#نشيد التخلي: سيمفونية الكبرياء الصامتة#
1. هوانُ التعالي (إذَا تَعَالَى)
إذا ما لاحَ شيءٌ، يَتعالى، يُلقي بظلِّ الزَّيفِ فوقَ القامةِ النبيلةْ، فاهدم صرحَهُ بصمتِكَ المُهيبْ، لا بضوضاءِ انتقامٍ أو وسيلةْ. أهِنْهُ بالتخلّي، كأنّهُ غيمةُ صيفٍ عابرةْ، بخلَتْ على الأرضِ بقطرة.
اخلعْهُ من دفترِ يومِكَ،
اجعلْهُ سرابًا يتلاشى في رمالِ اللامبالاةِ الكبرى.
هو ليسَ جبلًا، بل وهمٌ من ورقٍ مُلوَّنْ،
يهوي بمطرِ قرارِكَ القاطعْ.
(كرامتُكَ شمسٌ لا تُحجبُ بـغربالِ الغرورِ السخيفْ،
والتعالي قناعٌ يسقطُ بالإعراضِ المُشرقْ).
2. عقمُ الوصالِ المستعصي (إذَا اسْتَعْصَى)
وإذا استعصى عليكَ قلبٌ، تغلغلَ في عُقدِ العنادِ، وأدمنَ الصدَّ الأليمْ، فلا تمدّ لهُ شِغافَ الودِّ نحو قلاعِهِ الجليديّة. كُفَّ عن وصالِه فأيُّ جدوى لِـسقيِ وردٍ في أرضٍ لا تُثمرُ سوى الشوكِ العقيمْ؟
دعْ أوتارَ الشوقِ التي تشدُّكَ إليهِ تَنبترُ في صميمِ الروحْ،
لتصبحَ يدُكَ وحدَها، سيدةَ اللحظةِ والقرارْ.
(القلبُ المستعصي جدارٌ لا يُفضي، وحجرٌ أصمّْ).
أدِرْ وجهَ العزِّ عنه، واجعلْ صمتَك حاجزًا أبديًا
بينَ روحِكَ ورنينِ نكرانِه المزعجْ.
الوصلُ هنا إراقةٌ لِماءِ الوجهِ النبيلْ،
فازرعْ الاعتكافَ في حديقةِ صبرِكَ الآن.
3. النسيانُ الأزليّ (إذَا تَغَيَّرَ)
وإذا تنكّرَ لكَ شخصٌ، تلوَّنَ كالريحِ الهوجاءِ، ومسحَ تاريخَ الودِّ بـ كفِّ الجفاءْ، فلا تُبقِ لهُ ذكرًا في سجلِّ قلبِكَ أو هامشِ الفكرْ. امنحْهُ نسيانًا أزليًا، نسيانًا عميقًا، كأنّهُ لم يَلجْ يومًا أسوارَ حياتِكْ.
اجعلْهُ نقطةَ ضوءٍ أُطفئتْ في لوحةِ أيّامِكْ،
ظلًا لم يُولدْ، أو هَمسةً لم تُكتَبْ أصلًا.
(هو الآن رَمادٌ لا يستدعي وقفةَ تأمّلْ،
صوتٌ خافتٌ ابتلعَهُ ضجيجُ البداياتِ الجديدة).
كنْ كالمحيطِ الهادي الذي يمحو آثارَ الأقدامِ عن شاطئِه،
بلا حقدٍ، بل بموجةِ استغناءٍ تعلو وتسمو.
كنْ كنزَ ذاتِكَ المكتفي، الذي لا يُبحثُ عنه في أيِّ مكانٍ آخرْ.
الخلاصة الروحية: حريَّةُ "لا"
هي ليستْ قسوةً، بل نحتٌ دقيقٌ للروحْ.
فنُّ التحليقِ من كلّ ما يُقيّدُ عزةَ الذاتْ.
أنْ تعودَ إلى نفسِك، قمةً صامدةً،
لا يَهتزُّ كيانُها لسقوطِ حجرٍ، ولا لِتَغَيُّرِ لونِ الأجواءْ.
الحريةُ تبدأُ بـ "لا" تقولُها لـ وَهْمِ القيدِ القديمْ.
#نور الدين بليغ#