الروح للبقاء والخلود
قال القرطبي رحمه الله ( الروح من الأشياء التي لها أول وليس لها آخر ) ، فهي خلقت للبقاء والخلود .
يقول تعالي ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾البقرة28 ، من الآية الخلق هو الإيجاد من العدم وفي هذا حياة بعد موت ، ثم موت في الدنيا يعقبه حياة وبعث ونشور يوم القيامة ، والإنسان يتذوق مرارة الموت مرة واحدة ولا موت بعده ﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ الدخان56 ، إلا ما كان لحكمة وآية من الله كقتيل بني إسرائيل وكالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها فقال أن يحيي الله هذه بعد موتها فأماته الله ثم بعثه .
وصعق الأرواح يوم القيامة عند النفخ في الصور لا يعني موتاً فتصير عدماً وإنما تكون للأرواح صعقة غشي فقد ذاقت طعم وكربة الموت عند انفصالها عن البدن في آخر عهدها بالدنيا .
أما ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
﴿ إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى آخذ بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور ﴾ ، فالظاهر من الحديث أنها صعقة غشي وهي لجميع الخلائق وليس صعقة الموت الحادثة عند النفخ في الصور ولو كانت هذا الصعق موتاً لكانت موته أخرى ، وإنما هي صعقة تغشى الخلائق يوم القيامة عندما يأتي الله تبارك وتعالي لفصل القضاء ، لذلك تردد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها هل صعق موسي عليه السلام كبقية الخلق بما فيهم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أم جوزي بصعقة يوم الطور يوم تجليىالرب سبحانه للجبل فجعله دكاً وخر موسى صعقاً ، أما الحديث الآخر والذي عند الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري والذي فيه قوله صلى الله عليه وسلم ﴿ أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر ﴾ .
قال ابن القيم : أدخل الراوي هذا الحديث في الحديث الآخر وكان شيخنا أبو الحجاج الحافظ ( جمال الدين المزي محدث الشام ) يقول ذلك ، وعليه جاء اللفظ المتداخل الآتي ( إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى آخذ بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثني الله عز وجل ) ، والمستثنون من صعقة النفخة والتي منها تموت كل الخلائق التي لم تذق الموت إلا من شاء الله ، ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ الزمر68 وقيل هم أرواح الشهداء وهذا قول أبي هريرة وابن عباس وسعيد ابن جبير ، وقال مقاتل وغيره هم جبريل وميكائيل واسرافيل وملك الموت والصحيح قول مقاتل لأن من استثني من الموت بالنفخة مات بعد ذلك إلى أن يبقى ملك الموت ويتولى الجبار قبضه حتى يكون الله ولا شيئ معه ويفنى كل شيئ ولا يبقى إلا وجهه تبارك وتعالى ويعيد الله الخلق من جديد فيحيي هؤلاء الملائكة من جديد ويتولى اسرافيل نفخة البعث والنشور بعد أن بعثة الملك من جديد ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ الأنبياء104 .
ولم يقع الاستثناء من صعقة الخلائق يوم القيامة يوم يأتي الجبار لفصل الحساب فتصعق الخلائق جميعاً ويكون رسول الله فيمن يصعق وعندما يفيق يجد موسي آخذ بقائمة العرش ولا يدري رسول الله أصعق وأفاق قبله أم أنه لم يصعق أصلاً وجوزي بصعقة يوم الطور ، والرايات الصحيحة تواطأت من قوله ( فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور ) فظن بعض الرواة أن هذه الصعقة هي صعقة النفخة وأن موسي داخل فيمن استثني منها وهذا لا يصح وعليه فقد اعتقد بعض الناس أن موسي مازال حياً وهذا غير صحيح فاستثناء موسي إنما من صعقة الغشية عند تجلي الرب تبارك وتعالي للخلائق للحساب .
قال ابن القيم ولو لم يكن في هذه المسألة إلا كشف شأن هذا الحديث لكان حقيقاً أن يعض عليه بالنواجذ فتأمل هذا المعني العظيم .
والأرواح خلقها الله للبقاء وتنتقل من حال إلي حال إلي المستقر الأخير يوم القيامة في الجنة أو النار ، كانت عدماً ثم أوجدها الخالق تبارك وتعالي وأودعها سمائه الدنيا إلي أن يأتي موعد خروجها إلي الحياة والوجود في الدنيا ثم تصير إلي مستودعها في البرزخ إلي أن ترد في أجسادها مرة أخري ويكون الخلود الأبدي في الجنة أو في النار أعاذني الله منها ، فالأرواح التي خلقها الله سبحانه وتعالي أودعها السماء الدنيا وهي التي رآها نبينا r في رحلة المعراج أرواح السعداء علي يمين آدم عليه السلام وكلما نظر إليهم سر وفرح وأرواح الأشقياء علي يساره كلما نظر إليهم حزن وأغتم ، ومعلوم أن أرواح التعساء والأشقياء بعد الموت لا تفتح لها أبواب السماوات ولا يلجون عالم الملكوت ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ، ومستقرهم بعد الموت ومفارقة الدنيا بعد أن تقوم الحجة عليهم هو في سجين في الأرض السابعة تحت خد إبليس اللعين كما سيأتي فيما بعد .
فالموت هو مفارقة الروح للجسد حيث يبلي الجسد ويتحلل إلا عجب الذنب فمنه يركب الجسد يوم القيامة ، والجسد وإن فني بمعني تحلل وغاب عن الأبصار وعاد إلي الأرض التي منها خلق فإن مادته تظل موجودة ولا تفني بمعني تصير إلي العدم ، فالجسد من المادة وقانون بقاء المادة ينطبق عليه حيث لا تفني لكن تتغير الهيئة ويدخل في دورة الكون والكائنات الأخرى والله علي جمعه يوم القيامة قدير وعن ذلك يقول رب العزة ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ ق4 .
أما المادة في قانون الخالق فإنه يستحدثها من العدم وهذا هو الفرق الجوهري بين خلق الله وخلق البشر فتبارك الله أحسن الخالقين ، فالخلق هو الإيجاد من العدم علي غير مثال سبق وهذا للخالق تبارك وتعالي ، أما خلق البشر فهو إيجاد من موجود ومحاكاة لله تبارك وتعالي في خلقه ( الابتكار والتصنيع وهو بعلم الله ومشيئته وتوفيقه ) فإن نظرت إلي ما توصل إليه علم البشر تجده محاكاة لله في خلقه ومصدر علمهم وابتكارهم هو تدقيقهم في المخلوقات ومحاولة تقليدها ، انظر إلي الطائر والطائرة إلي الغواصة والسمكة ، انظر إلي الإنسان والإنسان الآلي ولاحظ الفرق بين مخلوقات الله ومصنوعات البشر وانظر تأثير الحياة والروح لتجد المحاولة اليائسة من البشر .
والجسد وإن غاب عن الأبصار وتغيرت هيئته تظل الروح مشرفة عليه وعلي اتصال به ويصله من عذابها ونعيمها بكيفية لا يعرفها إلا الله ، فعذاب القبر ونعيمة هو للروح وللجسد بالتبعية كما أن عذاب الدنيا ونعيمها للجسد وللروح بالتبعية فعذاب القبر ونعيمة هو للجسد والبدن علي السواء وهو ما عليه إجماع أهل السنة ، ففي الدنيا الجسد ظاهر والروح مخفية وفي البرزخ الروح ظاهرة والجسد خفي وقانون الدنيا لا ينطبق علي قانون البرزخ ولا الآخرة فلكل دار منها قوانينها التي لا يعلمها إلا الله وما وصلنا من أخبار في الكتاب والسنة هو لتقريب المعني والمفهوم لكن لا يصح الحكم بما نعرف من قوانين المادة .
والروح في البرزخ تكون ظاهرة وتأخذ شكل القالب وهو الجسد في الدنيا وتأتي إلينا في الرؤى والأحلام