إبراهيم بن محمد الحقيل
أيها الإخوة المؤمنون:
هذا زمن الربح، وفي تلك الليالي تُقضَى الحوائج فعلِّقوا حوائجكم بالله العظيم، فالدعاء من أجلِّ العبادات وأشرفها، والله لا يخيب من دعاه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ . وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ} [الأعراف: 55، 56].
وآيات الصيام جاء عقبها ذكرُ الدعاء؛ {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة:186]، قال بعض المفسرين: "وفي هذه الآية إيماءٌ إلى أن الصائم مرجو الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان" [4]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء» (أخرجه الترمذي وحسنه)، [5]. بل إن الله تعالى يغضب إذا لم يُسأل؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من لم يسأل الله يغضب عليه» (أخرجه أحمد) [6].
ومهما سأل العبد فالله يعطيه أكثر، عن أبي سعيد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذاً نكثر، قال: الله أكثر» (أخرجه أحمد)، [7].
وإذا دعا العبد استحيا الله منه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن ربكم تبارك وتعالى حييٌ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا» [8]، والدعاء يرد القضاء كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولايزيد في العمر إلا البر» (أخرجه الترمذي وحسنه) [9]، وفي حديث آخر قال: «الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء» (أخرجه أحمد والحاكم) [10].
إن الدعاء فيه ذلٌ وخضوع لله تعالى، وانكسارٌ وانطراح بين يديه، قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "وقد كان بعض الخائفين يجلس بالليل ساكناً مطرقاً برأسه ويمد يديه كحالِ السائل، وهذا من أبلغ صفات الذل وإظهار المسكنة والافتقار، ومن افتقار القلب في الدعاء، وانكساره لله عز وجل، واستشعاره شدة الفاقةِ إليه، والحاجة لديه، وعلى قدر الحرقةِ والفاقةِ تكون إجابةُ الدعاء، قال الأوزاعي: كان يقال: أفضل الدعاء الإلحاح على الله والتضرع إليه" (ا.هـ) [11].
