#مدارات اليقين: بيانٌ شعريّ في الرد على مادية العصر#
أولاً: التصدير (المقدمة النثرية)
"في زَمَنٍ استَفحلَ فيهِ ضَجيجُ المادَّة، وحاولتْ فيهِ العُقولُ المأزومةُ أن تَحبِسَ سِرَّ الوجودِ في حيزِ الخَلِيَّةِ الصَّماء، وتختزلَ بَلاغَةَ الروحِ في "تَفاعلٍ" عابر؛ كانَ لا بُدَّ لليَقينِ أن يَنطق.
هذه الكلماتُ ليستْ مُجرَّدَ رصٍّ للقوافي، بل هيَ (تَراتيلُ يَقين)؛ ثورةٌ شاعرةٌ ضِدَّ جَليدِ العدم، ومِحراُب تأمُّلٍ يَقهرُ صَخبَ العَبث. إنها مُساءلةٌ بليغةٌ لأولئك الذين غَمَطوا الفِطرةَ حقَّها، وأنكروا الشَّمسَ في رابعةِ النهار، حاسبينَ أنَّ هذا الكونُ المنظومُ بِحِكمةٍ غامرةٍ هو مَحضُ رَميةِ نَردٍ في ظلام. نَمضي في هذهِ الأبياتِ بَيْنَ بُرهانِ العَقلِ ونَبضِ الوِجدان؛ نُفككُ طَلاسِمَ المادَّة، ونُجيبُ على عثراتِ الحيرةِ في مَسألةِ الابتلاء، لِنصلَ في الخِتامِ إلى الحقيقةِ الخضراءِ التي لا تَذبل."
ثانياً: القصيدة (تَراتيلُ اليَقين: سَديمُ المَعنى وَصَولةُ الحَق)
كَفّوا عَنِ الصَّخبِ العَقيمِ..
فَمَا استَكانَ لَظى الضّياءِ لِغَيمَةٍ مَنسوجَةٍ مِن كِبرِياءِ العَبثْ!
يا غارقينَ بِتيهِكم..
أيُّ الرّياحِ السُّودِ أطفأتِ المَنارَ بِروحِكُم؟
حتى استَحالتْ في مَحاجِرِكُم مَجَرّاتُ الشُّعورِ لَظىً وَجثْ!
يا أيُّها الـمُكبَّلُ في جَليدِ الـهَيولى..
أَتظنُّ روحَكَ مَحضَ ذَرّاتٍ بَكتْ في قَبضَةِ الفَوضى؟
أَمْ أنَّ هذا العَقلَ "رَجعُ تَفاعُلٍ" طِينِيَّةٍ..
يَمضي كَظِلٍّ خَانَهُ الضَّوءُ، أو صَوتٍ تَمزَّقَ في مَمَرَّاتِ الصَّدى؟
تَقولُ: "مَحْضُ صُدفَة!"
عَجباً لِفوضىً أَنبَتتْ هَذا التَّناسُقَ في رِداءِ اللاشَيء!
وَكَيفَ استَقامَ الحَرفُ في سِفرِ الوجودِ قَصيدةً..
لَولا يَدُ المَعنى، وَنُورٌ مِن سَنا اللوحِ استَقى؟
وَتقولُ: "أينَ العَدلُ.. وَالآلامُ نَاب؟"
أَرَأيتَ حَبَّةَ حِنطَةٍ تَحتَ الثَّرى مَدفُونةً؟
ما كَانَ ذَاكَ الحَبسُ قَتلاً.. بَل مَخاضاً كَي تَميدَ سَنابِلُ الحُرية!
مِشرطُ "الحَكيمِ" وإنْ أراقَ دَماً.. فَفِي أوجاعِهِ تِرياقُ أرواحٍ نَقِيّة.
يا أيُّها الـحَيرانُ في لُجَجِ الشُّكوك..
اخلَعْ نِعالَ الـمَادَّةِ الصَّمَّاءِ.. وانظُرْ في مَرايا الرُّوحِ
عُد لِلمُصَلَّى.. خُذْ لِقَلبِكَ هُدأةً
تجدِ "اللطيفَ" بكلِّ زاويةٍ.. ومِن نبضِ المواجِعِ لَكَ طريقْ.
ثالثاً: ومضات (مَدَاراتُ الضِّيَاء)
أَعَبَثٌ هَطَل؟ / فِي كُلِّ شَقِّ أَرْضٍ / خَطُّ حَكِيـم.
طِيـنٌ يَئِـنّ / أَتَعِي الذَّرَّاتُ سِرَّ / هَذا الحَنِيـن؟
سِرُّ الخَلِيَّة / نَقْشٌ بَدِيعٌ خَفِيّ / يُملِي الحَيَاة.
نَصْلُ الحَكِيـم / يَشُقُّ جِلْدَ الرُّوحِ / كَي يُحيِيَهَـا.
لَيـلُ العَـدَم / يَذُوبُ عِنْدَ الصُّبـحِ / فِي هَمْسِ ذِكْر.
جَبِيـنٌ سَجَد / يَفكُّ قَيْدَ الطِّيـنِ / يَلقَى السَّمَاء.
نَجْـمٌ نَـأَى / يَفُضُّ لَيْلَ الشَّـكِّ / فِي صَدْرِ تَائِه.
مَوتُ النَّوَاة / فِي عَتْمَةِ التُّربَةِ / مِيـلادُ نُـور.
صَمْـتُ المَدَى / تَسبيحُ جِرْمٍ غَابَ / فِي كَوْنِـه.
لا صُدْفَـةَ هُنَا / حَتَّى ارْتِعَاشُ الغُصْنِ / خَلْفَهُ أَمْر.
جَفَّ الفُـؤَاد / سَقَاهُ دَمْعُ الوَجْدِ / فَاهْتَزَّ خُضْرَا.
الخاتمة:
ستظلُّ "لا إله إلا اللهُ" قُطبَ الـجَوهَرِ الأزَليِّ.. نَبضاً يُعَمّرُ ما ذَوى.. ونُوراً يَشُقُّ ليلَ الجُحود.
#نور_الدين_بليغ