كما يشتهي الموت
رياض السامعي *
الإهداء / إليَّ حين أموت بعيداً عني وإلى العزيز الراحل حميد شحرة الذي رحل فجأة كما يشتهي الموت والأصدقاء
توطئة
أشاهد خلف الغياب
تلالاً من الضوء والظل
كانت هنا
تُعبّد أقمارها كالنوارس بالبحر
وتسقي المساءات أصداء ما ينزف الفقراء
حبراً وجوعاً
يصلي مع الموت كالأصدقاء
الأصدقاء الذين يطيرون منا
كأوراقنا الدامعة
تلالاً من الحب كانوا هنا
وخلف الغياب تلالاً من الظل صاروا
هم أصدقائي إذن
أقاموا هناك لننسى هنا
ما يشعل المادحون من القهر والجوع
وما يحرق النادبون من الأدمغة
النص
أيها الراحلون إلى الموت
خذوني إلى ظُلة الحلم فيكم
فلست المعنى بهذا البقاء الرتيب
خذونا إلى اللاخيال المؤبجد
كالحرف في غيمكم
اسحبونا قليلاً عن الحلم
هذا المخادع كالوقت والزيف
والوطن المنكسر
خذونا .. لنُطوى مع الطير طيراً
لأرواحكم
ونُرقَب بعد الزماكن أشواقَ
لا أين فيها
ولا سوف فيها
فنُسكب منا
وتنشق عنا توابيتنا الطائرة
أيها الراحلون
خذوني إلى ما استقام به موتكم / فيضكم
لست القوي نواحاً على الحب كالدمع
لأمشي سوياً كما يشتهي الليل
ليلاً يطوف المرايا
ويستخلص الحزن منكم
فأدنو وأنأى
وتُستَكمل المرحلة..
خذوني تماماً كما يشتهي الموت...
لم يعد في القصيدة دمعاً
لأندبكم واحداً واحدً
ويُكتب باقي الرثاء
لم يعد في الرثاء رثاءً
لأبكي سوايَّ
لم يعد في الطريق المُعبَّد بالموت والأصدقاء
مكاناً ليخضَّر فيه البكاء سواي
لأُمنح فيه النوادب فصلاً جديداً من الحزن
لم نعد غير نحن
وهذا الفناء الطليق
وبعض الأساطير عن موت خوفو
وهذا الفراغ المسمى أنا
أنا الرجل الهش
الرجل الحزن
الرجل التجربة
فمن يمنح الآن باب الصداقة للموت
كي أكتمل
فيا أيها الموت
خذني إليك
خذني إلى أصدقائي
خذني إليهم ولن أسال الناي عن دربهم
خذني لأشرح طوفاننا الأزلي
للماكثين هنا
وأمنحهم زهرة الأرض في جمجمة.
***
ويا أيها الموت
يا صاحبي
خذني إليك..
لم أعد غير هذا الفراغ الغريب
المطل على الروح والقلب والذاكرة
لم أعد وجه غيري المسافر في التيه
سبعين ظلاً
لم أعد غير هذا الشتات الموزع في الأقنعة
***
ويا صاحبي الموت
ليتني كنتُ غيري لأفهم
ما يكتب الوطن الأم للفقراء
ليتني اللامساء الشريد
المعلق في صرخة الجوع والبسطاء
ليتني لم أراقب موتي مراراً
على أوجه الناس
ويا ليتني لم أكن ميتاً يجاري الممات
وفي كل ليل جديد ..
أقدم نفسي عشاءً لموتي
***
ويا أيها الموت
يا صاحب الفقراء والتائهين طويلاً
بحزن الوطن
خذني إليك
أرحني من الصبر
افتح نوافذ قبري لهذا الغثاء المسمى أنا
أنا الكتلة الزائدة
ويا أيها الموت
صلي عليَّ
فلا أصدقاء لديك سوايَّ
ولا أصدقاء لديَّ سواك
يكفي مكاناً بسيطاً من القش
لتطمر ريحي الكريهة عن أعين الناس
لتخفي العفونة عن منقر الطير
أنا الدودة الزائدة
ويا أيها الموت
أنت وحدك تحمل بين الزحام رفاتي
وصوت الغراب المغرد بالحب...
فيا ليتني
لم أكن طيباً كالدعاء
ويا ليتني متُ قبل الممات بعشرين عاماً
كنتُ أقوى قليلاً على الحزنِ
حين أوارى
وتلعنني الألسن النادبات
* عضو جماعة إرباك الأدبية - اليمن[/color]