أحب في البداية أن أقرر أنه من خلال أجواء منتدانا الأدبي استفدت استفادة هامة لدي تقديم رؤية تتصل بأحد القضايا الثائرة علي الساحة الأدبية أو الأفكار النقدية وهي انتقاء قضية أو فكرة واحدة تشكل جزئية من نسيج الأدب المترامي عبر ساحات القلوب والعقول وفضاءات الأفكار وتقديمها عبر ورقة أدبية مختصرة مع التركيز والشمول قدر الإمكان آملا دائما أن تجد القبول والتأييد من حضراتكم وأن تثير مناخا من النقاش والحوار بما يثري منتدانا الأدبي ويحقق هدفا من أهدافه الأصيلة نحو الرقي والازدهار خاصة وأن منتدانا الأدبي يحظي بنعمة الله العلى القدير بطائفة ممتازة من الأدباء الذين نطمح في اغتنام تواجدهم بيننا والاستفادة من رؤاهم وأدائهم الثقافي وخبرتهم الأدبية العريضة ، وورقة اليوم بين يدي حضراتكم تدور حول صلة الأديب كمنشئ ومبدعا وناقد للأعمال الأدبية في الوقت ذاته ، فيساهم بذلك بالعطاء في المجالين معا ، وتلك الإشكالية المتمثلة في العلاقة بين النقد والإبداع من حيث قيام الأديب بالكتابة في النقد مع قيامه بصياغة أعماله الأدبية في آن واحد مع تفاوت المستوى في الكتابة بينهما بمعني آخر : هل يؤثر النقد على الناقد الأديب من حيث جودة أدائه الإبداعي ، ولدي مناقشة قضية الإبداع والناقد يجب بداية أن نقرر أن هناك فارقا كبيرا بين النقد ( كنشاط مقرر له أسسه وقواعده ) والتي تخرج به عن نطاق القول العائم الشخصي وبين الكتابة الأدبية كفن إبداعي ، وهذه التفرقة هامة جدا لان مساحة التشابك بين النقد والعمل الإبداعي قد أثارت الكثير من المعارك علي الساحة الأدبية فالدكتور نبيل راغب شن هجوما في كتابه " علم النقد الأدبي " علي الرأي القائل بان النقد هو فن إبداعي مثله مثل أنواع الأداء الأدبي ، وان الناقد في نقده قد يرتقى وينشئ به عملا أدبيا موازيا للعمل الأدبي الأصلي ، ورأي أنه آفة قاتلة في ميدان الأدب ومنبع خطورة تلك الآفة عنده هو تخلى النقد بهذا المفهوم عن دوره العلمي في إثراء الحياة الأدبية وتفسيرها وتقسيمها وأيضا الإشادة بها ودفعها وتقويم مسيرتها وإمتاع القارئين بذات متعة المنشئ للعمل نفسه بتحليل وتفكيك العمل الأدبي إلي عناصره الأولية .... وهكذا ، بينما يري أدباء آخرون منهم الأديب الكبير : يوسف الشاروني أن الارتباط الوثيق بين تجربتي النقد والإبداع الفني تجعل النقد يقترب أكثر إلي الإبداع الفني بحيث تضيق المسافة بينهما حتى ينتهيان إلي عملية واحدة ، ويؤكد ذلك بالإشارة إلي ما قام به من قراءات نقدية من خلال إعادة صياغة شخصيات رئيسة في رواية " زقاق المدق " لأديب نوبل الأستاذ : نجيب محفوظ من خلال قصتي " زيطة صانع العاهات " و " مصرع عباس الحلو " مع إضافة أبعادا أخري قد لا تتسع لها الرواية رغم أنها أكثر امتدادا في الزمان والمكان ، وتبرزها القصة القصيرة بما فيها من تكثيف وتركيز ، وذلك جميعه في معرض تقديمه لرؤاه النقدية حول الرواية فيقول : " كنت أعيد خلق العمل الفني – الذي غالبا ما يكون عملا روائيا - في قالب أقرب إلي قالب القصة القصيرة مع تقديمه من خلال رؤية تكشف عن جوانب العمل الفني " ، وهذا يؤكد الصلة اللصيقة شديدة القوة والتلازم بين الأدب والنقد بحيث كانا جناحي طائر يرفرف بهما في عالم الفن والجمال ، يقول أيضا الأديب : يوسف الشاروني : " لهذا فالحركة النقدية لا تؤثر في الحركة الأدبية فقط لكنها أيضا تتأثر بها ، ولا تزدهر حركة النقد الأدبي إلا إلي جانب وجود حركة أدبية مزدهرة ، والأدباء الذين يرفضون أن يستمعوا إلا إلي كل متملق مادح لكل حرف كتبوه ليسوا إلا أدباء نرجسيين قد حكموا علي أنفسهم بالعقم والدوران في حركة مفرغة " ، ويري الناقد د . غالي شكري أن إشكالية النقد الأدبي ما إذا كان إبداعا أو نقدا تكون في مرحلة التكوين وأن هناك إشكالية أخري تتصل فهي علاقة النقد بالعلم وهو ينفي عن النقد كونه علما وإن اتصل اتصالا وثيقا بمجموعة من العلوم الإنسانية وخصوصا علوم اللغة ولكنه يراه رسول الفلسفة إلي الأدب بمعني انه ليس فلسفة الفن أو علم الجمال ولكنه من ناحية أخري رسول تلك العلوم والفلسفات إلي الأدب ، أي انه العلاقة بين رؤيا الناقد للعالم وللطبيعة النوعية الخاصة بالعمل الأدبي .
لهذا يجب تصحيح الرؤية حول تلك النظرة القاصرة إلي الناقد ، تلك النظرة التي لا تليق به أبدا وهو أنه فنان فاشل ، فلو أنه نجح في ميدان الإبداع الأدبي ما ارتضى أن يعيش على التبعية لأعمال الآخرين الأدبية ، وهى مقولة ظالمة كمقالة ( جورج ستينير ) : " من الذي يرضى أن يكون ناقدا ، إن كان في مقدوره أن يكون كاتبا مبدعا ؟؟ من ذا الذي يرضى الكدح ليستخرج أعمق رؤية فنية عند ديستوفسكى ، إن كان في مقدوره أن يبدع كلمة من رواية الإخوة كارامازوف ؟؟ ... من ذا الذي يرضى أن يكون ناقدا أدبيا إذا كان في مقدوره أن ينظم شعرا يتغنى به ، أو ينسج من كيانه الفاني قصة حية ، أو شخصية خالدة " ، لهذا كان إقتناء الرأي القائل بأهمية النقد وموازته للعمل الأدبي ( من حيث الأهمية ) وتأثيره وتأثره به في آن واحد بل وارتقائه أحيانا إلي مستوي متميز من الإبداع الفني ضروريا لتصحيح هذه النظرة القاصرة إلي النقد الجاد ، فتلك النظرة الشائنة إلي وظيفة النقد الخالص يتسبب عنه نظرة التعالي بداية من الأدباء إلي النقاد بظنهم أن الناقد عالة على أعمالهم ، وأن حرفة النقد هي حرفة من لا حرفة له ونسوا أنه لولا الناقد لتكاثرت الآفات في إبداعهم ، فالواقع يذكر أن العلاقة بين النقد والإبداع هو علاقة حضارية ، تقوم على وجود المادة المتاحة للبحث والقدرة على تقنين الدوافع ورائها وقدرة البحث حولها وإنارة السبل إليها وتصحيح مسارها ، أو على حد قول د . إبراهيم حمادة : " مثل علاقة الجسم البشرى بنشاط البحث الطبي ، والأجرام السماوية بنشاط البحث الفلكي ، وظواهر البيئة بنشاط البحث الجغرافي ... " وهلم جرا .