#حارس الضوء الأصيل#
(قصة تربوية للأطفال، تتناول بأسلوب شاعري رحلة طفل
لاكتشاف قيمة الهوية الإسلامية والفرق بين الأضواء الزائلة ونور الإيمان الدائم من خلال حوار دافئ بين الحفيد وجده) .
عنوان القصة:
#حارس الضوء الأصيل#
وقف أحمد عند نافذة غرفته الكبيرة، يرقب شوارع المدينة التي استعارت وجهاً غير وجهها. كانت السماء تتوهج بألوانٍ غريبة، وأضواء الزينة الكهربائية تمتد كخيوط العنكبوت في كل ركن، معلنةً عن اقتراب صخب ليلة رأس السنة. راقب أحمد الزحام بفضول، وشعر بحيرة هادئة تسكن قلبه الصغير؛ فبرغم كل ذلك البريق، كان يشعر بشيءٍ ناقص.
في تلك اللحظة، دخل الجد محمد الغرفة بوقاره المهيب، وسحب كرسياً خشبياً قديماً ليجلس بجانب حفيده. لاحظ الجد نظرات أحمد المعلقة بتلك المصابيح الملونة، فسأله بصوتٍ رخيم يملؤه الحنان: "فيما تفكر يا بني؟ هل أبهرك هذا البريق المستعار الذي يملأ الطرقات؟".
التفت أحمد إلى جده وقال بصوت خفيض: "يا جدي، المدينة كلها تلمع، والناس يبدون في سباق مع الفرح. لماذا نشعر نحن بهذا الهدوء الساكن بينما يضج العالم من حولنا؟ هل نحن غرباء عن هذا الاحتفال؟".
ابتسم الجد، ووضع يده على كتف أحمد برفق، وكأنه ينقل إليه دفء السنين، ثم قال: "يا أحمد، لكل أمة ميزانٌ للزمن، وقلبٌ ينبض باليقين. ما تراه الآن هو سنةٌ تُطوى كصحيفة عتيقة، زينةٌ خارجية قد تنطفئ بمجرد سحب القابس أو انقطاع التيار. لكننا يا صغيري، نملك أضواءً لا تستعير بريقها من أحد، بل هي شموسٌ تنبع من داخلنا".
واصل الجد حديثه وعيناه تشعان بنور الحكمة: "أعيادنا يا بني، كالفطر والأضحى، ليست مجرد أرقام على التقويم. إنها رحلة الروح نحو خالقها؛ ففي الفطر نحتفل بانتصارنا على شهواتنا، وفي الأضحى نحتفل بقيم التضحية والوفاء. هذا هو الضوء الذي لا يخبو أبداً؛ لأنه موصولٌ بالسماء، لا بمقبس كهرباء".
سأل أحمد بفضول: "لقد قرأتُ مرة عن 'الغربة الإيجابية'.. هل هذا ما نشعر به الآن؟".
هز الجد رأسه موافقاً وقال: "أصبت يا أحمد! أن تكون متميزاً بهويتك لا يعني أن تكون وحيداً، بل يعني أن تحمل مصباحك الخاص وسط الضباب. الغربة الإيجابية هي أن تعتز بما أنت عليه، حتى لو سلك الجميع طريقاً آخر. تذكر دائماً أن الميلاد الحقيقي لامتنا، والمعنى الأعمق لزمننا، بدأ مع الهجرة النبوية. لم يكن مجرد انتقال من مكة إلى المدينة، بل كان ميلاداً لليقين، وبداية للتاريخ الذي يشبه أرواحنا، ويحكي قصتنا مع الله".
نظر أحمد إلى الشارع مرة أخرى، لكن هذه المرة تبدلت الرؤية؛ لم يعد البريق المصطنع مبهراً كما كان. قال بصدق: "الآن أفهم يا جدي.. نحن لا نرفض الفرح، لكننا نختار الفرح الذي يشبهنا؛ الفرح الذي يترك أثراً في قلوبنا، ويزيدنا فخراً بهويتنا".
عاد أحمد إلى سريره يشعر براحة لم يعهدها من قبل. أغمض عينيه وهو يتخيل عيد الفطر القادم، وكيف سيزين قلبه بالإيمان قبل أن يزين بيته بالأنوار. نام وهو يبتسم، مدركاً أنه ليس غريباً، بل هو صاحب حكاية فريدة، تبدأ من هجرة الرسول ﷺ، وتستمر باليقين في قلب كل طفل يدرك من هو.
#نور_الدين_بليغ#