بقلم/ هشام النجار
لا يختلف خطاب مرسى الثائر كثيرا ً عن خطابه السياسي .. وحديثه في الميدان أمام ملايين الثوار لا يختلف كثيرا ً عن خطابه أمام القوى السياسية ورموز وقادة القوات المسلحة وممثلي السفارات والدول الأجنبية بجامعة القاهرة .
الرئيس الجديد يميزه عن غيره أنه جاء بإرادة شعبية حرة.. أي أنه يستمد شرعيته وسلطته ووجوده من الشعب المصري.. وبالتالي فمواقفه وكلماته وقراراته ستختلف بالكلية عن رئيس غير شرعي وغير منتخب وصل إلى منصبه على ظهر دبابة أو بعد انقلاب عسكري أو ورث الحكم من قائده .
الرئيس مرسى يُدرك هذه الميزة جيدا ً.. لذلك ركز عليها وأشار إليها في الميدان في جمعة تسليم السلطة للمدنيين قبل توجهه لحلف اليمين أمام الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية العليا.. وقبل الاشتباك الأول مع القوى السياسية والثورة ومؤسسة الجيش في الخطاب التاريخي بجامعة القاهرة .
هناك في الميدان عمق الدكتور مرسى من امتداده الشعبي وأعلى من سلطة الشعب فجعلها فوق كل سلطة وأصل كل سلطة.. وأكد أن الخاسر هو من خسر الدعم والمساندة الشعبية .
وفى المحكمة الدستورية أكد احترامه للقضاء ولأحكامه وللقضاة وللمحكمة الدستورية .. ورغم ذلك ألمح بجرأة في عقر دار أعلى سلطة قضائية في البلاد أنه لن يسمح بتدخل سلطة في قرارات سلطة أخرى .. وسيكون كرئيس دولة فاصلا ً وحكما ً بين السلطات الثلاث.. ولن يسمح بأن تكون إحدى السلطات مطية لتنفيذ رغبات سلطة أخرى .. ساعيا إلى تحقيق استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية .
والرسالة التي بعث بها مرسى في مظروف أنيق وبأسلوب حضاري راق فهمها جميع شيوخ القضاة الحاضرين أداء اليمين بدون كثير شرح ولا سرد ولا تفصيل.
وفى جامعة القاهرة يقفز د/ مرسى قفزته السياسية الثانية بقوة ومهارة ورشاقة.. مما أُسقط في يد المشير طنطاوي فامتنعت عن التصفيق عندما قال الدكتور مرسى فيما يشبه القرار الأول والبيان الأول الصادر من مؤسسة الرئاسة التي يقف على رأسها رئيس شرعي منتخب مدعوم من الإرادة الشعبية الحرة أن الجيش والمؤسسة العسكرية عليها أن تعود مشكورة معززة موفورة الكرامة مرفوعة الرأس إلى عملها الطبيعي في حفظ الحدود وحماية الأمن القومي للبلاد.. وأن تتخلى راضية غير مكرهة عن سيطرتها الدستورية ورغباتها التشريعية وتدخلها في السلطة التنفيذية !
قال مرسى ذلك بشكل واضح وصريح في ثنايا خطاب الشكر والثناء والمديح.. مما جعلني أهتف وأنا أتابعه: "ما أبرعك" !!
هكذا .. ليعود البرلمان المنتخب لممارسة مهامه التشريعية والرقابية – والذي سبق وصدر قرار بحله - ولتستمر لجنة إعداد الدستور المنتخبة في عملها لانجاز دستور البلاد الجديد.. وليضطلع الرئيس الجديد بمهامه متمتعا ً بكافة صلاحيات رئيس الدولة لتوزع الصلاحيات والمهام بالتساوي والعدل بين مراجع البلاد العليا .
بمعنى أن الرئيس الذي حاول المجلس العسكري نزع دسمه يضيف اليوم إلى نفسه الدسم ليكون كامل الدسم وبكامل الصلاحيات.. وهو في نفس الوقت يعطى كل مؤسسة وكل سلطة حقها الطبيعي.. ذلك الحق الذي حاول المجلس العسكري انتقاصه من كل مؤسسة لصالحه.. محاولا ً الانفراد بالدسم كله.
ومرسى يفعل ذلك بحرفية ومهارة ولباقة.. فهو يرخى الحبل ويشده.. ويقابل بحميمية وحماسة وود وترحاب.. ويعطى كلا ً حقه من التقدير والاحترام والتوقير والثناء والمدح.
وفى نفس الوقت ينجز المهمة والمغامرة السياسية الخطيرة.. ويقتنص هدفه في خفة بارعة يقلل بها الصدمة ويصل بها إلى غايته دون ردات فعل عنيفة وغير متوقعة.
الرئيس مرسي.. والإمام حسن البنا
أجد"د/ محمد مرسى أكثر ما أجده في صورة مؤسس الإخوان المسلمين الشيخ الشهيد "حسن البنا" رحمه الله.. في سمته الاستيعابي وسعيه التصالحي.. ولو كان البنا اليوم في موقف مرسي لفعل ما فعل ولاتخذ نفس الخطوات.. ولقال نفس الكلمات عن العفو والصفح والتسامح وطي صفحة الماضي والانطلاق نحو البناء والنهضة معاً.. بلا إقصاء ولا انتقام ولا تخوين.
لأن مكونات شخصية البنا رحمه الله ومواقفه التي شهدت بعفوه عن خصومه السياسيين رغم كل الإساءات التي وجهت له.. وميله للتعاون مع التيارات السياسية والفكرية المختلفة.. يؤهله ليكون رئيس دولة من الطراز الرفيع.
ولو سارت الأحداث على غير الطريقة التي سارت بها لحظينا برئيس ديمقراطي مدني منتخب بإرادة شعبية حرة على شاكلة الرئيس الدكتور محمد مرسى.. قبل عشرات السنين.
لكن قدر الله تعالى لمصر هذا المسار.. وهذا المشوار الطويل.. وهذا المخاض العسير للدولة الديمقراطية المدنية الحديثة .
ولم يمض وقت طويل حتى اغتالوه على الطريق !!
اغتالوا البنا.. إلا أن الطريق الذي رسمه مشى فيه تلامذته وأحفاده حتى أوشكوا اليوم على تحقيق الهدف الذي قام من أجله رحمه الله قبل أقل من قرن من الزمان .
أنظر فلا أرى الرئيس محمد مرسى على الحقيقة.. إنما أرى الإمام الجليل والمناضل الفذ حسن البنا في قصر الرئاسة بعد سنوات طوال قضاها فيما سماه هو "استخلاص قوة التنفيذ"!
هذه المهمة الشاقة العسيرة – استخلاص قوة التنفيذ – بدأها الإخوان بعد البنا – وهذا ما أكده مرسي خلال خطابه في الميدان - بدعوة الأب المكلوم وهو يُشيع ابنه بمفرده وسط العساكر والمصفحات والمدرعات.. قائلاً:
"اللهم زلزل عروشهم" !!
وانتهت بزلزلة تلك العروش بعد عقود من الحكم العسكري الجبري الذي جاهد بكل ما يملك من حيل ووحشية لإنهاء دعوة الإخوان والقضاء على طموحهم في الحكم.. حتى استسلموا في النهاية أمام التصميم والتحدي ليسلموا بأيديهم اليوم مفاتيح القصر الرئاسي لواحد من أحفاد البنا.
اغتالوه وطاردوه حتى بعد موته.. وقتلوا رموز دعوته.. وطاردوا أتباعه في كل مكان واعتقلوهم وضيقوا عليهم وسلبوهم أموالهم وأغلقوا محالهم وشركاتهم !
فعلوا كل شيء معهم للحيلولة بينهم وبين الوصول إلى القصر الرئاسي والهيمنة على قوة التنفيذ.. لكن ما غرسه البنا فيهم وما أوصاهم به كان أقوى من الرصاص والزنازين.. يقول لهم رحمه الله:
"إذا قيل لكم إلامَ تدعون.. فقولوا ندعو إلى الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.. والحكومة جزء منه.. والحرية فريضة من فرائضه.
فإن قيل لكم: هذه سياسة.
فقولوا: هذا هو الإسلام ونحن لا نعرف هذه الأقسام.
وإن قيل لكم: أنتم دعاة ثورة.
فقولوا : نحن دعاة حق وسلام.. نعتقده ونعتز به.. فإن ثرتم علينا ووقفتم في طريق دعوتنا فقد أذن الله أن ندفع عن أنفسنا.. وكنتم الثائرين الظالمين".
هدف البنا كان واضحاً منذ البداية.. ويقرر أن الإسلام الذي يؤمن به الإخوان يجعل الحكومة ركناً من أركانه.. ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد.
أعلنها صريحة أنه وجماعته ليس مطية لحكومة من الحكومات ولا منفذين لغاية غير غايتهم.. أو عاملين على منهاج غير منهاجهم.
وأن الإخوان لا يطلبون الحكم لأنفسهم.. فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل هذا العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه.. وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم.. وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله.
وكان رحمه الله يستشهد بقول "الإمام الغزالي":
"اعلم أن الشريعة أصل والمُلك حارس.. وما لا أصل له فهو مهدوم.. وما لا حارس له فهو ضائع".
الحاصل أن البنا واصل الطريق إلى القصر.. رغم الجراح والدم النازف.
والواقع أمام أعيننا وأمام العالم كله اليوم.. أنه دخله في نهاية المطاف رغم كل التحديات والصعاب والمؤامرات .
لكننا لم نصل بعد إلى نهاية الصراع.. فالرجل سعى لاستخلاص قوة التنفيذ.. والجيش يناضل دون الاحتفاظ بها.
وبعد فاروق ومحمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنور السادات ومبارك يدخل "البنا" – في صورة د/ محمد مرسى - قصر الرئاسة.. ويعترف به رؤساء وملوك العالم رئيساً على مصر.. في تحول وتطور أبهر الدنيا.
لكن الجميع يعلم أن الآتي أصعب.. وقد يكون القصر فخاً من فخاخ الجيش.. وقد يكون هناك سيناريو موضوع بدقة وإحكام لمحنة جديدة من محن الإخوان الشديدة.
المحنة الأشد من محن الابتلاءات والإعدامات والسجون هي محنة حكم لا تقدر على إدارته.. وقصر يراك فيه الشعب حاكماً.. وأنت في واقع الأمر عاجز عن إصدار القرار ولا تملك سلطة الأمر والنهى.. بيدك مفاتيح غرف القصر.. وليست بيدك قوة التنفيذ .
سلم الجيش بعد كل هذه السنوات القصر للإمام " البنا".. لكن هل سلمه وتنازل له عن قوة التنفيذ؟!!
وهل يسلم الجيش بسهولة سلطة كانت له منذ ستين عاماً؟!!
سوف ننتظر بعض الوقت لنقرأ إجابة هذا السؤال على أرض الواقع.. وسوف يحتاج الدكتور مرسى إلى مزيد من الدعم والالتفاف الشعبي لتحقيق أهدافه وأهداف الثورة وأحلام الشهداء.
تلك الأحلام التي لخصها الشهيد الإمام بقوله: "استخلاص قوة التنفيذ"
الأحد الموافق:
11-7-1433هـ
1-7-2012م