استنشد سيف الدولة يوماً أبا الطيب المتنبي قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
وكان معجباً بها كثير الاستعادة لها، فاندفع أبو الطيب المتنبي ينشدها،
فلما بلغ قوله فيها:
وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمةً ووجهك وضاح وثغرك باسم
قال: قد انتقدنا عليك هذين البيتين، كما انتقد على امرئ القيس بيتاه:
كأني لم أركب جواداً للذة ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال
وبيتاك لا يلتئم شطراهما، كما ليس يلتئم شطرا هذين البيتين، وكان ينبغي لامرئ القيس أن يقول:
كأني لم أركب جواداً ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال
ولم أسبأ الزق الروي للذة ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
ولك أن تقول :
وقفت وما في الموت شك لواقف ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال: أيد الله مولانا! إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا كان أعلم بالشعر منه، فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك، لأن البزاز يعرف جملته،
والحائك يعرف جميلته وتفاريقه، لأنه هو الذي أخرجه من الغزلية إلى الثوبية،
وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد!
وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وأنا لما ذكرت الموت في أول البيت أتبعته بذكر الردى -وهو الموت- ليجانسه، ولما كان وجه الجريح المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوساً، وعينه من أن تكون باكية، قلت "ووجهك وضاح وثغرك باسم" لأجمع بين
الأضداد في المعنى، وإن لم يتسع اللفظ لجميعها. فأعجب سيف الدولة بقوله، ووصله بخمسين ديناراً من دنانير الصلات، وفيها خمسمائة دينار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن دلَّ ذلك فإنما يدل ُّعلى مدى بلاغة ( المتنبي )
مع أرق تحياتي