جبران النبي
في سنة 1933، انصرف الى التأليف باللغة الإنكليزية بنجاح فريد، وأصدر عدداً من الكتب وصل الى الثمانية، وذلك خلال ثمانية أعوام. كان أهم هذه الكتب كتاب "النبي" الذي لاقى شهرة عالمية، وهزّ ضمير العالم العربي والأميركي والأوروبي، ببساطته وعمقه، والأبعاد التي يوحيها، الى دقة تركيبه وموسيقاه الشاعرية، واحتجاجه على أي قيد يقيد الحرية والجمال... نشر "النبي" فوصل حتى الكنائس، وأصبح يدرّس في الجامعات الأميركية والعالمية ويتصدّر المكتبات العالمية بلغاته المتعددة. فلقد ترجم الى الألمانية والفرنسية بعد صدوره بسنتين، ويعتبر "النبي" الكتاب الرابع انتشاراً في العالم.
هذا الرجل من لبنان
في نيويورك تعمق الناس كتّاباً وفنّانين، ورواد مكتبات، في أثر "وجه المصطفى" في نفوسهم، كما ناقشوا طويلاً تلك الرؤى التي مثلت أكثر فصول الكتاب. وممن حملهم الكتاب الى صاحبه، الشاعرة بربارة يونغ ملازمته حتى وفاته والتي عهدت اليها ماري هاسكل ومريانا شقيقة جبران السهر على محترفه. عام 1939 قامت يونغ برحلة الى موطن جبران لتقرأ خلفيات تكوينه في بشري ومدرسة الحكمة، ومن جديد استنطقت لوحاته لتضع كتابها "هذا الرجل من لبنان". يقول جبران في أحد رسائله التي دوّنتها ماري هاسكل في يوميات 16 حزيران 1923: "ألم أخبرك كيف رأيت وجه النبي؟ ذات ليلة كنت أطالع كتاباً وأنا في فراشي، تعبت. توقفت وأغمضت عيني... وأثناء هذه الغفوة رأيت ذاك الوجه واضحاً جلياً... ودامت الرؤيا على وضوحها دقيقة أو دقيقتين ثم اختفت. و"النبي" كان محاولة مني لإعادة رسم "وجه يسوع"، وما أكثر ما عانيت في "النبي". أكون مع صحب الى مائدة... وإذا بالوجه يتراءى فجأة... فأرى منه ظلاً أو خطاً معيناً... فأتمنى... الذهاب الآن الى المحترف لأضع هذا الخط مكانه في اللوحة. وأكون أحياناً نائماً... فأستيقظ فجأة وقد اتضحت لي تفاصيل جديدة فأنهض وأرسمها". حقق جبران شهرة كبيرة في أميركا لم يبلغها أيّ من العباقرة معاصريه، ودرّت عليه كتبه أرباحاً طائلة، فنزعت من قلبه طعم المرارة، ومن قلبه حرارة الشكوى. وبينما كان متربعاً على قمة مجده الأدبي، تمكّن منه المرض، فوافته المنية في مستشفى القديس "فنسنت" في نيويورك في العاشر من نيسان من العام 1931، ونقلت رفاته الى لبنان في 21 آب من العام نفسه، ودفن في دير مار سركيس قرب بشري بحسب وصيته، في المكان الذي كان يحلم بالعودة إليه. وقد أوصى بمعظم رسومه لصديقته ماريل هاسكل التي ساعدته في طريقه الى مجده الأدبي والفني، وبأمواله لأخته مريانا التي ساعدته أيام عسره، بما كانت تجنيه بإبرتها، وبريع كتبه لبلدته بشري. وبموته بدأ جبران يعيش فينا بأدبه وفنه وفكره. منشور النبي في مسائل المجتمع "الأدفليسي" جعلت جبران أكثر من كاتب ورسام وحكيم. إنه معلم روحاني يبسط الحياة فيردها الى نقائها الطبيعي. مشى جبران قبل أن يقول كلمته التي اعتبرها رسالته في الحياة، ولم يتحقق ما كان يصبو إليه من عالم مثالي يسوده الأمن والسلام والطمأنينة والإخاء... وقد قال لصديقته مي زيادة: "لا لم أقل كلمتي بعد، ولم يظهر من هذه الشعلة غير الدخان....
استند هذا المقال الى كتابات عدة حول جبران أبرزها: "جبران في متحفه" لوهيب كيروز، ومخطوطة "جبران في عصره لتغيير عصر" للمؤلف نفسه.
تكريم العبقري الذي استبق العولمة في العالم
جبران، العبقرية اللبنانية التي عانقت العالم بالأفكار الشمولية، التي هي اليوم أساس ثقافة السلام المرتكزة على المساواة بين الرجل والمرأة والعدالة والحرية والديموقراطية والإيمان ووحدة الأديان والسلام بين الشعوب. جبران، الذي استبق العولمة ووضع حلولاً للمشاكل الإنسانية والثقافية، كُرّم في مختلف دول العالم من خلال نشاطات متعددة خلّدت اسمه هنا بعضها:
-حديقة جبران في واشنطن:
في أوائل التسعينات، أنشـئت حديقـة بالقـرب مـن المكتبة الوطنية في واشنطن أطلق عليها اسم "جبران خليل جبران".
-معرض معهد العالم العربي * باريس 1998: بالتعاون مع لجنة جبران الوطنية، أقام معهد العالم العربي في باريس معرضاً حول البعد الفني للوحات جبران تحت عنوان "جبران: فنان ورؤيوي". وشكل هذا المعرض صدمة للجمهور الفرنسي الذي تعرّف الى جبران الرسام للمرة الأولى، وعبرت عن ذلك دهشة وزيرة الثقافة الفرنسية خلال زيارتها الجناح اللبناني.
- مؤتمر جبران العالمي الأول: جامعة ماريلاند سنة 1999: أقامت جامعة ماريلاند في الولايات المتحدة بالإشتراك مع لجنة جبران الوطنية المؤتمر الأول لجبران تحت عنوان: "جبران خليل جبران: داعية سلام ورائد في حقوق الإنسان" تزامناً مع إعلان منظمة الأونيسكو العام 2000العام العالمي للسلام". شارك في المؤتمر 42باحثاً وأستاذاً جامعياً وشاعراً وكاتباً، حضروا من أقطار العالم كله... وكرّس هذا المؤتمر جبران رسمياً في المناهج الجامعية الأميركية كشخصية أدبية أميركية من لبنان.
-معرض جبران في متحف سرسق * بيروت 1999: استقرت لوحات جبران فوق جدران القصر العريق في الأشرفية المعروف بمتحف سرسق، في معرض يليق بصاحب النبي، تخللته قراءة دقيقة متأنية للرسائل المتبادلة بين جبران وماري هاسكل. ولقد شهد المعرض تمديد فترته الأساسية ثلاث مرات، وأمّه أكثر من 50 ألف زائر، مما شكل ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ المتحف.
-حديقة جبران في بيروت: برعـاية رئيـس مجلس الوزراء تم إطلاق إسم الشاعر والأديب والفيلـسوف اللبـناني جـبران خلـيل جبران على الحديـقة الكائنة أمام مبنى الإسكـوا في الوسـط التجاري في 27 تمـوز 2000. وحـمـلت قاعـدة التمـثال في الحديقـة قول جـبـران: "لو لم يـكن لبـنان وطـني لاتخذت لبـنان وطـني".
مؤلفات حول جبران وعالمه
هناك المئات من المؤلفات والكتب التي غاصت وتعمقت في عالم جبران وفلسفته منها: * الدراسات المعاصرة، كتاب باللغة الإنكليزية عن جبران خليل جبران وعالمه، "Kalil Goubran, his Life and World “ للمؤلف النحات خليل جان جبران المقيم في بوسطن.
-كتاب للمؤلف البريطاني روبن واترفيلد "جبران خليل جبران نبي عصره".
- * "عالم جبران الفكري" مجلدان للمؤلف والكاتب وهيب كيروز (حافظ متحف جبران) .
- * "جبران خليل جبران بين الجسد والروح" للدكتور فؤاد أفرام البستاني.
- * دراسة "سيرة جبران في أبعادها الوجودية" باللغة الفرنسة للدكتور بول العاصي طوق، وهي أطروحة دكتوراه ناقشها في جامعة "ستراسبورغ". * "هذا الرجل من لبنان" للشاعرة بربارة يونغ.
أعمـالـــه
بالرغم من كثرة المصائب التي حلّت بجبران، واعتلال صحته، وقصر حياته، ترك ستة عشر كتاباً عربياً وإنكليزياً، وآلافاً من الرسوم التي نشر بعضها في كتبه. مؤلفاته باللغة العربية هي: الموسيقى -عرائس المروج -الأرواح المتمردة –المواكب-* العواصف- الأجنحة المتكسرة- دمعة وابتسامة- البدائع والطرائف. أما مؤلفـاته باللغـة الإنكلـيزية فهي: المجـنون- السابق- رمل وزبد- التائه- حديقة النبي- آلهة الأرض- النبي- يسوع ابن مريم.