دوائر حمود
مثلما تعودنا الاجتماع في ساعة معلومة في المكان الذي أطلق عليه أديبنا الراحل "العجيلي " ذلك الاسم الجميل ( الواحة) يحمل بعضنا جرع من التفاؤل والبعض لم يكن يرى من الكأس سوى نصفه الفارغ .
كان يقلقنا موعد النهاية ونتساءل دوما عن موعد الفرج .. أكثرنا تشاؤما كان ذاك الذي يبقى طوال الجلسة صامتا وحين نستحثه على الكلام كان يعلق بجملة مقتضبة لا يمل ترديدها :
"هاتوا خبروني بقى كيف بدها تنتهي .
ونشتط غيضا فنجتهد و نفكر في سيناريوهات متعددة لعلها تخفف من تشاؤمه ونرضي بها أنفسنا .
أما أكثرنا تفاؤلا فكان أحمد صاحب نظرية الدائرة ميزناه بتلك الصفة عن جليسنا الآخر والذي يحمل نفس الاسم فصار اسمه دائرة
واحمد الدائرة لم يكن متبنيا لنظرية الدائرة فقط والتي حفظناها عن ظهر قلب ولكنه كان قاصا شيقا يدعم نظريته بالحجج والبراهين والحكايات و الإسقاطات التاريخية وهو الذي تنبأ بالثورة العربية حين أحرق بو العزيزي نفسه وقال يومها إن الدائرة قد وصلت بنا إلى القعر وأن الثورة ستأتي على بلاد العرب جميعها وحتى يومنا هذا لازال دليلنا ومصدر تفاؤلنا هو الدائرة واذكر له تلك الحكاية التي حكاها لنا يوم اشتعل جسد بو لعزيزي
كان في مصر من الأمصار يعيش شعب آمن وملك عادل وكان هذا الملك يؤمن مثلي بنظرية الدوائر وكان من عادة هذا الملك أن يتخفى ويتنكر بزي راعي ويجول في الأزقة والأسواق ليتفقد الرعية والعباد خوفا عليهم من ظلم يلم بهم أو فقر يصيبهم فما وجد إلا شعبه راضيا شاكرا مطمئنا فتراه وقد ترك الحوانيت دون خوف عليها من السرقة ورأى العسس وهم يساعدون البشر في قضاء حاجاتهم ونشر بضائعهم ورعي مواشيهم ومر بمشيته على صوامع الحبوب فرآها وقد أملئت فعاد إلى قصره وهو عكر المزاج مشوش الذهن تأكله الحيرة وحين سألته زوجته عن ما أصابه قال :
وجدت المملكة غاية في الجمال والروعة والشعب وقد نال ما يريد وعاش في طمأنينة وعافية .
- إذا ما الذي عكر صفو ملكنا
هذه الأشياء التي ذكرت كلها تدل على أننا أصبحنا في أعلى نقطة من الدائرة
تذمرت زوجة الملك من معتقد زوجها وأعلنت له أنها لا تؤيد نظريته تلك
ومرت الأيام وصارت الأخبار تتوالى عن جماعة تشكلت وصارت تلك العصابة حزبا وصار لذلك الحزب أنصار وكثرت شعاراتهم وخطبهم الطنانة وفي يوم من الأيام تسلق أنصار ذلك الحزب فاحتلوا شرفات القصر وزجوا بالملك وحاشيته في السجن .
أربعة عقود مرت على الملك ووزرائه وهم يقبعون في زنزانة حقيرة لا ضوء فيها ولا هواء حتى جاءهم يوم من ذات الأيام كانوا يجلسون إلى طبق الطعام يتلمسون لقمهم بأيديهم لكثرة الظلام فإذا بيد الملك تتعثر في طريقها إلى اللقمة بشيء له شعر يأكل مع الملك من ذات الإناء ! فتلمسه الملك جيدا فإذا به كلب .. انتصب بعدها الملك واقفا وهو يصرخ .. انتهينا لقد بدأ الظلم ينجلي ومنذ الآن ستدور الدائرة صعودا فلم يحدث أبدا أن أكل الملك وكلب من ذات الإناء ..
ولم تمض إلا ساعات حتى صار الملك ووزرائه يسمعون من خلف الجدار هتاف الشعب يردد : حرية حرية الشعب بدو حرية .