أصحيحٌ ما يقال : إن الحب أقوى من الموت ؟
أليس حب الجمال حياة و فراق الجمال موت ؟ فأيهما أقوى و أبقى : الحب أم الموت ؟
مذ أحببتك علمت أن الله يوقد ثمار الحب في القلوب الطاهرة .. علمت أن الله يحفظ الحب في أرواح لا تغادر الوجود .. أرواح تسكن كل الأمكنة كل الأزمنة .. و كل الأشياء .. أليست الطبيعة حب ؟ الوطن حب ؟ الزهر و الطير و الماء حب ؟ أنت كل هؤلاء ..
ترى .. لماذا بعد كل هذا المر من البعد مازلت أرى كل جميل كما هو ؟ .. ما زال البحر كعادته يستقبلني بصخب .. يغسل قدميّ الحافيتين .. يعرف كل ما يختلج في داخلي .. إن فتحت يديّ للشمس راح ينقل أشجاني إليك و إن أشرت بأصبعي لنقطة التقائه بالأفق عانقتني أمواجه العاتية .. أتراه يستجدي جواباً لسؤالي ؟؟ - لماذا تقف الحدود كأفعى بين الأحبة ؟ - لماذا لا يكن لهذا الأفق الممتد أمامي نهاية ما ؟
اليوم مثلاً .. كنت على موعد مع الذاكرة على شاطئ البحر .. تلك التي تتفتق كورود الجنائن .. ورود ليست تخلو من الشوك ، لكنها تأتي بك كلما سَمِعت صهيل الموج المجنون .. اليوم فقط راح كبريت إصغائي يشتعل للزمن الماضي .. إلى ما قبل العام .. ترى كيف يمضي الوقت بلا توقف .؟؟ .. قبل عام تماماً ، كان المدى حولنا ساحل و مرجان .. فرح يتراقص و عالم مفتوح على الجمال .. لماذا يسير الزمن في خط متواز مع الحياة دون أن يحدث بينهما لقاء سوى اللحظة ما أن تمر اللحظة تصبح ماضي ؟! أ لكي نصبح أكثر إيماناً بالقادم ؟ و لكن لماذا لا نصل إلى نهاية الزمن ؟ .. أدركت أن الحياة وحدها قد تتوقف بينما يستمر الزمن في مسيرته الخالدة .. كم كنا نسير في اتجاه واحد يحدونا الشوق لتلاق .. لا تعد أجسادنا و لا يعد زماننا للوراء .. ربما لهذا السبب للذاكرة ألماً محبباً و طعماً أخر .. و رغبة في الآتي الأجمل و الأمل بالحياة ..
لا أعلم حقاً .. لكني ما زلت محاطةٌ بتلك الهالة من الضوء .. تلك الحروف الأربعة ما زالت تجري فيّ بهدوء نهر .. بهديل طيور كانون المطير .. بجنون بحر يعالج تمرد موجه كلما أضناه الشوق لمرساه .. ما زلتُ معك .. و مازلتَ تجيء كنورس .. فمذ أقمت على شواطئ أضلعي أمسى العالم غير العالم ..
تجيء .. كيف لا ..
و هذه الدروب ترقص فرحاً على نوافذ روحي كل صباح .. تجيء .. كريشة ناعمة .. تنام فوق كتفي .. كسوسنة تتهادى بين صحراء الزمن و جفاف البعد لتعطي للحياة الشذى و الخضرة ..
عينيك .. ما أروع أن أجد فيهما كل ما أحتاج .. كل ما يصعب عليّ قوله من إحساس .. عينيك .. ما زالتا ترمشان في المدى تغازلان ظل البحارة .. تتفقدان الموانئ و تحنان للسفر .. برغم مرارة الشوق ما زلت أشعرني أحلق فيهما خارج السجن الكبير .. فتألفني روحي أكثر .. عينيك منهما ما زالت الشمس تطل صبيحة كل يوم ، ممتطية حصان الضوء .. تدخلني كما تدخل المدن الرازحة تحت وطأة الاغتيال ، تطؤني بفوج خيوطها الذهبية لتغدو سمائي الأفق الرحب الخالي من سموم البشر ، الطاهر من فعل وضوء شعاعها .. تحررني من الظلام و الحلكة .. أليست النساء كالمدن ؟؟ بلا حب لا يمكن لمدينة أن تكون .. لا يمكن لعالم أن يصبح جميلاً .. لا تنمو الزهور و لا تورق الكروم مناغاة للبراءة .. لا يمكن لقلب المرأة و الرجل أن يحمل طفل السلام له /لها / لهما/ لكل جمال حتى يكبر ، فأيهما أقوى : الحب أم الموت ؟ .