لا يعرف التاريخُ غيرَ محمد -صلى الله عليه وسلم- رجلاً أفرغَ الله وجودَه في الوجود الإنساني كلِّه، كما تنصبُّ المادة في المادة، لتمتزجَ بها، فتحوّلها، فتحدثَ منه الجديد، فإذا الإنسانية تتحوَّل به وتنمو، وإذا هو -صلى الله عليه وسلم- وجودٌ سارٍ فيها؛ فما تبرح هذه الإنسانية تنمو به وتتحوَّل.
كان المعنى الآدميُّ في هذه الإنسانية كأنما وَهَنَ من طول الدهر عليه، يتحَيَّفُه ويمحوه ويتعاوره بالشر والمنكر، فابتعث الله تاريخ العقل بآدم جديد بدأتْ به الدنيا في تطوُّرِها الأعلى من حيث يرتفعُ الإنسانُ على ذاته، كما بدأتْ من حيثُ يُوجدُ الإنسانُ في ذاته، فكانت الإنسانية دهرَها بين اثنين: أحدهما فتحَ لها طريقَ المجيء من الجنة، والثاني فتح لها طريقَ العودةِ إليها: كان في آدم سرُّ وجودِ الإنسانية، وكان في محمدٍ سرُّ كمالها.
الرافعي.