الدين والحياة والفطرة
- هل الدين ضرورة حياتية؟
وهل فطرة الإنسان هي ركيزة الدين وقناة اتصاله بالحياة؟
وهل يمكن للإنسان أن يعيش دون الارتباط بدين ما؟ وإذا عاش حياته دون دين، هل يمكن له أن يوجد توازناً داخلياً في ذاته وتوازناً خارجياً مع مجتمعه؟
أسئلة قد تبقى دون أجوبة حاسمة وقد ينقضي الدهر دون أن يقتنع بعض الناس أن التدين طريقة وقائية للإنسان أو مضاد حيوي له أمام جراثيم الحياة على أنه ينبغي ألا نعفل منذ البداية أن وجود الإنسان على هذه الأرض إشكالية كبيرة ولن تحل إلا بإعادة الموازين العادلة يوم القيامة، وإشكالية وجوده جاءت من كونه يمتلك نوازع ودوافع تشترك مع القول في صنع الايجابي والسلبي في هذه الحياة ولو لا وجود الدين (كقانون إنساني أخلاقي اجتماعي اقتصادي فكري سياسي) لبقي الإنسان متجهاً باتجاه السلبي وبالتالي باتجاه البطش والقتل والموت والدمار وما نزعة الإنسان باتجاه السيطرة إلا معول الهدم الحقيقي في حياة الجماعة الإنسانية وحتى في حالة وجود الدين (وتطبيقه النسبي) بقي الإنسان في اتجاه نحو السلبية بحكم سيطرة أنانيته في حب الكسب دون النظر إلى ما يحدثه هذا الكسب غير المسيس دينياً من ثغرات اجتماعية وإنسانية وحياتية.
ولقد أدرك علماء الاجتماع والنفس والتربية أن مبادئ الدين ما جاءت إلا لتؤطر حياة الإنسان وإرشاده إلى طريق الحق والخير والعطاء. وأن فطرة الإنسان ذاتها تسعى بشكل مستمر لتحقيقة قضية الحق والخير والعطاء السالفة الذكر، وأن الإنسان ما ينحرف إلا بفعل سيطرة نوازعه على عقله وخروجه من دائرة الفطرة إلى دائرة العداء المكتسب وليس طلب الشيطان من الله تعالى أن يمهله حتى تقوم الساعة إلا سعياً منه في سبيل جعل فطرة الإنسان منحرفة باتجاه الأسوأ والأقبح.
وإذا كان بحث الإنسان المستمر عن ذاته من خلال قيم صادقة إنما جاء بفعل الدين، فإن النوازع المدمرة هي التي تسعى من أجل تحقيق نكوص الفعل الإنساني والخروج من دائرة الفضيلة والاتجاه إلى دائرة الرذيلة ، فالإنسان محب للخير ساع لتحقيقه بفعل فطرته، وإن كان يبدوا للوهلة الأولى أن أفعال الإنسان التدميرية المكتسبة تفوق أفعاله الفطرية الخيرية.
وقد أوضح الله تعالى ذلك في كتابه العزيز حين قال:
(وهديناه النجدين) سورة البلد (10)
وتوجه بزرع العقل ذلك الحاجز المنيع أمام نوازع الشر إضافة إلى أن بعث الرسل ومجيء الأديان هو خط الدفاع الأول في خلق إنسان يكون خليفة حقيقياً على هذه الأرض ويسهم في بناء الحياة بناءاً سليماً. إن عملية خلق الكون بما فيه هي عملية تسخيرية لأجل هذا الإنسان:
(ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطَّيبات وفضَّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) سورة الإسراء الآية (70).
وحتى الدين نفسه ما أنزله الله إلينا إلا خدمة لهذا الإنسان علّه أن يكون الخليفة الحقيقي الذي يسهم في إعمار الكون وبنائه بناءً سليماً معافى من الشر والنكوص. وإن فطرة الإنسان هي جزء من هذه الثلاثية المترابطة المتعاضدة الساعية إلى توجيه ناصية هذا الإنسان نحو الخير والعدل والحق.
الألوهية وأحقية العبادة
حسين علي الهنداوي
[email protected]