لم يدخل حمّان إلى دار الفلسفة من بابها الأكاديمي الصلد؛حين أشرقت عليه شمس ذلك اليوم الذي أخذ يردد فيه قولته الشهيرة الأثيرة :الحمير حرّة ..الحمير حرة ؛لأن حماري قد اختار ..لأن حماري قد اختار.هذه القولة التي تناقلتها ألسنتنا في الدّوار ساخرين ،بسرعة الصوت ،وكسّرت جماجمنا تكسيرا ،قبل أن ندرك فحواها؛إذ سنكتشف أن وراءها قصة مأساوية .فقد ورث حمان عن أبيه حمارا كان ينظر إليه في البداية على أنه وسيلة نقل وعمل لاغير ،بيد أنه بمرور الأيام توطّدت علاقتهما ،فصار كل شيء بالنسبة إليه.استطاع حمان الذي اختار أن يظل أعزب اكتشاف لغة للتواصل مع حماره الذي بات يفهم إشاراته،ممتثلا لأوامره، منكفا عن نواهيه بكل احترام للرجل الذي أفنى زهرة شبابه معه.والحقيقة أن دحمان كان يحسن إلى حماره أيما إحسان ،فهو لا يرهقه ،ولا يجبره على القيام بشيء بدر منه ما يدل على رفضه .ولكن المشكلة مع حماره بدأت في الانتخابات الأخيرة التي جعلت بنكيران رئيسا للحكومة للمرّة الثانية على التوالي.فقد كان دحمان كغيره من أهل الدّوار يرى أن هذا الرجل هو المهدي المنتظر الذي سيملأ الدنيا عدلا بعد ان ملئت جورا ؛لهذا قرر في انتخابات الولاية الأولى أن يركب حماره ،ويشارك في الحملة الانتخابية بمعية مناضلي الحزب الذين كانوا يفدون على الدوّار غير عابئ بالمنتقدين. إلا انه لقي معارضة قوية من حماره في الحملة الانتخابية الأخيرة ،فقد رفض أن يركبه حمان الذي قرر مرة أخرى أن يقف إلى جانب بنكيران .وهنا ثارت ثائرة حمان فضرب حماره ضربا مبرحا لأول مرة ،ولم يصدّق حين ركله حماره ،وكاد يرفسه لولا أنه أنقذ نفسه بالهروب إل الخارج .تابع حمان الدعاية للحزب العظيم على أمل أن ينجح المهدي في تحقيق ما عجز عن تحقيقه في الولاية الأولى ؛لأن العفاريت حالت دون ذلك.ولاحظ حمان أن حماره بات يرفض الأكل والشرب ،فحاول إغراءه بالشعير الذي ارتبط في ذهن الحمار بالحملة الانتخابية الأولى، ولم يجد تفسيرا لغيابه طيلة خمس سنوات مضت ،ففكر أن يقدم له التبن طعامه المعهود ،غير أنه لم يقترب منه .وفي آخر يوم من أيام الحملة الانتخابية عاد حمان متأخرا إلى منزله ،وبيده كيس من الشعير ؛ليصالح به حماره .لكن صدمته كانت قوية حين ألفاه ميتا والتبن والشعير بقربه ؛فأخذ يركض في الدوار ،ويصرخ كالمجنون مرددا قولته الشهيرة :الحمير حرة ..الحمير حرة ؛لأن حماري قد اختار ..لأن حماري قد اختار.هذه القولة التى دحضت بقوة باهرة عبارة جان بوريدان الشهيرة .