تعرض لقلب الإنسان الذي لا تنتهي أطواره أزمات نفسية ثائرة ، يعصف فيها الالم والقنوط بكل حقائق الحياة، وتتزعزع معها كل قواعد الإيمان والحق والجمال فيشعر المرء كأنما أنبت ما بينه وبين الكائنات من وشائح الرحم والقربى، فاصبح غريبا في هاته الدنيا الغريبة في نفسه ، وكأنما الحياة فن من العبث المرعب الممل الذي لا يجدر بالعطف ولا بالبقاء.ولكن من رحمة الأقدار انها حال عارضة لا تدوم الا كما تدوم عاصفة البحر. تكدر صفاءه ، وتحيل جماله الى شناعة ، وأنغامه الى عويل وانسجامه الى فوضى ، ثم تقر العاصفة وتسكن ويرجع البحر الى زرقته الصافية ، والحانه المتزنة ، وجماله الساحر الأبدي، وتحت تاثير هذه الحالة النفسية الجامحة ، ونفسي سكرى بأحزانها الدامية وألامها المتشحة باللهيب .
ياإله الوجود هذي جراح في فؤادي تشكو اليك الدواهي
هذه زفرة يصعدها الهم الى مسمع الفضاء الساهي
هذه مهجة الشقاء تناجيك فهل أنت سامع يا إلاهي
أنت أنزلتني الى ظلمة الأرض وقد كنت في صباح زاه
كالشعاع الجميل ، أسبح في الأفق وأصغي الى خرير المياه
وأغني بين الينابيع للفجر وأشدو كالبلبل التياه
أنت أوصلتني الى سبل الدنيا وهذي كثيرة الإشتباه
ثم خلفتني وحيدة فريدة بين داع من الرياح وناه
أنت أوقفتني على لجة الحزن وجرعتني مرارة " آه"
أنت أنشأتني غريبة بنفسي بين قومي ، في نشوتي وانتباهي
أنت كرهتني الحياة ومافيها وحببتني جمود الساهي
انت جبلت بين جنبي قلبا سرمدي الشعور والإنتباه
عبقري الأسى تعذبه الدنيا وتشجيه ساحرات الملاهي
انت عذبتني بدقة حسي وتعقبتني بكل الدواهي
بالآسى بالقسم بالهم ، بالوحشة، باليأس ، بالشقا المتناهي
بالمنايا تغتال أشهى مناي وتذوي محاجري وشفاهي
فإذا من أحب حفنة ترب تافه من ترائب وجباه
وإذا فتنة الحياة وسحر الكون ضرب من الغمام الزاهي
يتلاشى فوق الخصم ويبقى اليم كالعهد مزبد الأمواه
ياإله الوجود مالك لا ترثي لحزن المعذب الأواه
قد تأوهت في سكون الليالي ثم أطبقت في الصباح شفاهي
وتغزلت بالحياة وبالحب وغنيت كالسعيد اللاهي
وزعت الأحلام في قلبي الدامي ، وحوطتها بكل انتباهي
ثم لما حصدت لم أجن إلا الشوك ، ماذا ترى فعلت ؟ يإلاهي
يارياح الوجود سيري بعنف وتغني بصوتك الأواه
وانفحيني من روحك الفخم ما يبلغ صوتي آذان هذا الإلاه
فهو يصغي الى القوى، ولايصغي لصوت بين العواصف واه
وأنثري الورد للثلوج بدادا واصعقي كل بلبل تياه
فالوجود الشقي غير جدير بالأغاني ، وبالجمال الزاهي
واسحقي الكائنات كونا بكون قبل أن تنتهي أذل تناه
فالإلاه العظيم لم يخلق الدنيا سوى للفناء تحت الدواهي
ياضمير الوجود ياعالم الأرواح يا أيها الفضاء الساهي
يا خضم الحياة يزخر في الآفاق في الترب ، في قرار المياه
خبروني ، هل للورى من الاه راحم - مثل زعمهم - أواه
يخلق الناس باسما ، ويواسيهم ، ويرنو لهم بعطف الاهي
ويرى في وجودهم روحه السامي ، آيات فنه المتناهي
إنني لم أجده في هاته الدنيا ، فهل خلف أفقها من إلاه ؟
ما الذي قد أتيت يا قلبي الباكي ؟ وماذا قد قلته يا شفاهي
ياإلاهي قد أنطق الهم قلبي بالذي كان.........فأغتفر يا إلاهي
قدم اليأس والكآبة داست قلبي المتعب ، الغريب الواهي
فتشظى ، وتلك بعض شظاياه........ فسامح قنوطه المتناهي
فهو يارب معبد الحق ، والإيمان والنور والفناء الإلاهي
وهو ناي الجمال ، والحب ، والأحلام ، لكن قد حطمته الدواهي .