منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

 

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 20-11-2005, 11:01 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
سمير الفيل
أقلامي
 
إحصائية العضو






سمير الفيل غير متصل


افتراضي نرجس

[align=center]نرجس

بقلم : سمير الفيل
[/align]


حين تسلقت شباك الشخشيخة صرت في مواجهة العتمة الثقيلة، مددت يدي وتحسست جروحي كانت مجرد خدوش بسيطة ورضوض ، إنحدرت دمعة على وجنتي فعرفت أنني أبكي بلا صوت ، نحيب خافت في الظلمة ، وحده القمر بان مخسوفا ومنشطرا لنصفين فيما السحب تظهره وتخفيه ، فتضيء الأشعة الساقطة في مراوغة أكيدة بلاطات السطح المعشوشب بنبات شيطاني أخضر ومترب . نبات طلع تحت شمس تغفو وندى يصحو قبل الفجر فيسخو بالقطرات قبل أن يدهمه الصبح العجول . كنت أعرف أماكن إنباته وأتحاشى ألا أدوسه في صعودي وهبوطي .
قلت هامسا ، وأنا أخفي عن نفسي وجعي : يا رب أموت ، وتمشي جنازتي في سوق الحسبة ، ويكون صبيان الملجأ في صدر المشهد يدقون الطاسات كي تستريح مني أمي ، واستريح منها .
فيما أنا أفكر في اللوعة التي ستندس في قلب أمي لمحتها ، كانت تصعد كقطة حذرة على سلم جدار الشخشيخة الملاصقة لنا تماما . وكأنه اتفاق مكتوب بين المصادفة والموعد جاءت سحابة رمادية تمر فأخفت القمر للحظات ، وصارت الدنيا سوداء كالكحل ، انكمشت في مكاني وأنا مندهش لحد الفزع ، ما الذي أتى بجارتنا نرجس إلى هذا المكان .
لمحت شبحها يتحرك وحين تمكنت من الصعود مدت يديها ورفعت السلم الخشبي ، وصار الصعود إليها مستحيلا . لم تكد تمر لحظات حتى تناهى إلى سمعي رغم العتمة نحيبها الخافت ، فكرت في الهبوط قبل أن تراني ، لكنني خفت أن تعاود أمي ضربي بالحزام الجلدي لجريمتي الشنعاء .
جريمة جعلت أمي تهم بالفتك بي ، وتكاد تموتني لأنني بدلا من أن اشتري للبيت عيشا وفولا دخلت سينما " اللبان " وعدت بعد انتهاء "البروجرام " بالصحن خاليا ، وبسلة العيش بدون أي رغيف .
حين عدت وجدتها في النافذة تنتظرني ، تركتني أدخل البيت ، وأتسلل لحجرتي ، بعدها سدت الباب ، سألتني : رحت السينما تاني؟
رددت ووجهي يصفر أكثر فأكثر حتى صار بلون الليمونة : رحت يا أمي .
كزت على أسنانها : واخواتك يأكلوا أيه؟
ارتجفت لحظة قبل أن اتقمص شخصية " سبارتاكوس " في الفيلم الذي شاهدته قبل قليل : يا أمي الطعام يمكن أن نستغنى عنه . لكن ثورة العبيد هي الأهم . وبكرة والله أتخرج واتوظف وأملى البيت عيش وفول !
قبل أن أكمل كلامي جاءتني اللطمة الأولى على وجهي ، ثم خلعت الحزام من بنطلون أخي الكبير أحمد ، وهوت به مرات على جسدي ، حاولت الفرار لكنها امسكتني ، وأفلتتني بمقدار ، ثم حافظت على مسافة مناسبة يمكنها أن تهوي من خلالها بالحزام الجلدي على جسدي دون أن ينحرف نحو وجهي .
أقبل الجيران على صرخاتي ، وهي أقسمت أن تحشرني في ملجأ اليتامى حتى ترتاح من أفعالي . تحملت الضربات مصرا على أن سبارتاكوس يستحق كل تضحية ، حتى تمكن الجيران من تخليصي من يديها القويتين الخشنتين ، وكان علي أن ألجأ إلى مخبأي الآمن الذي لايعرفه أحد غيري .
فوق فوق في الشخشيخة ، بعيدا عن يد أمي وقريبا من الله الذي كان يعرف بكل تأكيد أنني حلمت أسبوعا كاملا بيوم أدخل السينما وأجلس في الترسو وأشاهد هذا البطل العظيم المفتول العضلات .
خفت نحيب نرجس ، وغمر نور القمر المكان ، وقع نظرها علي فشهقت خائفة ، تراجعت قليلا : لا تخافي ، أنا مشمش!
اقتربت مني ومدت يدها تتحسس وجهي : الولد مشمش العفريت؟
قلت وأنا أصر أحزاني في منديل خفي وأرمي به بعيدا : هو بعينه.
سألتني وهي تقترب أكثر : ماذا أتى بك إلى هنا ؟
هززت رأسي في عدم اقتناع : حاجة بسيطة رحت أشوف سبارتاكوس بدلا من شراء عيش وفول .
ندت عنها ضحكة أفلتت من فمها رغم أن دموعها كانت ما زالت تنحدر رغما عنها : يخرب عقلك.
سألتني وهي تمسك أصابعي وتحلفني : أقسم بالله ألا تبوح لأحد بسرنا ؟
غمرتني دهشة : سر.. أي سر؟
سحرني صوتها الرقيق كالبغاشة : مخبأنا هذا لا أحد يعرف به غيري وغيرك . أتعدني ، وتجبر بخاطري ؟
قلت كالمنوم : نعم يا .. يا ست نرجس!
قربتني من صدرها ، واحتضنتني كأنها تستجمع أمانا بعيدا : لقد ضربني مرات ، وشدني من شعري!
سألتها وآلام ظهري تعاودني : من هو ؟ المعلم رزق مطاوع؟
هزت رأسها بالإيجاب ، وانخرطت في البكاء من جديد ، وفيما صدرها يهتز في عنف شعرت بأنفاسها الحارة قريبة من وجهي ، وكان بي رغبة في أن أنام . بدون أن اسألها وضعت رأسي على ركبتيها وتمددت محاولا النوم . نوم استغرق خلاله في أحلام سبارتاكوس حين أطلق العبيد ، فهدموا الأسوار وتحرروا من كل عبودية وضعة .
كانت أمي قد انتهت من دعواها عليّ بالموت ، وأن الحق بأبي لأريه الويل هناك ، وكنت أعرف أنها غير صادقة فهي تخاف عليّ من الهواء الطائر ، لكن فصولي الباردة كثيرا ما تخرجها عن طورها .
عدلت رأسي ، فيما راحت يدها تجوس في شعري القصير المفلفل ، وقد رأيت النجوم بعيدة ، لكنها تومض لحظات ، ثم ما تلبث أن تطوي نورها قبل أن تعاود الوميض .
تصورت أنني أصعد في الأعالي وأسأل ملائكة السماء أن يكلموا أمي كي تكف عن ضربي بالحزام الجلد العريض الذي اشتراه أخي أحمد من بورسعيد وهربه بدون أن يدفع الجمرك مع بنطلون سموكن وقميص نايلون . كانت لنرجس رائحة معطرة دوختني ، تظاهرت بالنوم ، قلت كأنني أحلم : ست نرجس . تعالي نطير .
هزت رأسي وهي تتأكد من أنني أحلم : إلى أين نطير يا صغيري؟
خفق قلبي لرنة صوتها المشجع : في السماء .أريد أن نذهب هناك.
خبطتني برفق على كتفي ، لتعيدني إلى صوابي : قم يا ماكر . أنا أكبر منك بعشر سنوات.. كيف نطير معا ؟
التصقت بصدرها أكثر من أي مرة : في الأزرق يمكننا أن نفعل؟
شعرت ببهجتها وهي تسألني : ونلون الأفق؟
قلت وأنا أنقب في الكلام عن شيء يخصني : ست نرجس . أريد أن أطير معك دون أن يلمحنا المعلم رزق .
أبعدتني برفق ، قمت من رقدتي وجلست في مواجهتها تماما ، ومدت هي يديها مستسلمة : هو يريد الولد يا مشمش؟
سألت محتارا : ولماذا لا يأتي به؟
غمر صوتها حزن مهيب : أنا عقيمة . لم أنجب بعد عام ونصف من الزواج !
حاولت أن أسري عنها : عمتي نوال أنجبت بعد خمس سنوات.
ترددت وهي تصارحني : لكنه .. لا يحرث أرضه جيدا ؟
لم أفهم عبارتها ، وتصنعت الفهم : كل أرض يا ست نرجس لها من يحرثها .
أمسكتني من منكبي : وغرست أسنانها في صدري وعضتني بغيظ : ليتك تفهم . أنت صغير . ماكر ومهذب.
صدمتها برأي أمي الذي لم تغيره فيّ رغم دخولي عامي العاشر : هي تقول أنني قد ورثت الشر عن أبي . هل هذا صحيح يا جارتنا ؟
ضحكت وهي تخفي نبرة تألم خفيف: كنت أعرف أباك وكان يعرفني . لم يكن شريرا بحال.كان رجلا صالحا .
سألتها بحدة وهي تراوغ في الكلام : ست نرجس .. ماذا أتى بك إلى هنا ؟
شهقت وهي تطوح رأسها إلى الوراء : حين فشل معي أوسعني ضربا ، ونعتني بالعاهرة ؟هل تعرف يا مشمش ماذا تعني هذه الكلمة ؟
انكمش فرحي قليلا ، وذكرى الأيام تأخذني من خناقي إلى عام فات من عمري : نعم ، هي كلمة قبيحة جدا .
تذكرت يوم أرسلتني أمي للعمل في ورشة أثاثه بحي المنشية ، وكيف كان يحمّـلني أطقما كاملة تكاد تزهق روحي ، فإذا تأخرت ولو دقيقة واحدة عنفني بالقول ، وطلب مني أن أحضر دلو ماء وأغسل سيارته . كنت أراها نظيفة على الدوام ، لكنه يستلذ بتعذيبي ، وفي إحدى المرات ضربت شمس أغسطس رأسي وكدت أموت وأنا منحن تحت الإطارات ألمعها . .
قررت أمرا ونفذته ، فقد جئت بمسمار حدادي ، وفي المساء تسللت نحو الجراج العمومي ، وأتلفت الإطار الأمامي لسيارته .

( يتبع بجزء ثان )







 
رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 05:59 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط