بسم الله الرحمن الرحيم
السـلام عليكـم ورحمة الله وبركاته ،،
إليكـم التالي بخصوص الدخان
تبغ التعريف : 1 - التبغ ( بتاء مفتوحة ) لفظ أجنبي دخل العربية دون تغيير ، وقد أقره مجمع اللغة العربية . وهو نبات من الفصيلة الباذنجانية يستعمل تدخينا وسعوطا ومضغا ، ومنه نوع يزرع للزينة ، وهو من أصل أمريكي ، ولم يعرفه العرب القدماء . ومن أسمائه : الدخان ، والتتن ، والتنباك . لكن الغالب إطلاق هذا الأخير على نوع خاص من التبغ كثيف يدخن بالنارجيلة لا باللفائف .
- ومما يشبه التبغ في التدخين والإحراق : الطباق ، وهو نبات عشبي معمر من فصيلة المركبات الأنبوبية الزهر ، وهو معروف عند العرب ، خلافا للتبغ ، والطباق : لفظ معرب . وفي المعجم الوسيط : الطباق : الدخان ، يدخن ورقه مفروما أو ملفوفا .
- وقال الفقهاء عن الدخان : إنه حدث في أواخر القرن العاشر الهجري وأوائل القرن الحادي عشر ، وأول من جلبه لأرض الروم ( أي الأتراك العثمانيين ) الإنكليز ، ولأرض المغرب يهودي زعم أنه حكيم ، ثم جلب إلى مصر ، والحجاز ، والهند ، وغالب بلاد الإسلام .
الأحكام المتعلقة بالتبغ : حكم استعماله : - منذ ظهور الدخان - وهو الاسم المشهور للتبغ - والفقهاء يختلفون في حكم استعماله ، بسبب الاختلاف في تحقق الضرر من استعماله ، وفي الأدلة التي تنطبق عليه ، قياسا على غيره ، إذ لا نص في شأنه . فقال بعضهم : إنه حرام ، وقال آخرون : إنه مباح ، وقال غيرهم : إنه مكروه .
وبكل حكم من هذه الأحكام أفتى فريق من كل مذهب ، وبيان ذلك فيما يلي :
القائلون بتحريمه وأدلتهم : 5 - ذهب إلى القول بتحريم شرب الدخان من الحنفية : الشيخ الشرنبلالي ، والمسيري ، وصاحب الدر المنتقى ، واستظهر ابن عابدين أنه مكروه تحريما عند الشيخ عبد الرحمن العمادي . وقال بتحريمه من المالكية : سالم السنهوري ، وإبراهيم اللقاني ، ومحمد بن عبد الكريم الفكون ، وخالد بن أحمد ، وابن حمدون وغيرهم . ومن الشافعية : نجم الدين الغزي ، والقليوبي ، وابن علان ، وغيرهم . ومن الحنابلة الشيخ أحمد البهوتي ، وبعض العلماء النجديين . ومن هؤلاء جميعا من ألف في تحريمه كاللقاني والقليوبي ومحمد بن عبد الكريم الفكون ، وابن علان . واستدل القائلون بالحرمة بما يأتي :
- أ - أن الدخان يسكر في ابتداء تعاطيه إسكارا سريعا بغيبة تامة ، ثم لا يزال في كل مرة ينقص شيئا فشيئا حتى يطول الأمد جدا ، فيصير لا يحس به ، لكنه يجد نشوة وطربا أحسن عنده من السكر . أو أن المراد بالإسكار : مطلق المغطي للعقل وإن لم يكن معه الشدة المطربة ، ولا ريب أنها حاصلة لمن يتعاطاه أول مرة . وهو على هذا يكون نجسا ، ويحد شاربه ، ويحرم منه القليل والكثير .
- ب - إن قيل : إنه لا يسكر ، فهو يحدث تفتيرا وخدرا لشاربه ، فيشارك أولية الخمر في نشوته ، وقد قالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر } قال العلماء : المفتر : ما يحدث الفتور والخدر في الأطراف وصيرورتها إلى وهن وانكسار ، ويكفي حديث أم سلمة حجة ، ودليلا على تحريمه . ولكنه على هذا لا يكون نجسا ولا يحد شاربه ، ويحرم القليل منه كالكثير خشية الوقوع في التأثير ، إذ الغالب وقوعه بأدنى شيء منها ، وحفظ العقول من الكليات الخمس المجمع عليها عند أهل الملل .
- ج - أنه يترتب على شربه الضرر في البدن والعقل والمال ، فهو يفسد القلب ، ويضعف القوى ، ويغير اللون بالصفرة ، ويتولد من تكاثف دخانه في الجوف الأمراض والعلل ، كالسعال المؤدي لمرض السل ، وتكراره يسود ما يتعلق به ، وتتولد منه الحرارة ، فتكون داء مزمنا مهلكا ، فيشمله قوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } وهو يسد مجاري العروق ، فيتعطل وصول الغذاء منها إلى أعماق البدن ، فيموت مستعمله فجأة . ثم قالوا : والأطباء مجمعون على أنه مضر ، قال الشيخ عليش : أخبر بعض مخالطي الإنكليز أنهم ما جلبوا الدخان لبلاد الإسلام إلا بعد إجماع أطبائهم على منعهم من ملازمته ، وأمرهم بالاقتصار على اليسير الذي لا يضر ، لتشريحهم رجلا مات باحتراق كبده وهو ملازمه ، فوجدوه ساريا في عروقه وعصبه ، ومسودا مخ عظامه ، وقلبه مثل إسفنجة يابسة ، فمنعوهم من مداومته ، وأمروهم ببيعه للمسلمين لإضرارهم . . . قال الشيخ عليش : فلو لم يكن فيه إلا هذا لكان باعثا للعقل على اجتنابه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الحلال بين والحرام بين ، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه } . هذا وفي المراجع الحديثة ما يثبت ضرر التدخين .
- د - في التدخين إسراف وتبذير وضياع للمال ، قال الشيخ عليش : لو سئل الفقهاء - الذين قالوا : السفه الموجب للحجر تبذير المال في اللذات والشهوات - عن ملازم استعمال الدخان ، لما توقفوا في وجوب الحجر عليه وسفهه ، وانظر إلى ما يترتب على إضاعة الأموال فيه من التضييق على الفقراء والمساكين ، وحرمانهم من الصدقة عليهم بشيء مما أفسده الدخان على المترفهين به ، وسماحة أنفسهم بدفعها للكفار المحاربين أعداء الدين ، ومنعها من الإعانة بها على مصالح المسلمين وسد خلة المحتاجين . 10
- هـ - صدر أمر سلطاني من الخليفة العثماني في وقته - بناء على فتاوى علماء عصره - بمنع استعمال الدخان ومعاقبة شاربيه ، وحرق ما وجد منه . فيعتبر من وجوه تحريمه : الخروج عن طاعة السلطان ، فإن امتثال أمره واجب في غير ما أجمع على تحريمه ، ومخالفته محرمة . 11 ورائحة الدخان منتنة مؤذية ، وكل رائحة مؤذية فهي ممنوعة ، والدخان أشد من البصل والثوم في الرائحة ، وقد ورد منع من تناولهما من دخول المسجد ، وفرق بين الرائحة المنتنة والرائحة الكريهة ، والبصل والثوم ريحهما مكروه وليس منتنا ، والدخان ريحه منتن .
12 - ز - من زعم استعماله تداويا لم يستعمله استعمال الأدوية ، وخرج به إلى حد التفكه والتلذذ ، وادعى التداوي تلبيسا وتسترا حتى وصل به إلى أغراض باطنة من العبث واللهو والإسطال ، ومذهب الحنفية حرمته ، وعرفوا العبث : بأنه فعل لغير غرض صحيح ، والسفه : بأنه فعل لا غرض فيه أصلا واللعب : فعل فيه لذة . وممن صرح بحرمة العبث في غير الصلاة صاحب كتاب الاحتساب متمسكا بقول الله سبحانه وتعالى : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } وصاحب الكافي متمسكا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رمية الرجل بقوسه ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته امرأته ، فإنهن من الحق } .
القائلون بإباحته وأدلتهم :
- ذهب إلى القول بإباحة شرب الدخان من الحنفية : الشيخ عبد الغني النابلسي ، وقد ألف في إباحته رسالة سماها ( الصلح بين الإخوان في إباحة شرب الدخان ) ومنهم صاحب الدر المختار ، وابن عابدين ، والشيخ محمد العباسي المهدي صاحب الفتاوى المهدية ، والحموي شارح الأشباه والنظائر . ومن المالكية : علي الأجهوري ، وله رسالة في إباحته سماها ( غاية البيان لحل شرب ما لا يغيب العقل من الدخان ) ونقل فيها الإفتاء بحله عمن يعتمد عليه من أئمة المذاهب الأربعة ، وتابعه على الحل أكثر المتأخرين من المالكية ، ومنهم : الدسوقي ، والصاوي ، والأمير ، وصاحب تهذيب الفروق . ومن الشافعية : الحفني ، والحلبي ، والرشيدي ، والشبراملسي ، والبابلي ، وعبد القادر بن محمد بن يحيى الحسيني الطبري المكي ، وله رسالة سماها ( رفع الاشتباك عن تناول التنباك ) . ومن الحنابلة : الكرمي صاحب دليل الطالب ، وله رسالة في ذلك سماها ( البرهان في شأن شرب الدخان ) . كذلك قال الشوكاني بإباحته . وقد استدل القائلون بإباحته بما يأتي :
- أ - أنه لم يثبت إسكاره ولا تخديره ، ولا إضراره ( عند أصحاب هذا الرأي ) وقد عرف ذلك بعد اشتهاره ، ومعرفة الناس به ، فدعوى أنه يسكر أو يخدر غير صحيحة ، فإن الإسكار غيبوبة العقل مع حركة الأعضاء ، والتخدير غيبوبة العقل مع فتور الأعضاء ، وكلاهما لا يحصل لشاربه . نعم من لم يعتده يحصل له إذا شربه نوع غشيان . وهذا لا يوجب التحريم . كذا قال الشيخ حسن الشطي وغيره . وقال الشيخ علي الأجهوري : الفتور الذي يحصل لمبتدئ شربه ليس من تغييب العقل في شيء ، وإن سلم أنه مما يغيب العقل فليس من المسكر قطعا ، لأن المسكر يكون معه نشوة وفرح ، والدخان ليس كذلك ، وحينئذ فيجوز استعماله لمن لا يغيب عقله ، وهذا يختلف باختلاف الأمزجة ، والقلة والكثرة ، فقد يغيب عقل شخص ولا يغيب عقل آخر ، وقد يغيب من استعمال الكثير دون القليل .
- ب - الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد نص بالتحريم ، فيكون في حد ذاته مباحا ، جريا على قواعد الشرع وعموماته ، التي يندرج تحتها حيث كان حادثا غير موجود زمن الشارع ، ولم يوجد فيه نص بخصوصه ، ولم يرد فيه نص في القرآن أو السنة ، فهو مما عفا الله عنه ، وليس الاحتياط في الافتراء على الله تعالى بإثبات الحرمة أو الكراهة اللذين لا بد لهما من دليل ، بل في القول بالإباحة التي هي الأصل ، وقد توقف النبي صلى الله عليه وسلم - مع أنه هو المشرع في تحريم الخمر أم الخبائث - حتى نزل عليه النص القطعي ، فالذي ينبغي للإنسان إذا سئل عنه أن يقول هو مباح ، لكن رائحته تستكرهها الطباع ، فهو مكروه طبعا لا شرعا .
- ج - إن فرض إضراره لبعض الناس فهو أمر عارض لا لذاته ، ويحرم على من يضره دون غيره ، ولا يلزم تحريمه على كل أحد ، فإن العسل يضر بعض الناس ، وربما أمرضهم ، مع أنه شفاء بالنص القطعي .
- د - صرف المال في المباحات على هذا الوجه ليس بسرف ، لأن الإسراف هو التبذير ، وفسر ابن مسعود التبذير بأنه إنفاق المال في غير حقه ، فإذا كان الإنفاق في حقه ولو مباحا فليس بسرف ، ودعوى أنه إسراف فهذا غير خاص بالدخان .
- هـ - اتفق المحققون على أن تحكيم العقل والرأي بلا مستند شرعي باطل ، إذ ليس الصلاح بتحريمه ، وإنما الصلاح والدين المحافظة بالاتباع للأحكام الواردة بلا تغيير ولا تبديل ، وهل الطعن في أكثر الناس من أهل الإيمان والدين ، والحكم عليهم بالفسق والطغيان بسبب شربهم الدخان ، وفي العامة من هذه الأمة فضلا عن الخاصة ، صلاح أم فساد ؟
- و - حرر ابن عابدين أنه لا يجب تقليد من أفتى بحرمة شرب الدخان ، لأن فتواهم إن كانت عن اجتهاد فاجتهادهم ليس بثابت ، لعدم توافر شروط الاجتهاد ، وإن كانت عن تقليد لمجتهد آخر ، فليس بثابت كذلك لأنه لم ينقل ما يدل على ذلك ، فكيف ساغ لهم الفتوى وكيف يجب تقليدهم ؟ . ثم قال : والحق في إفتاء التحليل والتحريم في هذا الزمان التمسك بالأصلين اللذين ذكرهما البيضاوي في الأصول ، ووصفهما بأنهما نافعان في الشرع . الأول : أن الأصل في المنافع : الإباحة ، والآيات الدالة على ذلك كثيرة . الثاني : أن الأصل في المضار : التحريم والمنع لقول النبي صلى الله عليه وسلم : { لا ضرر ولا ضرار } . ثم قال : وبالجملة إن ثبت في هذا الدخان إضرار صرف عن المنافع فيجوز الإفتاء بتحريمه ، وإن لم يثبت إضراره فالأصل الحل . مع أن الإفتاء بحله فيه دفع الحرج عن المسلمين ، فإن أكثرهم يبتلون بتناوله ، فتحليله أيسر من تحريمه ، فإثبات حرمته أمر عسير لا يكاد يوجد له نصير . نعم لو أضر ببعض الطبائع فهو عليه حرام ، ولو نفع ببعض وقصد التداوي فهو مرغوب . قال ابن عابدين : كذا أجاب الشيخ محيي الدين أحمد بن محيي الدين بن حيدر الكردي الجزري رحمه الله تعالى . وفي تهذيب الفروق : من عافاه الله من شربه واستعماله بوجه من الوجوه ، لا ينبغي أن يحمل الناس على مختاره ، فيدخل عليهم شغبا في أنفسهم وحيرة في دينهم ، إذ من شرط التغيير لأمر ما أن يكون متفقا على إنكاره .
القائلون بالكراهة وأدلتهم : 20 -
ذهب إلى القول بكراهة شرب الدخان من الحنفية : ابن عابدين ، وأبو السعود ، واللكنوي . ومن المالكية : الشيخ يوسف الصفتي . ومن الشافعية : الشرواني . ومن الحنابلة : البهوتي ، والرحيباني ، وأحمد بن محمد المنقور التميمي .
واستدلوا بما يأتي :
- أ - كراهة رائحته ، فيكره قياسا على البصل النيء والثوم والكرات ونحوها .
- ب - عدم ثبوت أدلة التحريم ، فهي تورث الشك ، ولا يحرم شيء بمجرد الشك ، فيقتصر على الكراهة لما أورده القائلون بالحرمة . .
انتهى