منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

 

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
غير مقروء 31-03-2006, 03:52 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
د.أيمن الجندي
أقلامي
 
إحصائية العضو






د.أيمن الجندي غير متصل


افتراضي صباح البيض بالبسطرمة

عبيطة البنت ابتسام ، طيبة القلب بشكل يجعلها تدخل قلبك مباشرة، وبالذات قلب الأستاذ جمعة الكهل الوقور الذي يعمل معها في نفس المصلحة الحكومية، ابنته هي التي لم ينجبها، وأحيانا يشعر أنها أمه أيضا ، الحق أنها تتمتع بأمومة فطرية وحنان حقيقي غير مدفوع الثمن ، حنان يذكره بتلك الأيام الخوالي حينما كان طفلا نفيسا مدللا ، على الأقل في عين والدته ..
لكن هذا الزمن قد ولى وولت معه أيامه كلها ، ساعات يخيل للأستاذ جمعة أن وفاة أبيه المبكرة هي سبب الأقدار المعاكسة، ولكنه في قرارة نفسه يعرف أن أباه حيا كان أعجز منه ميتا ، خصوصا أمام عربة الأقدار بعجلاتها الثقيلة الزاحفة التي تسحق كل من لم تسعده حظوظه بركوب العربة المزخرفة التي لا تتسع إلا للصفوة وأصحاب السطوة والنفوذ. أما البسطاء والفقراء وكل أبناء الطريق فمصيرهم المحتوم التحول إلى إسفلت بشري يمهدون به طريق العربة الظافرة.
..........................
أستاذ جمعة مشهود له بالثقافة والذكاء وكلها بضاعة راكدة في تلك المصلحة الحكومية الكئيبة التي يعمل بها ، ليست بضاعة راكدة فحسب وإنما معاكسة أيضا ولا تجلب له سوى الحقد أو التندر والاستخفاف من زملائه الذين لا يفهمون كلامه بقدر ما لا يفهمون صمته ،اهتماماتهم تنحصر في لقمة العيش اليابسة ومحاولة غمسها في الحساء المر بأي طريقة ، والكثير من المؤامرات التافهة على بعضهم البعض يجلبون بها منافع بائسة مثلهم.
حقا لم يظفر أبدا بصديق منهم رغم رحلة العمر الخمسيني ، خطاهم ليست كخطاه ورؤاهم ليست كرؤاه وقامتهم ليست كقامته ، وأحلامهم أبدا لم تكن كأحلامه ، أحلامه تنحصر في يوم قادم مشهود ( يؤمن هو أنه آت بلا ريب حتى وإن لم يشهده ) في ذلك اليوم ستتسع فيه العربة المزخرفة للكل فلا تجد من يجذبك من كم قميصك أو يدفعك بكتفه ليشغل مكانك تاركا إياك تجتر الحقد والخيبة ، أو على الأقل ( إذا لم يكن هناك بد من التخلف عن العربة لسبب أو لآخر ) لا تدوسك عجلات العربة ولكن تمضي بمن تحمله بعيدا عنك في سلام...
وبديهي بعد هذا كله أن تصبح لحظات عمله هي أتعس لحظات يومه لكنه كان مجبرا عليها بسطوة الجوع الذي لم يعرف كيف يروضه كسائر غرائزه .
.................
هذا الصباح كان استثنائيا بسبب عودة ابتسام من عطلة الزفاف السريعة. الكل كان فرحان لها حينما عثرت على عريس – بمعجزة – خصوصا الأستاذ جمعة الذي يعتبرها بمثابة الابنة وإن كان لا يحسن التعبير عن مشاعره التي كانت تفهمها هي بمجرد النظر في عينيه التعيستين ، على كل حال تحرك في قلبه شئ غامض حينما عرف الخبر ، هو الذي ظن لفترة طويلة أنه فقد التفاعل مع الحياة واقترب من العدم المريح.
لا يدري أحد بأية معجزة تزوجت تلك الفتاة العبيطة ولكن المعجزة حدثت وهذا هو المهم . طويلة هي كعمود النور ، أطول من أي بنت أخرى رأيتها في حياتك ....ولطالما كان طولها المفرط مع نحولها الواضح مدار القفشات والنوادر بين الزملاء ، لكنها لم تكن تغضب من مزاجهم ( وعلى كل حال لا يتذكر أحد أنه رآها غاضبة ) ..فقط يحمر أنفها وتشاركهم الضحك والصخب.
وبمعجزة ما راقت لأحدهم بوجهها الأبيض الشاحب ، صحيح أن الكل لاحظ – في خبث – أنه لا يكاد يصل لمستوى كتفيها ولكنه كان يبدو من الصورة مسيطرا وواثقا من نفسه ، بينما انحنت البنت العبيطة في محاولة يائسة لتبدو أقصر.
عادت ابتسام من إجازة الزفاف القصيرة أكثر شحوبا ونحافة وطولا ( لو كان هذا ممكنا ) ..عادت ومعها الكثير جدا من الصور الملونة التي تخاطفتها الموظفات البدينات في شبه توحش ، وبدأت جلبة تحولت إلى ضجة ومن ثم فرقعة فانفجار من دوي الأصوات المتداخلة، ثم فرقعت زغرودة مفاجئة شقت الهواء إلى أذن الأستاذ جمعة الذي تعكر مزاجه بشده بسبب كل هذا المرح السائد.
تطلع حوله في دهشة ، سعداء هم على الرغم من ملابسهم الرخيصة وأحذيتهم القديمة والديدان التي تعمر بطونهم والجوع البادي عليهم ..
سعداء ..كيف؟ ..سعداء ..لماذا ؟
واقتربت منه مدام سعدية وهي موظفة مرعبة الوجه حتى يتساءل عن سلامة أعصاب زوجها الذي يشاركها الفراش كل ليلة ويستيقظ على نفس الوجه، وبالطبع مقياس وزنها بالأطنان، لا حاجة لنا أن نقول هذا ، وهي مستفزة الأعصاب باستمرار وتصرخ دون مناسبة ، ونظر إليها في توجس وحذر كعادته حين تقترب ..
قالت في انفعال وقد اقترب وجهها من وجهه بدرجة أزعجته : انظر إلى جمال غرفة النوم هذه يا أستاذ جمعة.؟
ورفعت وجهها كوحش يزأر وهي تقول بصوت ممطوط – في منتهى الجمال..
لاذ بالصمت الحكيم وقالت ابتسام في مباهاة ساذجة:
ـ هي أغلى غرفة في ورشة الأسطى سيد .
قال زميل له كرش عملاق في حنكة :
ـ لعل الوغد ابتاعها من دمياط وباعها لكم بربح فاحش.
أحمر أنف ابتسام كالعادة وقالت وقد أشرق وجهها للذكرى:
ـ لقد رفض بسيوني (زوجها نكد الحظ) أن يبتاع الغرفة عندما أخبره الأسطى سيد بثمنها ..آه لو رأيتم ما حدث..أخذ يسب ويلعن ويبصق على الأرض حتى أجبرته أمي على شرائها .
كان الجو بهيجا ولا ريب ..إلا أنه برغم حبه وحنانه على الفتاة الطيبة ظل على كآبته ودهشته من تلك العواطف الجامحة التي لا تناسب الصباح، إنه لا يدري علام البهجة؟ .
الأمر ببساطة أن فتاة حمقاء ظفرت- بمعجزة- بشاب أشد حمقا ولكن ما مصير ذلك كله؟ لهاث وراء لقمة العيش، لقمة العيش اليابسة ، والبحث عن بعض الحساء المر، ثم إنجاب المزيد من الأطفال البائسين اللاهثين أيضا وراء العربة المحظوظة أو المنبطحين أمامها ..
تعساء لا يدرون أنهم كذلك فأمسوا تعساء مرتين ،عبيد لم يتمردوا على ذل الرق ، يجلدهم السادة كل صباح ، لكنهم يتسامرون في المساء بعد أن زاد سمك جلودهم فحجب عنهم الألم الذي يحرض على شرف المحاولة، سعداء هم حقا بهذه اللحظات المنتقاة ولكن...
سعداء ..كيف ؟ ..سعداء ..لماذا؟
................................
قال في ثورة مفاجئة وقد فقد قدرته على التحكم :
ـ ما هذا الجنون؟ ما سر سعادتكم ؟ ،تأملوا تلك الجدران المتسخة المتشققة وذلك السقف الذي سيهبط يوما على أعناقكم،انظروا حولكم لمكاتبكم القذرة المتلاصقة ، واستنشقوا الهواء الراكد الفاسد.. وانعموا برائحة دورات المياه ..
نظرة واحدة من فضلكم إلى أحذيتكم ، حاولوا أن تتذكروا معي متى اشتريتموها ؟..صعب جدا ..صح؟ ..تذكروا كم كانت رخيصة فاسدة الذوق وهي جديدة ..وتذكروا أن هناك من يدفع راتبكم لشهر ثمنا لحذاء واحد ..
سعداء .. لماذا؟ ..سعداء ..كيف؟
ساد صمت مفاجئ .. لم يفهم أحد سر الزوبعة المفاجئة لذلك الرجل الوقور الصموت الذي لا يتكلم أبدا، ابتسام وحدها سارت صوب الرجل في حذر وهي لم تزل تحمل الصور الفوتوغرافية التي تم التقاطها لها في حفل الزفاف ، واحمر أنفها وهي تقول له في لطف :
- ما الذي ضايقك يا أستاذ جمعة؟
انتزع الصور الفوتوغرافية من يديها في عنف آلمها لكنها لم تنبس بحرف كانت خائفة وللغضب رهبة ، أليس كذلك؟
- هذا ما أغضبني ،هذه الصورة البلهاء ، تقفين بجوار غرفة النوم الرخيصة التافهة وكأنك ظفرت بتاج بلقيس.
يا عالم افهموا مرة ، يا عالم أغضبوا مرة ، ولو على سبيل التغيير.
أمسك بصوره أخرى، وتهدج صوته من فرط الغضب ، إن العربة قادمة، وحده يراها ، لكن الحمقى ينظرون للصور الملونة المخادعة..
- وهذه أيضا ( لوح بالصورة الأخرى في شبه لوثة ) يا للسخافة ، يا للجنون، إنها تقف بجوار دورة المياه وهي تضحك في زهو ، صحيح إنها لحظة تاريخية ، أين الأمم المتحدة؟ أين هيئه الأمم؟
سعداء ، كيف؟ سعداء ، لماذا ؟
تضرج وجه ابتسام كله هذه المرة لا أنفها فقط ولكنها لم تعد خائفة، انسحبت مشاعر الرهبة لتفسح مكانا لشعور فياضا بالشفقة ، والحنان، تدفقت مشاعر الأمومة صوب الرجل الذي يوشك أن يغدو في عمر أبيها، لقد فهمت سر اعتلال مزاجه .
طول عمرها ذكية ، طول عمرها نبيهة ، وإن كانوا لا يعرفون ذلك، لقد فهمت فورا – دون الجميع – سر ثورته المفاجئة : إنه جائع..
قالت في حنان الأمهات : يا عيني يا أستاذ جمعة،إن لونك مخطوف ، أكيد أنت لم تفطر هذا الصباح، ويمكن كمان دخنت سيجاره على الريق.
مش كده يا أستاذ جمعة ؟
لا جدوى ، هكذا خاطب نفسه في استسلام، إنها لم تفهم أن ثورته المفاجئة كانت في حقيقة الأمر إشفاقا عليها وعلى الملايين من أمثالها من حياه الفاقة التي لا يستحقونها بالتأكيد، على أن أسوأ ما في الأمر أنهم لا يشعرون بذلك، إنهم في الحقيقة سعداء.
ودفن وجهه بين كفيه بينما تعالى صوت ابتسام تخاطب عم سيد الفراش وتناوله ورقة مالية مطوية:
- والنبي يا عم سيد تشتري ساندويتشين بيض بالبسطرمة للأستاذ جمعة ،إنه يا عيني على لحم بطنه منذ الصباح.
هز رأسه في يأس لقد أخطأ ولا ريب عندما أزاح الستار عن أفكاره ( ونادرا ما يفعل ) لم يجد من يفهمه ، تصورت الحمقاء أن غضبه المقدس سوف تخمده لقيمات البيض والبسطرمة ، وكأن هذا الساندويتش اللعين سوف يقف حاجزا أمام العربة القادمة يحصنه من الموت، أو ربما تخال – العبيطة – أنه يكفي أن يكون في يدك ساندويتش بيض بالبسطرمة لتموت سعيدا.
صدق من قال : مفيش فايدة..
...................
وما لبث عم سيد أن عاد حاملا لفافة ساخنة تفوح منها رائحة شهية، فاحت في المكان كله حتى انتصرت على رائحة الهواء الراكد وحركته وغيرته ، فاحت في المصلحة الحكومية كرائحة الحياة، لكنه كان قد اتخذ قرارا مسبقا : يستحيل أن يضع لقمة منه في فمه .
يا ناس، حرام عليكم ، أفهموني ولو مرة، مستحيل يعني مستحيل ، لن يلمسه أبدا مهما حدث ، يصعب عليه أن يحترم غضبا يسهل رشوته بطعام ، ما الفارق في هذه الحالة بينه وبين الآخرين ؟
صحيح أنه يحب ابتسام ابنته التي لم ينجبها وأمه التي لم تنجبه ، صحيح أنه لم يعتد أبدا أن يرفض لها طلبا ، صحيح هو جائع لا ينكر ، جائع جدا ، جوعا عمره أكثر من نصف قرن ولكن حرام يا ناس،حرام
سعداء ..لماذا ؟ ..سعداء ..كيف؟
صحيح انه لم يتذكر إلا الآن أنه لم يتعش بالأمس أيضا .وصحيح أن رائحة البيض والبسطرمة نفاذه حريفة، وشهية أيضا ، شهية أكثر من اللازم، وصحيح أن ابتسام مازالت تحلف عليه ويحمر أنفها وتزداد شحوبا ، وتتمدد طولا ، وتزداد حنانا ، صحيح أنها تكاد تدفع باللقمة في فمه وهو – كطفل عنيد – يزم شفتيه في إصرار..
يا ناس لا تعذبوني ..
أنا جائع يا ناس.........
...........................
هز رأسه في إباء لكنها لم تأبه برفضه ، أحست بفطرتها أنه تعيس وجائع ومرهق..
مرارا أبى أن يتناول الطعام، ومرارا أقسمت ابتسام أن تطعمه .حتى جاءت تلك اللحظة التي بدأ يستشعر فيها القلق أن تكف الفتاة عن المحاولة ويأكل طعامه أحد الأوغاد الذين تحلب ريقهم إليه.
وقتها فقط أمسك بالسندويتش بيد باردة مترددة وراح يلوك الطعام متظاهرا بالاستسلام ، لقيمات ساخنة تفوح منها رائحة نفاذة حريفة تصاعدت إلى خياشيمه.
رائحة جميلة حقا ، رائحة الحياة نفسها ، لوهلة نسى تلك العربة الزاحفة أو ربما أراد أن ينساها الآن وهو يأكل، وانتهى من طعامه الشهي شاعرا بالعرفان للشبع اللذيذ ولكوب شاي منتظر يحبس به مع سيجارة يشتهيها.
ثم لم يعد ينكر بينه وبين نفسه -– أنه على مقربة خطوات من إجابة سؤاله المحير:
سعداء ..لماذا ؟ ..سعداء ..كيف؟







 
رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رسالة حب ووفاء للغالية (( صباح حسني )) سامح صالح منتــدى الزجل والشــعر العــامي والنبـطي 5 25-04-2006 03:31 AM
نصائح منظمة الصحة العالمية لطهو واستهلاك البيض والدواجن أريج حنون منتدى العلوم الإنسانية والصحة 4 17-02-2006 12:20 AM
صباح أطاح بالعمر .... عشقا د . حقي إسماعيل منتـــدى الخـواطــر و النثـــــر 3 11-01-2006 12:51 AM
صباح عادي الشيب خالد منتدى القصة القصيرة 3 05-01-2006 02:35 AM
للأخت صباح سؤال فاطمـة أحمـد منتــدى الزجل والشــعر العــامي والنبـطي 5 20-09-2005 07:51 PM

الساعة الآن 05:08 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط