رحيل آخر تلاميذ الشيخ عبد الغني الدقر
(( الشيخ عبد العزيز جبر أبازيد في الذكرى الثالثة لوفاته ))
بعد مرور أقل من ألف يوم على وفاة عالم من علماء حوران ورث بعلمه الإمام النووي و ابن قيم الجوزية و ابن كثير ، يطل علينا رمضان بنسـماته الإيمانية
العطرة ليذكرنا بأحد تلاميذ المدرسة المحمدية التي ما فتئت تنجب علماء نجباء
بذلوا دمائهم و حياتهم في سبيل خدمة هذا الدين الذي شــرفه الله بأنه آخـر الشرائع التي تستحق أن تكون منهجاً حياتياً ترتسم البشرية خطاه 0
لن نستطيع أن نتوقف عند كل المحطات التي توقف بها العالم الشيخ عبد العزيز أبازيد رحمه الله لأن الوقت لا يسمح بذلك و لكننا سنتفيأ شـــجرة الورع التي زرعها هذا العالم الجليل و سقاها من دمه و دموعه و بقي يرعــاها حتى آخر لحظة من حياته فقد كان عالماً ربانياً لأنه تمثل الإسلام عقيدة و سلوكا ً و منهجاً
و برمج حياته بالطريقة التي كان يتبناها السلف الصالح خاصة وأن العصر الذي نعيشه عصر مغريات و انفتاح مادي و إقبال على الدنيا 0
موقف واحد سنتطرق إليه يدلل على مكانة الورع في نفس هذا العالم الجليل 0
أذكر أنه كان كعادته يلقي درساً من التقوى و الورع على تلاميذه بين المغرب و العشاء من مساء كل خميس 0 جلس كعادته و افترش الأرض ووضع أمامه أحد كتب السيرة النبوية ثم شرع يقرأ سيراً من أيام الرسول و كانت حلقة الشيخ لا تتجاوز المائة شخص قاطعه أحدهم و كان يحضر للمرة الأولى بعد أن ذكر الشيخ الجليل حديثاً للرسول صلى الله عليه و سلم يخاطب به السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها و عن أبيها (( يا عائشة لا تلقي ثوباً حتى ترقعيه )) فما كان من ذلك الرجل الذي جلس في الحلقة للمرة الأولى إلا أن خاطب الشــيخ قائلاً: أيها الشيخ هل أنت تعمل بهذه الوصية فلا تلقي ثوباً حتى ترقعه و نحن نراك ترتدي جبة جديدة 0
صمت الشيخ قليلاً ثم كشف عن ركبتيه ووقف أمام الرجل ثم أراه رقعتين على بنطال لا يتجاوز ثمنه سبع ليرات سورية ( 1976 م ) 0
نظرنا جميعاً إلى عيون الشيخ لنكتشف أن الدموع تنهل منها كحبات اللؤلؤ 0
إنه و إن كان يبدو موقفاً عادياً و لكنه في زمن فتحت فيه مفاتن الدنيا يدل على بعد آخر بعد عقيدي و سلوكي يبين كم كان هذا العالم يلتزم بما يأمر به الإسلام
و أهل العلم جميعاً يتفقون على أن العالم الحقيقي لا من يجمع من الثقافة العلم الكثير ثم لا يلتزم بما يطالب به منهج الإسلام ، إنه و باتفاق الناس جميعاً العالم العامل فقد كان صحابة رسول الله يتعلمون الآيات العــشر لا يتجاوزونها حتى يعملوا بما فيها و لقد أقام عبد الله بن عمر ثمان سنين يتعلم ســـورة البقرة
رحم الله شيخنا الجليل و أسكنه فسيح جناته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و حسن أولئك رفيقا 0
29/ شعبان /1428 هـ
23/ أيلول/2006 م
حســين علي الهـنداوي