القرآن كله عربي
وليس فيه ولا كلمة واحدة غير عربية
لم يشتمل القرآن على كلمة واحدة غير عربية مطلقاً بل كله عربي وليس فيه ولا لفظة واحدة غير عربية. والدليل على ذلك قول الله تعالى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً)، وقوله تعالى: (بلسان عربي مبين)، وقوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)، فلو اشتمل القرآن على غير العربية لكان مخالفاً لهذه الآيات، لأنه يكون بعضه عربياً وبعضه غير عربي، فلا يكون القرآن عربياً، ويكون الرسول قد أُرسل بغير لسان قومه ما دام قد بلّغهم بغير لغة قومه، وكِلا الأمرين ممتنِع فيَمتنِع أن يكون في القرآن لفظة غير عربية، ولو وُجدت في القرآن لفظة واحدة غير عربية لكانت من غير القرآن، لأن الله وصف القرآن بأنه عربي، وكلمة قرآن تُطلَق على الكل وتُطلَق على السورة الواحدة وتُطلق على الكلمة الواحدة، فالقرآن يطلَق على مجموعه وعلى جزء منه، فلو كان جزء منه غير عربي لَما كان من القرآن، وذلك باطل، فبَطُل كون القرآن مشتملاً على كلمة غير عربية. وأيضاً فإن الله تعالى يقول: (ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فُصّلت آياته أأعجمي وعربي)، فنفى أن يكون أعجمياً، ونفى أن يكون أعجمياً وعربياً في قوله: (أأعجمي وعربي) بصيغة الاستفهام الإنكاري. فكان ذلك دليلاً على أنه ليس فيه أعجمي أي ليس فيه لفظ غير عربي.
وأما اشتمال القرآن على ألفاظ مأخوذة من اللغات الأخرى كاشتماله على لفظ (المشكاة) وهي لفظة هندية وقيل حَبَشية وهي الكوة، وعلى لفظ (القسطاس) وهي رومية ومعناها الميزان، وعلى لفظ (استبرَق) وهي فارسية ومعناها الديباج الغليظ، وعلى لفظ (سجّيل) وهي أيضاً فارسية ومعناها الحجر من الطين، وعلى لفظ (طه) وهي نبطية، فإنه لا يكون بذلك مشتملاً على كلمات غير عربية لأن هذه الألفاظ قد عُرِّبت فصارت معرَّبة، فهو مشتمل على ألفاظ معرَّبة لا على ألفاظ غير عربية.
واللفظ المعرَّب عربي كاللفظ الذي وضعته العرب سواء بسواء. والشعر الجاهلي قد اشتمل على ألفاظ معرَّبة من قبل أن ينزل القرآن مثل كلمة "السجنجل" بمعنى المرآة في شِعر امرئ القيس، وغيرها من الكلمات عند كثير من شعراء الجاهلية. والعرب كانوا يعتبرون اللفظة المعرَّبة عربية كاللفظة التي وضعوها سواء بسواء، والتعريب ليس أخذاً للكلمة من اللغات الأخرى كما هي ووضعها في اللغة العربية، بل التعريب هو أن تصاغ اللفظة الأعجمية بالوزن العربي فتصبح عربية بعد وضعها على وزن الألفاظ العربية أو على حد قولهم على تفعيلة من تفعيلات اللغة العربية.
فالعرب كانوا يعمدون إلى اللفظة الأعجمية فيزنونها على تفعيلة من التفعيلات مثل أفعل وفعل وفاعل وافتَعَل وانفَعَل وغيرها، فإن وافَقَتها ووافقت حروفها حروف اللغة العربية أخذوها، وإن لم تكن على وزان التفعيلات العربية ولم توافق أي وزن من أوزان العرب حوّروها بزيادة حرب أو بنقصان حرف أو حروف وصاغوها على الوزن العربي، فتصبح على وزان تفعيلاتهم وحينئذ يأخذونها. وكذلك يفعلون في حروفها فيحذفون الحرف الذي لا ينسجم مع لغة العرب ويضعون بدله حرفاً من حروف العربية حتى يصبح من حروف العربية وحينئذ يأخذون اللفظة، وهكذا.
فالتعريب هو صوغ الكلمة الأعجمية صياغة جديدة بالوزن والحروف حتى تصبح لفظة عربية في وزنها وحروفها، وحينئذ تؤخذ وتكون لفظة معرَّبة، وبذلك تكون عربية كاللفظة التي وضعها العرب سواء بسواء.
وعلى هذا فإن اشتمال القرآن على ألفاظ معرَّبة لا يدل على أنه اشتمل على ألفاظ غير عربية، لأن المعرَّب لفظ عربي وليس لفظاً أعجمياً، وقد عرّبه العرب أنفسهم الذين وضعوا اللغة العربية. ومن هذا يتبين أن القرآن لم يشتمل على غير العربية مطلقاً وليس فيه ولا لفظة واحدة غير عربية.