فـي حضرة النيل سيف الماء ومتنفس الرحمة.. فتنة السراب وملهى الشمس –
منذ اللحظة الاولى لدعوتي للمشاركة في مهرجان البجراوية للابداع الثقافي النسائي العربي الاول والذي اقامته الامانة العامة للخرطوم عاصمة الثقافة العربية بالتعاون مع الاتحاد العام للمرأة السودانية، منذ تلك اللحظة وصورة ذهنية غائمة غير محددة المعالم تعتمل داخلي تحاول ان ترسم تفاصيل وحدود المشهد المنتظر.. «السودان».
اتذكر ونحن على مقاعد الدراسة وصف المعلمة للسودان بـ«سلة الوطن العربي» فيما لو تم استغلال الأراضي الشاسعة الصالحة للزراعة فيها، تخيلت البشرة الداكنة والطيبة في التعامل، وبين اللحظتين ـ لحظة التبليغ واللحظة التي وطأت فيها ارض المطار في الخرطوم ـ أشرعت نوافذ القلب لدهشة آنية، بت اتنفس تفاصيل الأشياء وافتح ذراعي روحي لاستقبال الكم الأكبر من الدهشة التي يستنبتها السفر لبلد للمرة الاولى.
لحظة أشرعت نافذة غرفتي في الفندق تدفق النيل ببهائه وسطوته الآسرة، عملاقا من الخصب وإلها من الندى، بدا لي مرحبا فشكرت الإله الذي اكرمني بنافذة تشرع أضلاعها واكفها لسيف الصحراء المخضب بالندى والخصب.
النيل.. قلب الصحراء، نبض المكان.. الخضرة الداكنة على ضفافه تعطي منظرا آسرا، يتدفق أمامك بزخم لا يعرفه الاسمنت المعلب ولا الشوارع التي تشبه سيوفا صدئة ولا النوافذ التي تقد من جدار لتطل على آخر!
أيها النهر العظيم..
سيف الماء الذي يشق صدر الصحراء لتحيا.. في حضرتك امد لك قلبي وانت شريان الحياة ورحمة الاله، لعلك دمعة السماء تساقطت يوما وحفرت صدر الارض فكنت حرارة الجو لاهبة، لكن نسماتك محملة برطوبة ندية.
النيل الازل.. متنفس الرحمة للصحراء
يا نبض البحر وفيضا من البهاء، لولاك لاغتال العطش اخر نبضات الحياة، ايتها الدمعة العملاقة التي تهدر بضجيج الخصب والنماء.. او لعلك دمعة ام فقدت وليدها واستحال حزنها بعد ان نضبت الدموع نهرا دافقا لا يموت..
ابن السماء انت تهدهدك ليلا كي تغفو.. تجري دونما توقف، حركة مضطربة نابضة، تأخذ في روعة المشهد واشعر بالدوار، اخالني في قارب، مياهه لا تملك لحظة للتوقف.. اشبه بجريان اللحظات.. هل حدث ان توقف الزمن؟! هو حال النهر العظيم.. اشبه بنبض الزمن في عروق الحياة!
في الطريق الى البجراوية
الحافلة تنهب المسافات وعلى مد البصر تستلقي اراض شاسعة يتألق ترابها خصوبة ولا ترتدي غير ثوب رمادي كالح وتبسط كفها معراة من الزرع! اتساءل بألم: لم لا يصب النيل فضته المذابة لتتنفس الارض خضرة وزرعا مساحات شاسعة تنتظر ان تقبلها السماء، مدى مؤجل من الامنيات، زرع يغفو في رحم التراب لكأن ساحرة استدرجت الخضرة واقتادتها لبطن الارض! من ينزع صمت هذي الارض كي تنشر بساط القها المطرز بالنباتات على كتف الكون وتنثر حباتها الكثار وعطاياها الثمينة المباركة؟! من يبذر الخصب لتعلن الطبيعة مهرجان الفرح والعطاء في هذي المسافات الشاسعة المستلقية بانتظار على كتف الغيم وساعد السماء!
حيث الصحراء التي اعتادت العطش بشمسها اللافحة التي تنصب على الجسد بشوق عاشق ، حيث التوقد والانتشاء بحرارة التجربة... كان اللقاء بالبجراوية.
والبجراوية منطقة اثرية تقع على ضفة النيل بين الشلالين الخامس والسادس شمال منطقة كبوشيه. توجد بها اهرامات تعرف باسمها.
هناك في عمق التاريخ اقف بين الاحجار المحترقة والرمال التي تلسعك لحظة تدوسها فيصيبك الذهول.. ساعات قليلة كنت في حضرة النيل صولجان الندى والان في وسط صحراء توقف فيها الهواء غير نسمة خجولة محملة بسخونة لاهبة وبحبيبات رمل تلتصق بالوجه المتعرق ويتسلل بعضها بمهارة ليستقر بين الجفون.
اتأمل اصل الحضارة وعمق الوجود الانساني، اتشرب تفاصيل المكان وزخم حضوره، اتخيل اجسادا تحوم وترقص في المكان، رجالا يحملون الاحجار المقدودة من كتف الجبل يتحدون اسياف الشمس اللاسعة وضربات الوهج الموجع يضعون حضارة تبقى اثارها دالة على وجودهم، ثمة حياة ولدت من رحم الصحراء منذ آلاف السنين، ثمة نبض زين معهم هذي الكثبان التي تدور رمالها في حلقة الخلود.
اقترب من احد الاهرامات، ادخل حجيرته صغيرة اشبه بقلب، تشع على وجههي الملتهب نبضات برودة لكأنما هي كف مارد التقطتني من اللهب المستعر، حجيرة تشبه حضن ام وسط هجير الصحراء!
ثمة صبية يفترشون الرمل يرتدون الدشاديش البيضاء لترد وهج الشمس، يعرضون مجسمات لاهرامات البجراوية صنعت بمهارة ويتلقفونك بثقة العارف مستطلعين بشرتك الفاتحة التي تنبىء بانك قادم من بلاد غير بلادهم، ينثرون ابتسامة صافية سواء اشتريت منهم او لا.
اتجول في المكان، احتمي بجدار من وهج الشمس الحارق الذي لم اعتده، ألوذ بظله واشعر بألفة اتنفس وهج التجربة الفريدة وعيناي تجوسان المكان..
يا لحضور الصحراء الآسر، الرمل المتشكل كثبانا تتفاوت في احجامها، احاور المكان التقط حجرا اسود مصقولا الهبته الشمس وارمي به احدى الكثبان فتبتلعه رمالها ويغيب في بطن المجهول.. استشعر رهبة ما.
نصعد الحافلة التي تسير مسافة قصيرة قبل ان تنغرس العجلات في الرمل، لعلها الصحراء تتشبث فينا للبقاء!، ارقب الاكف وهي تغرف الرمال من حول العجلات فيما تدفع اخرى الباص، تدور العجلات دورات متسارعة في مكانها، ينشب صراع صامت بين جيوش الرمال والعجلات التي تنهض من كبوتها وتصعد مخلفة الرمال فاغرة فاها بدهشة او بشهقة هزيمة! احس بألفة مع الصحراء اجلس على احدى الصخور البازلتية، اتأمل وحدة المكان يتكرر انغراس العجلات بالرمل، هو توق الرمال المستوحدة للالتقاء... شوق عنيد جبار لسيدة المكان وقد صقلها وهج الشمس وسطوة العطش والوحدة.
ثمة سيارة بدأت تجمع المتناثرين فوق الرمال وتقلهم الى استراحة شيدت في بطن الصحراء.. سائقها ابن الصحراء تطوع لنقل الضيوف على دفعات. لحظة وصلنا الى الاستراحة بدا منظرها بديعا وقد بنيت من القش وتدلت السلال الضخمة من سقفها للاضاءة، درجها الداخلي صنع من اغصان الشجر المربوط بجلد الماعز، كان المكان آسرا فكل شيء صنع يدويا بمهارة تفوق الوصف، ما اجمل المكان .. لو تخفت اسياف الحر قليلا، ما ابهى المكوث لو ان الشمس تحنو قليلا وتغفو انصالها برهة، كأني في قلب بركان.. وألوذ الان بكوة خلاص.. استراحة، اشبه بقلب الام في صحراء الحياة القاسية!
ايتها الصحراء.. يا سيدة تصوغ حكاياها من رمل ووهج، ايتها المستلقية على كتف الشمس وممتدة الى حافة المدى... يا حرة لا تعرف القيود لم تكتمل عينان بالحضارة المادية المجنونة.. يا بوصلة الغموض وفتنة السراب وملهى الشمس! يا ايتها الزاهدة المتزهدة! يا البيضاء... العذراء التي لم تدسها عجلات الحضارة اللاهثة الى اللاشيء.
ايتها الراعية البدائية، يا وجه الارض الطفولي ومسرح الرمال يا عروس النيل الذي طال انتظارها!
الصحراء شاسعة امامي مثل قلب عاشق احرقه البعد واضناه الجوى، اتأمل الاثار المتشبثة بالرمال، لكم هي بحاجة الى المحافظة عليها من عبث العابثين الباحثين في الكنز الخالد عن كنز زائل! بحاجة الى اضاءة اعلامية مكثفة تشرع لها نافذة للظهور علها تصبح منفذا سياحيا.
الابل تتنقل امامك او على الرمال تطلق اصواتها فاستذكر رحلات الشعراء في قلب الصحراء وتزدحم ذاكرتي بعشرات الابيات الشعرية ويتوافد الاعشى وامرؤ القيس حاملين قصائدهم المخطوطة على الجلود.. فاحنو على القلب من الاحتراق واسدل جفني وانحني اتلمس وهج الرمل وادرك ان الكلمات مهما كبرت تبقى اصغر من حبة رمل في قلب الصحراء!
على هامش مشاركة الكاتبة في مهرجان البجراوية للابداع الثقافي النسائي العربي الاول (2005)