بعد مضي أكثر من عشرين يوما على عدوان الكيان اليهودي على لبنان، تتضاءل الخسائر البشرية والمادية على الجانب اللبناني أمام الخسائر المعنوية والسياسية للكيان اليهودي، الذي خسر هيبة جيشه، وخسر التأييد والتعاطف الدولي، وبدا وحيدا _باستثناء الدعم الأميركي_ وهو يبرر جرائمه بحق اللبنانيين في المحافل الدولية وفي مجلس الأمن.
ورغم أن الكيان اليهودي هو الخاسر الوحيد في هذه الحرب، إلا أن المنتصرون أكثر من طرف، وهم في الحلبة السياسية والعسكرية على طرفي نقيض. فالمقاومة اللبنانية حققت انتصار مدويا بصمودها كميليشيا أمام أقوى وأحدث جيش في المنطقة طيلة الأسابيع التي مضت. في حين لم يحقق الكيان اليهودي أبسط الأهداف التي شن من أجلها هذه الحرب المدمرة على لبنان، فهو لم يستطع تحرير الجنديين الأسيرين، ولا تدمير القوة العسكرية لحزب الله، أو حتى على أقل تقدير البنية التحتية للحزب، الذي اكتسب شعبية على مستوى المنطقة فوق شعبيته المحلية في لبنان. كما أنه لم ينجح في إحداث شرخ سياسي بين الأطياف اللبنانية ينتهي إلى نزع سلاح حزب الله وتنفيذ ما تبقى من القرار 1559 والمتعلق تحديدا بسلاح حزب الله.
كما أنه ليس سرا أن من أبرز المنتصرين في هذه الحرب هي أميركا، التي ضربت عدة عصافير بحجر واحد، فهي قد حققت ما تريد من الضغط على اليهود للسير في العملية السلمية، وبخاصة بعد كل الدعم الذي تلقاه الكيان اليهودي، الذي بدا ضعيفا أمام مجموعة مسلحة ومنظمة ومدربة جيدا، وتمتلك من القدرات القتالية التي تفوق قدرات نخبة النخبة من مقاتلي غولاني في جيش الكيان اليهودي. كما ألبت دول العالم على هذا الكيان الذي ظهر ككيان خارج عن الإرادة الدولية، ويمارس جرائم حرب بحق اللبنانيين ومن قبلهم الفلسطينيين، حيث كتب الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر يقول "ولن يتسنى لأي من شعوب هذه المنطقة المضطربة أن يعيش في سلام حقيقي ودائم ما دامت إسرائيل تنتهك قرارات الأمم المتحدة الرئيسية، وتخالف السياسة الأميركية الرسمية، وتمتنع عن تنفيذ (خارطة الطريق) الدولية لإحلال السلام، وذلك باحتلال الأراضي العربية وقمع الفلسطينيين". في حين جعلت القرار 1559 قاب قوسين أو أدنى من تنفيذ ما تبقى منه وهو الشق المتعلق بنزع سلاح حزب الله والميليشيات الأخرى، وبخاصة بعد أن تنجح في وقف إطلاق النار. كما أسهمت بشكل مباشر في تعميق الفجوة بين الحكام وشعوبهم الذين أظهرتهم بمظهر الخونة الجواسيس المتآمرين عليها، مما يسهل عليها السير في مشروعها، مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي يتطلب دورا شعبيا في المشاركة السياسية عن طريق التداول السلمي للسلطة أي عن طريق التعددية السياسية.
أما ما يتعلق بحزب الله وسلاحه، فحزب الله قوة سياسية كبرى في لبنان، وليس من السهل أبدا القضاء على هذا الحزب، أو حله، وهذا خيار مستبعد جدا، وما هو مطروح الآن هو نزع سلاح الحزب، وتحويله إلى حزب سياسي خالص، ودمجه كليا في الحياة السياسية اللبنانية، عبر المشاركة الفعلية في الحكومات. وليس متوقعا أن يتم نزع سلاح حزب الله بشكل فوري، أو أن يكون نتيجة اتفاق لوقف إطلاق النار، فلا زال للحزب دور عليه أن يقوم به، وذلك حتى يرضخ الكيان اليهودي كليا للسلام، ويسير في توقيع اتفاقات نهائية مع لبنان أولا، يتم بموجبها انسحاب اليهود من مزارع شبعا وتلال كفر شوبا، وتسليم خرائط الألغام، الأمر الذي يفرض على الدولة اللبنانية بسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية بما فيها الجنوب، وحينها سيكون نزع سلاح حزب الله تحصيل حاصل.
أما ما تطرحه أميركا ووافق عليه الكيان اليهودي من نشر قوات دولية على الشريط الحدودي الذي يفصل لبنان عن فلسطين، ووافقت عليه فرنسا وبريطانيا والمفوضية الأوروبية، فإن من المرجح أن تكون مقدمة لقوة تطبق الاتفاق السياسي الذي من المتوقع أن يتوصل إليه لإنهاء الأزمة في لبنان وحلها حلا جذريا، ووجود مثل هذه القوة قبل الاتفاق لا معنى له، بل ويتعارض مع ما تريده أميركا، والحقيقة أن معنى وجود هذه القوات قبل التوصل لاتفاق إطلاق النار هو بقاء حزب الله مسلحا، في حين ستصبح القوات الدولية قوات احتلال، وهذا ما يتعارض مع كون حزب الله حرر الجنوب من الاحتلال اليهودي، ليُستبدل احتلالٌ دوليٌّ به، ويتعارض كذلك مع القرار 1559 الذي ينص على ضرورة نشر الجيش اللبناني في الجنوب.
على أن أميركا التي تتظاهر بأنها تريد نشر القوة الدولية أولا، أعطت هامشا كبيرا لفرنسا لحشد الرأي داخل مجلس الأمن لتنفيذ وقف إطلاق النار قبل نشر هذه القوة، وبالتالي هي تريد أن تعطي فرنسا دورا أمنيا في الجنوب لمراقبة الحدود ومراقبة تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه، وهي تدرك أن مثل هذا الدور لفرنسا لن يكون له تأثير ذي بال على مصالحها في لبنان والمنطقة.
وبكلمتين استطاعت أميركا أن تدفع بالجيش اليهودي في حرب مدمرة في لبنان، لكنها استطاعت كذلك كسر عنجهيته، وتحطيم غروره، ودفع قادته إلى عدم التدخل في الشؤون السياسية للدولة، بل وإدراك خطر تدخلهم على الكيان اليهودي، الذي تعالت الأصوات في داخله تطالب بكف الجيش عن التدخل في الشؤون السياسية، وتحميل الجيش مسؤولية الفشل والهزيمة التي لحقت بالكيان اليهودي في لبنان، في الوقت الذي أصبح كثير من السياسيين ينظرون لحرب أولمرت في لبنان أنها حرب بالوكالة عن أميركا لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، رغم أن اليهود هم الذين يدفعون الثمن. وهذا هدف طالما سعت له أميركا للسير في مشروعها لحل قضية الشرق الأوسط.
أما حزب الله فإنه اليوم أكثر استعدادا من أي وقت مضى لنزع سلاحه وبخاصة بعد حديث الأمين العام للحزب حسن نصر الله عن تحقيق النصر في هذه المعركة، وإهدائه هذا النصر لكل مسلم وعربي ونصراني في لبنان، فضلا عن أنه خطا خطوة أخرى نحو "اللبننة" السياسية لحزب الله، حين أعلن انحيازه لوجود "حكومة لبنانية قوية"، وحين تحدث مليا عن "الوطن" (اللبناني) على قدم المساواة مع حديثه المعتاد عن "الأمة".
وهذا يعني فيما يعنيه مقدمة لموافقة الحزب على بسط سيادة الدولة اللبنانية على كافة أراضيها بما في ذلك الجنوب، وبالتالي الوصول إلى تجريد حزب الله من سلاحه، ودمج كوادره بشكل أو بآخر في الجيش اللبناني.
أما على صعيد الأمة الإسلامية، فلا يخفى على أحد الضعف السياسي الذي تعيشه الأمة، وسهولة التضليل الذي ينطلي عليها، سواء من قبل الحكام أو من قبل أدواتهم، رغم صدق إحساسها، وعفوية حركتها، إلا أنه تنقاد بسهولة لما يضعه لها الحكام من أهداف وغايات تصرفها عن أهم عمل يجب أن تقوم به، وتستمر في القيام حتى تحقيقه، وهو العمل على التخلص من هؤلاء الحكام، وكنس عروشهم، وإنهاء حالة التجزئة التي تعيشها، من خلال تنصيب حاكم واحد على المسلمين يجعل حرب المسلمين واحدة، ففي الوقت التي كانت هتافات الجماهير تتجه نحو تحريك الجيوش والعودة إلى الخيار العسكري، والدعوة إلى الإطاحة بالحكام الذين نعتهم تلك الجماهير بالخيانة والتبعية، تعالت صيحات بعض المشايخ والعلماء والقادة للدعوة للتبرع للبنانيين بالمال والغذاء والدواء، والدعوة كذلك إلى تفعيل سلاح المقاطعة ليشمل مقاطعة بضائع الكيان اليهودي، ومقاطعة أميركا أيضا، والدول الغربية التي تؤيد الكيان اليهودي!!. في محاولة جديدة لتشتيت الهدف الذي بدأ يتبلور لدى الأمة مثلما حدث إبان الاجتياح اليهودي لللضفة الغربية ومجازر مخيم جنين في ربيع عام 2002م.
وبذلك تم صرف الأمة مجددا عن الأهداف الحقيقية التي ينبغي أن تركز عليها، لذلك كان لا بد من رفع مستوى الأمة السياسي ومعالجة المسائل السياسية لديها علاجا جذريا حتى يتسنى لها أن تشق طريقها للتحرر والانعتاق من الهيمنة الغربية على بلادنا.