رائحة المطر ... وانفعالات الحنين
تجبرك الظروف أحياناً ، أن تسير في طرقات المدينة تحت المطر، وبين رائحة السيارات ، ربما لتصل إلى سيارتك المصفوفة على الجانب الآخر، أو لتذهب لمكانٍ قريب لايحتاج إلى سيارة ، أو تفقد الحافلة وتصبح عودتها صعبة .. فتسير بأقدامك نحو موقف الانتظار !
وبين هذا وذاك .. تشتم رائحة السيارات تمتزج مع رائحة المطر التي تفترش المكان، فتشعر بأن المطر قد خفف قليلاً من رائحة المازوت المزكمة ، أو قد نقّى قلوباً ملأها مازوت السيارات سواداً كلونه .
في المطر، تتذكر طفولتك ، حينما كنا نجري تحت المطر ونحن ذاهبون إلى مدرستنا الابتدائية
ياااااه .. كم هي المسافات طويلة !! واليوم هو سوق الأربعاء ، فتخيل سوقاً يعج بالمطر والناس، كيف سيكون حاله ؟ مدرستنا البعيدة التي تقف عند السوق ، يستحيل دخولها بسهولة يوم السوق ، فكيف إن كان المطر يملأ المكان وبرك المياه تشكل أنهاراً جديدةً ، أذكر ذلك البائع الذي كان بيبع السحلب الساخن، وذاك الذي يبيع الحلب، وآخر كان يبيع الفشار الملون ، ونصل رغم العجالة إلى مدرستنا متأخرين، وكانت الآنسة زهرة معلمة الحساب تعرف أننا قد أكلنا فشاراً ملوناً من بقايا الألوان العالقة على شفاهنا ووجوهنا، فتعرف سبب تأخرنا .
كنّا ندرس فترة مسائية، وكانت الغيوم آخر النهار تملأ السماء بسواد شديدٍ ، فالمطر القادم أشد، نشد رحالنا ونعود للبيت البعيد في آخر الدنيا، ولكننا كنّّا نمر على تلك الدكان الذي كان يعطينا بائعها العم أبو أحمد حلوى لذيذة، إذا ما هتفنا باسم ( فلسطين) فكنّا نهتف ثم نأخذ الحلوى !
وكنّا نعرج على مزرعة العم أبو وائل الذي يزرع البازيلاء الطازجة ، كنّا أنا ومطر وحمودي وهيا ، نوزع أنفسنا ، البعض يعبئ البازيلاء في جيوب سرواله ، أما نحن فجيوب المريول كانت كبيرة_ هكذا فضلت أمي أن تكون_ وأخذنا نهبنا من البازيلاء ومضينا في طريق عودتنا الطويل الذي لن ينته أبداً ، نتسلى في البازيلاء المنهوبة .
عدت للبيت والمطر قد بلل مريولي وطاقتي الحمراء الصوفية، وقدكنت خائفة من والدي ، وحينما عاد من الحقل ، أخبرته أن اليوم كان عسيراً وأننا لابد أن نذهب للمدرسة غداً بسيارة أجرة، وطلبت منه ( شيكلاً )، فأعطاني خمسة (شواكل ) وأخبرني أن أوزعها على أخوتي جميعاً، وهيهات أن نأتي بـ(الفراطة ) في هذا المساء المظلم ، ولكني يكفيني أن أنام والخمسة ( شواقل ) تحت وسادتي ، ثم تذكرت أن خليل ربما يعرف مكانها، فضممتها في يدي ، ولما استيقظت في نصف الليل لم أجدها ،
ووجدت يدي فارغة ، فهرعت لأمي أخبرها عن سرقة الخمسة ( شواقل) لكنها طمأنتني أنهن في جيب مريولي ، فقد كادت (الشواقل) أن تقع من يدي أثناء نومي .
ما أجملكِ أيتها الأيام النقية الرائعة ، كيف شرد ذهني هذا الشرود، وسافرت إلى بلدتي الحميمة بعقلي المسافر دوماً ، نسيت غربتي المقيتة، وتذكرت شوقي الذي يكبر كل يوم وتذكرت أن هذه كانت آخر شواقل أعطاني إياها أبي قبل أن يرحل !
_ بالدور يا بنات .. الحافلة ستحملكن جميعاً ، لكن رجاء ً النظام
كان راعي الحافلة يرتبنا بطريقته في الركوب، ويمنينا بالدفء في هذه الحافلة المكتظة،
وأنا لا أزال أقبض بيدي على الخمسة (شواقل ) كي لاتضيع في زحام هذا الزمن .
هبة