقتحمت مجموعات صهيونية القرية وقتلت مئات من سكانها، بينهم رجال ونساء وأطفال. وثقت الأمم المتحدة روايات عن قتل المدنيين وتجريد بعضهم وإطلاق النار عليهم، فيما تحولت المجزرة إلى حدث ترك أثرًا واسعًا في خوف السكان الفلسطينيين ودفع آخرين إلى الفرار.

بعد تسعة عشر عامًا، لم تختفِ أدوات الإكراه؛ تبدلت ساحتها. خلال حرب 1967 والاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، وثقت لجنة أممية حالات قتل لمدنيين، بينهم رجال ونساء وأطفال، وإعدامات ميدانية وعمليات تهجير قسري وهدم للبيوت. وفي خان يونس، تحدثت إفادات أمام اللجنة عن اقتياد السكان وإطلاق النار على بعضهم، فيما رافق الاحتلال تدمير للمساكن ودفع السكان إلى مغادرة أماكنهم.

ثم جاءت غزة في 2023 لتُظهر كيف يمكن للأداة نفسها أن تتضخم إلى حد غير مسبوق. لم تعد القوة محصورة في الجندي الذي يدخل البيت؛ صارت الطائرة والمدفعية والقنابل ذات النطاق الواسع قادرة على ضرب أحياء كاملة في دقائق. وثقت لجنة التحقيق الأممية هجمات واسعة على مناطق مدنية مكتظة، وتدمير أحياء كاملة، وارتفاعًا هائلًا في أعداد الشهداء والمهجرين، مع استخدام متكرر لأسلحة ذات أثر واسع في المناطق المأهولة.

هكذا يتغير السلاح الإسرائيلي، وتتسع قدرته على القتل، لكن وظيفة العنف تبدو مألوفة: إخافة السكان، إفراغ المكان، تدمير شروط البقاء فيه، ثم تحويل الرحيل من احتمال مؤقت إلى واقع تشرد مفروض. من الرصاص الذي دخل البيوت في 1948، إلى القتل والهدم في 1967، وصولًا إلى الإبادة في 2023، لم تتكرر الحرب بالصورة ذاتها، لكن تطورت قدرتها على جعل الفلسطيني يدفع ثمن البقاء في أرضه.

..


https://daraj.media/%D8%A7%D9%84%D9%...Z6HckbtVw0BKpw







التوقيع

https://www.facebook.com/ziad.hawash...ibextid=ZbWKwL
‏"لن تنتصر الضحية على الجلاد إذا لم تتفوق أخلاقيا عليه"
- إدوارد سعيد.

 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 02:27 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط