منذ أن تفردت الولايات المتحدة الأميركية في الموقف الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، واستطاعت تحييد منافسيها التقليديين وإبعادهم عن القضايا السياسية الدولية، ومنذ أن نجحت بمساعدة الدول الرأسمالية الأخرى في جعل الرأسمالية أساس العلاقات والأعراف الدولية، وهي تعمل بإصرار منقطع النظير لجعل الرأسمالية بمنزلة دين أمم وشعوب الأرض كلها، بحيث يعتنق الناس عقيدتها، ويجعلون أفكارها مفاهيم ومقاييس وقناعات لهم في سائر نواحي الحياة، ولا يكتفون بتطبيقها كأنظمة وقوانين .
وهي لم تكف منذ ذلك الحين عن وضع المخططات ورسم الأساليب لعولمة الرأسمالية بين أمم العالم وشعوب الأرض، ولم تكتف بوزنها الدولي ونفوذها العالمي، ولا بزعامتها للدول الرأسمالية، ولا بالشرعة الدولية وأدواتها المتمثلة بالأمم المتحدة وميثاقها، والتي تسخرها لتنفيذ خططها، ولا بوسائل الإعلام العالمية وثورة الاتصالات الحديثة المهيمنة هي وحلفاؤها عليها، لم تكتف بكل ذلك عن السير في إرضاخ أمم وشعوب الأرض لاعتناق فكرتها وحمل مفاهيمها وقيمها، بل جندت لذلك الحكام العملاء ومن حولهم من المرتزقة والمنافقين، ومن يؤازرهم من المضبوعين بحضارة الغرب الكافر، والمفتونين بطريقته في العيش، بل وحتى من يتظاهرون بالحرص على الإسلام، سواء أكانوا من مشايخ السلاطين، أو مَنْ يُقدَّمون للناس على أنهم مفكرون إسلاميون، الذين هم في الحقيقة علمانيون ينادون بفصل الدين عن الحياة .