منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول

منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول هنا نتحاور في مجالات الأدب ونستضيف مقالاتكم الأدبية، كما نعاود معكم غرس أزاهير الأدباء على اختلاف نتاجهم و عصورهم و أعراقهم .

 

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 26-02-2011, 05:50 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
د.أيوب جرجيس العطية
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.أيوب جرجيس العطية
 

 

 
إحصائية العضو







د.أيوب جرجيس العطية غير متصل


افتراضي رؤيةٌ جديدةٌ في تَفسير المُقدّمَة الطَّلليّة- مُعلّقة امريء القيس نموذجا-د.أيوب جرجيس

رؤيةٌ جديدةٌ في تَفسير المُقدّمَة الطَّلليّة- مُعلّقة امريء القيس نموذجا-د.أيوب جرجيس العطية

فاتحة:
هذه الدراسة جاءت محاولةً على نص امرئ القيس لأسباب متعددة:
1ـ لأنه نصِّ عربي قديم شاع عنه بأنه مفكك الأجزاء لا وحدة فيه فيثبت التحليل خلاف ما هو مشهور.
2ـ وجاهلي لأنه يرى ضرورة إقامة جسور بين هذا الخط الوافد في التحليل، والموروث الأدبي.
3ـ ولأن القصيدة متداولة بين طلاب العربية ودارسيها، ومعنى ذلك أن تحليلها سيفتح آفاقاً في تحليل النصوص ولا سيما القديمة منها.
تقسيم النصّ ومفاتِحُه:
شاع عند الدارسين والنقاد أن معظم النصوص القديمة تلتزم ببناء تقليدي الوقوف على الأطلال، ثم الدخول في الموضوع (المدح، الهجاء، الوصف...)، ثم يختمها بأبيات من الحكمة، وهذه الأجزاء أو الموضوعات لا تلاحم بينها ولا يربطها رابط بمعنى أنها تفتقر إلى الوحدة الموضوعية (الفنية).
أقول:آن للدارس أن يتأمل النص الشعري، وينظر إليه نظرة فاحصة وشمولية ليتمكن من الوقوف على مفاتيح النص وتقسيماته ودلالاته .
وإذا وقف الناقد على مفاتيح النص صار التحليل في صميم النصّ ومعناه، وقرُب من مراد الشاعر ورؤاه.
فالمتأمل في معلقة امرئ القيس يجد أنّها غوص في شجن الذات، في آمالها وآلامها، يتخللها موقف شعوري عام تتقابل لوحاته وتتراسل ليمنح القصيدة حركة ويبعدها من الرتابة والسكون[1].
ولا بأس أن يستعين الباحث أو يستأنس بمناهج ـ فضلاً عن النص ـ كالمنهج النفسي إن لزم الأمر، وإن كان المنهج الأسلوبي لا يعترف بما هو خارج النصّ.
وبدأً فالموقف الشعوري الذي تنبعث منه القصيدة هو الإحساس بالضعف والانكسار: في زوال دولة (كِنْدة)، أو(مملكته)، ومطاردة (المنذر بن ماء السماء) له حتى وصل القسطنطينيّة ([2])، ويشير (د.جواد علي) أن مطاردة المنذر لامرئ القيس كانت أعنف شيء أصاب الشاعر بعد مقتل والده ([3]). فامتلأت نفسه بالتوتر والضيق وبلغ به الإحساس بالعجز حداً عطل قدرته على تجاوز وضعه المتأزم ولم يجد من سبيل ينتهجُه إلا الحُلم الذي تتمثل فيه القوة والانتصار ليعوض ما افتقده من قوة تمكنه من تحقيق ما يصبو إليه. وليس الموقف الشعوري هو أزمة جنسية عميقة كما يتصور بعض الكتاب([4]).
ويتعلق بالماضي الذي يرى فيه القوة والصلابة، أو يسرح مع الحُلم فيتحقق له بالخيال ما لا يقدر عليه في حاضره المشهود، وذلك مايفسره علم النفس،ويسميه بـظاهرة (التعويض) ([5]).
وبناء على ذلك فالشاعر بنى قصيدته على شكل لوحات أو مقاطع أو وحدات (ثمان) متقابلة أ أو متضادة، فإذا كان يعاني من حالة نفسية متأزمة ومنهارة , وضعيفا أمام المرأة، وعانى من هول الليل وثقله فقد مثلت تلك الحالات لوحات (الطلل، و فاطمة، و الليل) وما فيها من نظائر دلالية من (الضعف والانكسار).
ولأنه يعاني صراعا ً بين الضعف والقهر في الواقع المشهود , وبين قوة و نصر مرجو وهو حلم مفقود , فقد مثلت لوحات (اللهو والمجون، بيضة الخِدر، الخيل، السيل ) تلك الحالات وما فيها من نظائر دلالية (القوة والانتصار).
فالتجربة تبدو ذات طبيعة درامية تتقابل فيها الأضداد متصارعة بين قبول ورفض، بين واقع مشهود وحلم مفقود في ذلك تشكل القصيدة، وهي تتكون من ثماني لوحات:
1
لوحة الطلل
من ب1 ـ ب9
2
لوحة اللهو والمجون
من ب10 ـ 18
3
لوحة المرأة (فاطمة)
من 19 ـ 22
4
لوحة بيضة الخِدر
من 23 ـ 43
5
لوحة الليل
من 44 ـ 48
6
لوحة الذئب
من 49 ـ 52
7
لوحة الخيل (الفرس)
من 53 ـ 70
8
لوحة السيل
من 71 ـ 83
تتشابك بعض هذه اللوحات ببعضها بعلاقات انفصال واتصال،تراسل وتضاد على النحو الآتي ([6]):
تتراسل لوحة (الطلل) مع لوحة (المرأة) مع لوحة (الليل) في مستوى دلالي واحد.
فلوحة (الطلل) تتشكل من النظائر الدلالية الآتية:
البكاء (نبك، ناقف حنظل، عَبْرة مهراقة)، ورجاء الآخرين،(قفا، وقوفاً لا تهلك أسى..) وهي نظائر تسهم في تأليف لوحة متناظرة هي(الضعف).
وهنا تظهر الذات على علاقة انفصام مع الطلل؛ لأنه مصدر شقاء وتعاسة البقاء فيه مستحيل ما دام الأحبة قد رحلوا عنه.
ولوحة (المرأة) فيها نظائر دلالية هي:الخنوع (مهلاً، أجملي، والاستسلام، سلي ثيابي من ثيابك تنسل، حبك قاتلي، ما ذرفت عيناك)، والعجز من مباشرة الفعل، والاعتماد عليها (أجملي ، سُلَّي)، وعدم القدرة على التحدي (مهما تأمري القلب يفعل)، وهذه النظائر تشكل لوحة سمتها (الضعف)، وهنا تظهر علاقة انفصام بين الذات الشاعرة والمرأة لأنها آمرة قوية متجبرة، أما الذات الشاعرة فهي شخصية ضعيفة تترجى المودة وتستجدي الحنان.
وتتشكل لوحة (الليل) من نظائر دلالية أخرى هي: الشكوى من الليل (وليل كموج البحر، كأن نجومه شدّت بيذبُل)، وتمني زواله (ألا انجل بصبح)، والحسرة (وما الإصباح منك بأمثل) وهي نظائر تألف لوحة متناظرة هي (الضعف).
وتتراءى علاقة انفصام ثالثة بين الذات المتكلمة والليل، فالليل يبدو عملاقاً لا سلوى فيه ولا سكن.
وهذه اللوحات الثلاث تتلاحم فيما بينها في مستوى دلالي واحد هو (الضعف) وتنتظم في زمن واحد هو الحاضر المقول فيه القصيدة
وهذه اللوحات تضادّها لوحات أُخر هي: لوحة (اللهو والمجون)، فنجد الكرم، (عقرت مطيتي)، والتسلّط (سيري، أرخي، لا تبعديني)، والزهو بالمغامرات الجنسية (مثلك حبلى طرقت، ألهيتها، تحتي شق لم يحول)، وهذه نظائر دلالية تكون لوحة هي (القوة) وهنا تبدو الذات الشاعرة (المتكلمة) متحدة مع معاني اللهو والمجون.
وفي لوحة (بيضة الخدر) نجد: الثقة بالنفس (لا يرام خباؤها، تمتعت بها، تجاوزت أحراساً)، والظفر ونيل المطالب (تمايلت عليّ)، والجرأة والإقدام (جئت وقد نضتْ، خرجتُ بها، أجزنا ساحة الحي) وهي نظائر دلالية تشكل لوحة متناظرة هي (القوة).
ومن الجدير بالذكر أن حديثه عن مغامراته الجنسية تبدو ليست حقيقية، إنّما هو نوع من أحلام اليقظة لجأ إليها الشاعر عندما تضخم إحساسه بالعجز ولم يجد عالماً آخر يحقق منه ما عزّ عليه تحقيقه في الواقع وعلاقاته بـ (عنيزة، حبلى، بيضة الخدر) إنما هي علاقات على مستوى الخطاب العري، وليس على الواقع لأمور منها:
1ـ أنه يزعم أنه ظفر بالحبلى، والمرضع، والممنّعة في خدرها،فلو فعل ذلك كله فهل يحتاج إلى أن يمتدح بما فعل ؟
ويزهو به بغية الوصول إلى واحدة تأبّتْ عليه وعجز عن نيلها ؟ ولم َيتذلل أمام واحدة وهو المتسلط على النساء والمتصرف في أقدارهن ؟
2ـ أن بعض الأخبار تشير إلى أنه كان مُفركاً تبغضه النساء ([7]).
3ـ أحاديثه عن المغامرات وإنْ منحته شيئاً من التماسك والقوة لا تمكنه من الاندماج في إطار الجماعة، بل الجماعة على نقيض من ذلك تستهجن ذلك السلوك وتزدريه.
وفي ضوء ذلك يمكن القول:إنّ حديثه عن مغامرته إنما هي تعويض لما يعانيه من ضعف وتخاذل.
ولوحة (الذئب) تشير إلى أن الشاعر أقوى منه (وواد، قفر قطعته) إلا أنه اعترف أنهما سواسية فكلاهما إذا ما نال شيئاً أفاته (أنفده) والعلاقة بين الذات المتكلمة والذئب علاقة اتحاد وألفة.
ولوحة (الخيل) تبدو: ضخمة (هيكل، جلمود صخر، عظيم الجنبين، و شديد، يزل اللبد عن حال متنه، يلوي بأثواب العنيف، المثقّل)، والسرعة والنشاط (مكرّ مفرّ مُدبر معاً، اهتزامه كفلي المرجل، كخذروف الوليد) وتشكل لوحة متناظرة هي(القوة)
وأما (السيل والمطر) فيتّسم بالغزارة (برق ذو لمعان، سحاب متراكب، حبي، سح الماء، وشدة الاندفاع، يكبّ على الأذقان، دوح الكنَهْبُل، وأنزل منه العُصم من جبل القنان، لم يترك بتيماء جذع نخلة) وهي تسهم في تكوين لوحة متناظرة هي (القوة).
وإذا كانت لوحات (الطلل، والمرأة، والليل) تتلاحم في مستوى دلالي واحد هو (الضعف والانكسار) فإن اللوحات الأخرى (اللهو والمجون، بيضة الخدر، والخيل، والذئب، والسيل) تمثل مستوى دلاليا مضاداً وهو القوة والانتصار الذي ينشده، غير أن يلحظ أن الغاية من لوحتي (اللهو، وبيضة الخدر) هي التمرد على المجتمع وأعرافه فهي تتسم بـ (علاقة انفصال) أما في لوحات (الخيل، الذئب، السيل) فالغاية منها التقرب من العالم المحيط به والتواصل معه وتمثل قيمه، وهو ما لم يتمكن الشاعر من تحقيقه فاستحالت (البطولة) ـ الممثلة في الخيل ـ إلى صيد وقنص وأمور عابرة (عنّ لي سرب، ألحقنا بالهاديات، عادي عداءً بين ثور ونعجة)، واستحال (العطاء) المتمثل في (السيل) إلى تدمير وهلاك.
الحقول الدلالية:
1- حقل المرأة:
تعد المرأة الموضوع المهم عند امريء القيس فقد اتسع على مدى لوحتين من مجموع ثماني لوحات , وجاء ذكرها في (اثني عشر) موضعا ً بقوله:
ففي لوحة الطلل (حبيب = المحبوبة)،و أم الحويرث , وأم الرباب)، وفي لوحة اللهو (العذارى , وللعذارى , وعنيزة , وحبلى , وذي تمائم) وفي لوحة المرأة (أفاطم) وفي لوحة بيضة الخدر (بيضة الخدر) فضلا ً عن الأوصاف التي نعتها بها نحو:مهفهفة , بيضاء , غير مفاضة... وفي لوحة الخيل ذكرها مرة واحدة (عذارى دوار).
والمتأمل في هذا الحقل وما يليه من حقول يجد أن معظم اللوحات أنها تمثل اتجاهين متقابلين: هما اتجاه (الضعف والانكسار)، و(اتجاه القوة والانتصار).
ففي هذا الحقل تمثل المرأة (أم الحويرث , وأم الرباب , والمحبوبة...) الذكرى الحزينة , والألم والحسرة، وهذا ما يناسب الضعف والانكسار وهذه الألفاظ وقعت في لوحة(الطلل) التي خيّم عليه الضعف، والذكرى المؤلمة وكذلك (أفاطم) تمثل الاستخذاء والضعف في لوحة المرأة (فاطمة) التي اتسمت بالضعف فالألفاظ في هذا الحق تتراسل مع الحقل الآخر.
وهكذا في قوله (العذارى) وعنيزة , وحبلى...) فإنها تمثل قوة وانتصارا ً يتخيلها امرؤ القيس ليتغلب على انكساره , وهي تتراسل مع قوله (بيضة خدر , وعذارى دوار) فهي تمثل قوته وشجاعته في اقتحام الخدور، والمباهاة، وعدم المبالاة، وكثرة النساء اللواتي عاشرهن تدل على قوته وزهوه أيضا ً.
2- حقل أعضاء الإنسان:
ورد ذكرها في (ستة عشر) موضعا ً فذكر في الطلل (العين الدامعة , والنحر) وفي المرأة: (قلب مقتل , وعيناك) وهي جاءت تمثل حزنا ً وأسى ً. وأما في لوحة اللهو فذكر (فودي رأسها , والكشح (مرتين) , وريا المخلخل , وترائبها , وحيد (مرتين) أسيل (الخد) وغدائره , وساق , ورخص) وهي كلها تمثل الصفات التي نعت لها معشوقته وافتخر بها وازدهى.
وعليه فالمجموعة الأولى تمثل الضعف لأنها أسى وحزن، وأما المجموعة الثانية فهي تمثل القوة والفخر كما هو واضح، وكل مجموعة إذن تقابل المجموعة الأخرى في ترسّم الاتجاهين (الانكسار), و(الانتصار).
3- حقل الأماكن:
يلحظ أن الشاعر أكثر من ذكر الأماكن من أول القصيدة حتى نهايتها فقد وردت في (ست وعشرين) موضعا ً (أو مكان) فجاء في الطلل (منزل , والدخول ,وحومل , وتوضح , والمقراة , ومأسل) وكلها ارتبطت بالحزن والبكاء، وفي لوحة اللهو (الخدر، وخدر عنيزة، ودارة جلجل) وهي ارتبطت بلهوه وعبثه , ومثلها في لوحة بيضة الخدر (مساحة الحي , وبطن خبت , ووجرة , ومنارة راهب) وهي تتعلق بقوته وشجاعته.
ودلالة الأماكن هذه تتراسل مع الأماكن في الخيل (بالكديد) والذئب (واد قفر)، والسيل (ضارج , والعُذيب , وقطن , ويذبُل , وكُتيفة , والقنان , وتيماء , وثبير , وعرانين , والمجيمر , وصحراء الغبيط...) للدلالة على قوته (أي السيل) في اندفاعه في هذه الأماكن , أو شدة تدميره لها.
فإذا كانت الأماكن في لوحة الطلل تمثل اتجاه الحزن والضعف فإنها في اللوحات الأُخر تقابلها وتمثل اتجاه القوة والظفر واللهو.
وكثرة الأماكن تدل أيضا ً على تشبثه بالأرض وتعلقه من جهة , ومن جهة أخرى فإنها تدل على قوته وشجاعته لأنه مرّ أو رأى هذه الأماكن الشاسعة المتنوعة.
4- حقل الماء والدمع والبرق:
وردت (خمسة) مواضع يذكر الشاعر فيها البرق في لوحة السيل بقوله (برق , وميض , وكلمع اليدين , وسناه , ومصابيح ) وهذه كلها تتحدث عن البرق الذي سبق المطر للدلالة على قوة المطر وانهماره.
وأما الماء فقد ورد في (ثلاث) مواضع فقط (صوب , والماء , والوبل) وهي تصف المطر المنهمر , وكل هذه الألفاظ تمثل قوة وانتصارا ً.
أما حقل الدمع فقد وردت (خمسة) ألفاظ تدلّ عليه كقوله في الطلل (عبرة , محول , دموع ,) وفي المرأة (بكت , وذرفت عيناك) وكلها تمثل البكاء والحزن في مستوى واحد: الضعف والانكسار.
5- حقل الليل والنهار:
من المعلوم , أن ذكر الليل والنهار يرد كثير عند الشعراء وهو يذكر إما لتذكر أمور معينة وقعت في تلك الأزمان , أو للشكوى منه , وهذا ما ورد أيضا ً عند امريء القيس فقد ورد ذكرهما في (سبعة عشر) موضعا ً.
فإذا كان الليل ورد كثيرا ً فإن الصبح ورد في موضعين (الإصباح ,وبصبح) وهما جاء في معرض الحسرة والألم ويتراسلان مع ذكر الليل في لوحة الليل (الليل , من ليل , وليل) ومع الطلل في(غداة البين , ويوم تحملوا) فهي تمثل أزمانا ً حزينة وثقيلة شكا منها الشاعر وتأوه.
أما الليل في لوحة الخيل (والطير في وكناتها (كناية عن الظلمة وعدم بزوغ الفجر) وفي لوحة اللهو (يوم عقرت , ويوم دخلت , ويوما ً على ظهر) فهي جاءت تمثل قوته , أو لهوه وعبثه بمعنى أنها تمثل (القوة).
فالمجموع الأولى تقابل المجموعة الثانية وكل مجموعة تمثل اتجاها متقابلا ً
6- حقل الحيوان:
ورد ذكر الحيوان بأنواعه في أكثر من (عشرين) موضعا ً وهو تمثل اتجاهين متحدين: هما القوة , أو الجمال؛ لأنها جاءت في معرض التشبيه (فهي مشبه به غالبا ً للدلالة على جمال محبوبته، أو قوة فرسه أو السيل ففي قوله (العَير , والذئب , والطير , والهاديات , ونعاج , وثور , ونعجة , ومكاكي , والسباع، وفرس منجرد له: (أيطلا ظبي , وساقا نعامة , وإرخاء سرحان , وتقريب تتفل) فكلها جاءت في معرض ذكر الخيل أو السيل وكلاهما يمثل قوته وانتصاره.
أما قوله (مطفل , أساريع ظبي) , فهي تمثل الجمال لأنه وصف بها محبوبته.
7- حقل النبات:
لم تخل المعلقة في ذكر النباتات فهي التي تعايشه في حلة وترحاله , فقد وردت في (أربعة عشر) موضعا ً ففي الطلل (حب فلفل , وسمرات الحي , وحتظل , والقرنفل) وهذه نباتات حادة وحارة فاستعملها الشاعر في التعبير عن حالته النفسية الحزينة.
أما النباتات الأخرى فاستعملت في وصف المحبوبة أو السيل نحو: (كقنو النخلة , والجديل , ومساويك اسحل , ودوح الكنهبل , ونخلة , ورحيق مفلفل , وأنابيش عنصل), لذا تمثل جمالا ً أو قوة، تقع في مجال دلالي، وهو القوة والانتصار.
8- حقل اللباس والأدوات:
أما اللباس فقد ورد في (عشرة) مواضع أغلبها تدل على جمال المحبوبة ورفاهيتها مثل (لبسة المتفضل , ومرط مرحل , والوشاح ,ودرع , ومجول) ومنها في قوة الخيل (ملاء مزمل) والسيل (بجاد مزمل)
أما قوله (ثيابي , وثيابك) فهما كناية عن قلبه، وقلبها، وجاءت في معرِض الاستعطاف والضعف.
9- حقل الأصنام والكواكب:
لم يرد ذكر الكواكب إلا مرتين هما (الثريا , ونجومه) وتدل الأولى على توقيت معين حينما ذهب إلى محبوبته , أما الثانية فجاءت في معرض وصف الليل الطويل فكل واحدة تمثلا ً اتجاها بين القوة , والضعف.
أمّا الأصنام فلم يرد ذكرها إلا مرة واحدة في (عذارى دوار) وتفسير ذلك الشاعر أرادت أن يتحلل من ذكره الآلهة وما يترتب عليه من تحريم فقد أباح لنفسه انتهاك الخدور , ومعاشرة النساء بلا قيد أو شرط , واللامباة التي اتصف بها , وافتخاره بما صنع كل ذلك لا يناسب أن يذكر الآلهة وقوانينها.
وأمّا ذكر (دوار) وهو صنم في الجاهلية فقد جاء في معرض افتخاره بالصيد وذكر الخيل فوصف القطيع يلوذ بعضه ببعض ويدور كما تدور العذارى حول (دوار) وهو نسك كانوا في الجاهلية يدورون حوله.([1])
10- حقل الألوان:
وردت ثلاثة ألوان في المعلقة هي:
أ‌- اللون الأسود: وإذا كان اللون الأسود يدل على الأسى والحزن فقد جاء بالدلالة نفسها أو ما يقاربها في (سبعة) مواضع ففي لوحتي الطلل والليل جاء (ليل , الليل , من ليل , حب فلفل), فهي تدل على الظلمة أو السوداوية التي يعيشها الشاعر على الرغم من أن (أسود فاحم , الطير في وكناتها (و تعني: الظلمة) جاءت في معرض المدح.
ب‌- الأبيض: يدل على الصفاء , والنقاء , والقوة , وبهذه المعاني جاء اللون الأبيض وأخذ مساحة واسعة , في (ست وعشرين موضعا ً) وهذا العدد يساوي العدد الذي ورد فيه ذكر الأماكن وكل الألفاظ الدالة عليه المباشرة مثل (بيضة الخدر , بيضاء البياض , تضيء , يضيء) أو غير المباشرة نحو (السجنجل , سناه , مصابيح غير الماء يصبح , كأن نجومه , البرق , وميض , كلمع اليدين , صبى السحاب) العصم (الأذرع , البيضاء) , منارة راهب , الدمقس (الحرير الأبيض , بجاد) فكلها جاء إما في وصف المحبوبة التي تدل على الجمال والوضاءة، إما في وصف الخيل , والسيل وهي تدل على قوتها وسرعة اندفاعها وهذا يعني أن اللون الأبيض وظف لخدمة المحور الثاني، وهو محور القوة والانتصار خلافا ً للون الأسود فقد جاء في المحور الأول: الضعف الانكسار.
جـ- الأحمر: وجاء في موضعين هما (دماء الهاديات , عصارة حناء) في معرض مدح فرسه أي في معرض القوة , ومع هذا لم يكن أحمر خالصا ً، وكأنه أراد أن يخفف على نفسه أولا ً. ثم على السامع , علما ً أن اللون الأحمر الخالص يناسب المقام لأنه يتحدث عن معركة الصيد.
الثالث: المستوى الصوتي([2]):
يرتبط الإيقاع بحياة الإنسانية وحاجاتها , فيظهر في الطبيعة بأشكال متعددة , فسقوط قطرات المطر , يترك إيقاعا ً معينا ً وأصوات الطيور تشير إلى إيقاع خاص أيضا ً , فالصوت والحركة إذا ما تناسبا زمنيا ً فهما يحققان الإيقاع.
والإيقاع عند العربي مرتبط بالموسيقى فهو " من إيقاع اللحن , والغناء وهو أن يوقع الألحان ويبينها " ([3])أو هو الحركة منتظمة والتئام أجزاء الحركة في مجموعة متساوية ومتشابهة في تكوينها شرط لهذا النظام... " ([4]) وهو " التلوين الصوتي الصادر عن الألفاظ المستعملة " ([5]) فإن كان التعريف الأخير يقصر الإيقاع على الموسيقى الداخلية فإن بعض التعاريف تجعله أشمل فهو " وحدة ولنغمة التي تتكرر على محور ما في الكلام أو في البيت أي توالي الحركات والسكنات على نحو منتظم في فقرتين أو أكثر من فقر الكلام أو في أبيات القصيدة... أما الوزن فهو مجموع التفعيلات التي يتألف منها البيت " ([6])
والحقيقة أن القصيدة بنية موسيقية متكاملة، موسيقى داخلية كانت أم خارجية , اتصل أحدهما بالوزن وتفعيلاته أم اتصل بدلالة اللفظ , ولا يجوز أن يقتصر على أحدهما دون الآخر. ولا يهمل الإيقاع الكمي (أي توزع التفعيلات ووظائفها)
وعليه فدرس (الوزن) بوصفة (إيقاعا ً كميا ً) ذو صلة قوية بالموقف الشعري , وبالمعنى الذي يقصده , فإذا كانت تفعيلات بحر البسيط (مثلا ً):
مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن ...... ....... ...... ......
فإن الشاعر لا يلتزم بها كما هي , إنما يحدث تغيرات تتولد منها بُنى صغيرة تولد سلاسل عروضية متعددة بحسب انفعال الشاعر وتهيجه بمعنى أن الحالة الوجدانية للشاعر تتراسل وطبيعة البُنى العروضية أو السلاسل.
وكل بناء على ذلك فإن على الناقد أن يهتم بهذه التفعيلات وخضوعها لتغيرات تختلف من نص لآخر تتولد عنها بنى صغيرة تؤلف العلاقات فيها بنية إيقاعية.

سبْكُ النصِّ وحَبْكُهُ:
إذا كان بعض الدارسين ينظرون إلى النص الشعري القديم (كالمعلقات وغيرها) إلى أنه لا رابط بين أجزائه , وليس فيه وحدة فنية فإنّ معلقة امرئ القيس تثبت خلاف ذلك.
فالشاعر بنى قصيدته على شكل لوحات أو مقاطع أو وحدات (ثمان) فبدأ بما يعانيه من حالة نفسية متأزمة ومنهارة طالبا المعونة من الآخرين ليشاركوه في آلامه , ويخرجوه مما هو فيه , ومثلت تلك الحالة لوحة (الطلل) وما فيها من نظائر دلالية من (الضعف والانكسار).
ولأنه يعاني صراعا ً بين الضعف في الواقع المشهود , وبين نصر مرجو وهو حلم مفقود , فقد أتبع اللوحة الأولى لوحة ثانية لوحة (اللهو والمجون) وما فيها من نظائر دلالية (القوة) , وقابلها ضديا ً ليخرج من حزنه وألمه، وينتصر على نفسه , ثم على أعدائه (ممن احتلوا مملكته وقتلوا أباه)، غير أن الشاعر لم يتماسك تماما ً، فعاد يسترجع الذكريات المؤلمة فتدفقت لوحة (المرأة = فاطمة) وما فيها من نظائر دلالية تتسم بـ(الضعف والانكسار) ويعود فيقابلها بلوحة أخرى هي لوحة (بيضة الخدر) وما فيها من نظائر تتسم بـ (القوة ) ؛ ولأن الذكريات لا تنفك تراوده , فأمسى يخاطب الليل وما فيه من ألم وهمّ وما فيه من نظائر تتصف بـ(الضعف والانكسار) ويحاول أن يستعيد نشاطه وهمته من جديد فيقابلها بلوحتي (الخيل) و (الليل) وتتراسل لوحات (الطلل) و (المرأة) و(الليل) لتكون نسيجا ً يتصف بـ (الضعف) , وتقابل لوحات (اللهو) , (بيضة الخدر) و (الخيل) و (السيل) لتكون نسيجا ً يتسم بـ (القوة).
وعليه فإن أي تغيير في ترتيب لوحات النص يبدو مستحيلا ً؛ لأن طبيعة البناء توجب تراكب هذه اللوحات , وتقابلها.
أما لوحات (السيل والخيل) فيمكن تقديم إحداهما على الأخرى لأن كلتيهما ذات دلالة واحدة , وتوشيان خاتمة النص بنوع في الانفتاح , فالشاعر لم يختم قصيدته كما هو معهود عند كثير من القصائد , وتفسير ذلك أن الموقف الذي أنبعث منه القصيدة لا يزال نابضا ً متدفقا ً لا نهاية له عند الشاعر.
ومن هنا غدا انفتاح النص سمة لبنائه ومتراسلا ً مع تشكله الشعوري. وهذا ما أشار إليه ابن رشيق القيرواني بقوله: ((ومن العرب من يختم القصيدة فيقطعها، والنفس متعلقة،وفيها راغبة مشتهية , ويبقى الكلام مبتورا ً كأنه لم يتعمد جعله خاتمة , كل ذلك رغبه في أخذ العفو , وإسقاط الكلفة، ألا ترى معلقة امرئ القيس كيف ختمها بقوله يصف السيل عن شدة المطر:
كانَّ الْسِّباعَ فِيهِ غَرْقَىعَشِيَّةً بِأَرْجَائِهِ الْقُصْوَى أَنَابِيشُ عُنْصُلِ
فلم يجعل لها قاعدة كما فعل غيره من أصحاب المعلقات وهي أفضلها))[8]
ويمكن تمثيل ذلك بمخطط يزيده إيضاحا ً:







 
رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 11:07 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط