الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

 

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-01-2006, 02:05 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
سمير الفيل
أقلامي
 
إحصائية العضو






سمير الفيل غير متصل


افتراضي مستكة ، وحبهان ، وقليلٌ من المـُـر .

مستكة ، وحبهان ، وقليلٌ من المـُـر .



بقلم : سمير الفيل



مصطفى المر تاجر اللبان فسد عقله ، وقد تقدمت به السنون فبلغ الستين دون أن تتلخلع في فمه سنة واحدة ، ولا يتوجع له ضرس . قالوا أن سبب ذلك وصفة بلدية جعلت قلبه شبابا ، وروحه أكثر فتوة من عشرات الشبان ، والدليل على ذلك أن شعره لم يغزه الشيب أبدا ، ورغم أنه رجل بصباص إلا أنه تقي يعرف ربنا ، وقد حج البيت سبع مرات ، بعدها بنى مسجدا ، ووضع أمامه سبيل ماء من قلل قناوي بغطيان فخار ، ووراء السبيل كـُـتب بالخط الكوفي " هذا من فضل ربي " .

كانت هذه سيرته الحسنة حتى تزوجت البنات ، ورزقهن الله بعرسان مستورين ، أما وحيده أحمد فقد كان شيوعيا حتى قبل دخول الأحزاب مصر ، وله في مقهى سوق السمك قعدة مخصوصة يسحب فيها أنفاس كرسي المعسل ، وإليه يأتي المخبرون فيحصلون على شهريتهم ، ويضربون له تعظيم سلام لأنه رجل حقاني يسدد ما توانت الحكومة عن تسديده ، بالإضافة لنكته القبيحة التي كانت لا تعترف سوى بالنصف الأسفل من الجسد الإنساني.

كان يقول عن أبيه العطار أنه نصاب ، وأن الحجات السبعة لا ضرورة لها فيكفي واحدة ، وبالمال الذي راح في السفر ، وشيل الهدايا من سبح وطواقي وماء زمزم المزهر يمكن أن يبني ملجأ أو يساعد البنات الفقيرات في تجهيز شوارهن.

وكان الأب ممرورا من هذا الإبن الجاحد الذي ترك العطارة ، وكره كل ما يمت لها بصلة من البخور الجاوي ، والحبة السوداء ، وذر العفريت ، والشبة ، والمستكة ، الحبهان ، وغيرها من أصناف لزوم الطعام المسبك ، ونظافة المعدة ، وروقان البال . كان أكثر ما يكرهه حجر جهنم الذي يدخل النساء نارا لايقدرن عليها .

وقد تصادف بعد اضطرابات سرت في المدينة أن ألقي القبض على أحمد في عز الفجر ، ولم يشحططوه كغيره من المقبوض عليهم ، بل عاملوه بالحسنى ، وسفروه لمباحث أمن الدولة بالقاهرة ، فاستجوبوه ، وسلطوا الكشافات في عينيه لساعات طويلة ، وبحثوا في أوراقه فلم يجدوا تقريرا واحدا يدينه ، ولا ورقة يتيمة تكشف انخراطه في تنظيم سري لقلب أي شيء بدءا من المنضدة وانتهاءا بنظام الحكم ، فهو عقله من دماغه ، لدرجة أن المحامي الذي تدخل للإفراج عنه ـ بوصية من أبيه ـ لم يجد صعوبة في التوصل لحقيقة أن القضية " فشنك " .

مصطفى المر لحست شواهي عقله ، وهو الشيخ المسن المتقي ربه ، والسبب يرجع إلى أن قلبه رهيف ، وهي حينما تأتي الحارة بفستان ستان أحمر تثير الفتنة في المكان ، ويسمع خلخالها يرن رنا على قطع البلاط البازلت المربعة من بقايا الصخورالمتحولة ، وقتها يقوم من جلسته ، ويحوش صبيانه عنها ، وغالبا ما يصرفهم للمخزن حتى يستكملوا ما نقص من بضائع ، ويستفرد بها ، وهي تحرك فص اللبان في فمها الدقيق كخاتم سليمان ، ويده تسرح في المنطقة الحرام المكشوفة بين النحر ومنابت النهدين ، فتقول بغنج خفيف : أختش ياحاج .

وهو يختشي فعلا ، ويكف عن حركاته الصبيانية ويمتنع عن مد اليد أو تطويل اللسان حتى تباغته بتقصيعة تقصم وسطه ، وتطلب منه تحبيشة من اللبان الدكر وشمع النحل الملكي ، ليكون الفم أطيب رائحة . فهو الفم الذي يحلم بتقبيله بعد أن انتكس مع نجية أم أولاده ، فلم يعد يحط منطق في أي سرير يجمعهما حتى ولو كان السرير النحاس القديم ذي التيجان الذهبية والدندشة الفضية .

مع شواهي يطلع سابع سما ، وتهوي به سابع أرض ، يعترف لها كل مرة أن المـُـر ليس فقط لفطام الرُضع حين تضعه الأمهات حول دائرة الثدي ليكف العيل عن الرضعة الحلال بعد فصال عامين : المـُـر يا آنسة شواهي أن تعيشي حياتك بدون إحساس .

تلعلع ضحكتها فتتجاوز خمسة شوارع ،وميدان كامل في قلبه تمثال الزعيم الملهم ، وتضربه على كتفه : يجازيك بالخير . آنسة ؟ مائة مرة أقول لك " مدام " .

يمتقع وجهه ، وقد نسى أنها قد دخلت دنيا فعلا ، وذاب في غرامها رجلان ، وهي تمتنع عن قبول ثالث يكسب دهبا ، ويلعب بالنقود لعبا ، تنصحه أن يكتفي بالبص والكلام ، فمما لاشك فيه أن العين بصيرة واليد قصيرة . تقولها فينتفض للحظة غاضبا ، لكنها تهديء انفعاله بلمسة من يدها شديدة النعومة على خاتمه الفضي المرصع بحجر كريم أزرق لزوم رد الحسد ، وتترك الباب مواربا للقبول : أقول لك الرجل لا يعيبه إلا جيبه!

فيضع يده على حافظته ، ومنها يخرج العشرة والعشرين والمائة ، ويلف النقود مع المر والشيح وحق العنبر ، فتشكره ، ثم تتواعد معه أن تأتيه الثلاثاء القادم ، ومعها جواب أخير على عرضه الذي لا تعرفه زوجته نجية ، ولا إبنه الشيوعي الجاحد أحمد عدو الله وخصم الحكومة ، وابن أمه التي ترسل كل مرة في طلبه من بيته المستأجر الذي يسكنه وحده كي تراه ، هو الشاب المقتدر من وظيفته في قلم الحسابات ، يعودها فتدس في جيب بنطلونه لفافة من مال الأب الثري ، وتقبله في جبينه فهي أمه التي تحبه ، وتخشى أن تقبل فمه لأن شاربه المقصوص يشوكها ، كما أنها تخجل منه رغم أنه ابن بطنها بالحلال والرب شاهد ، وسيرى الظالمون حطب جهنم ، وبئس المصير .

رآها أحمد في مجلسه من مقهى سوق السمك ، فلسعته رجولته ، وطقطقت عظامه ، ففز من مجلسه واعترض طريقها ، بكلام لم تستطع أن تجد فيه عيبا : خصيمك النبي . لا تردي يدي فارغة . تعال نمشي قليلا على الكورنيش .

حدجته بنظرة تجمع الوعد بالوعيد : بأدب .

هز رأسه وهناك أمام النيل أقنعها أن الحظ لا يأتي سوى مرة واحدة في العمر ، وأنها حظه الذي انتظره طويلا ، وهو لن يفرط فيها بكنوز الدنيا فقد أعجبه قوامها ، وذكائها ، ولحظها الفتاك .

رمته بنظرة متحدية : لكنني سبق ودخلت دنيا .

رد بعفوية : لا أظن ذلك.

بكل قسوة صوبت السهم نحو نحره وبدقة رشقته : رجلان لم يكمل الواحد في سريري شهرا .

كان عقله قد اشتعل بالرغبة وهو يتأمل ندبة خفيفة أسفل ذقتها الموشوم بزهرة مخضرة دقيقة : ولو . أنا عند وعدي.

سألته وهما يجلسان في الحديقة الواسعة التي يندس فيها مخبرون رأتهم يوسعون له الطريق احتراما وتوقيرا : ماذا تريد بالضبط؟

قال بكل ثقة وهو يسندها حين أوشكت أن تتعثر في صخرة ناتئة : أريد أن أقرأ حظي معك .

حدقت في عينين بنيتين قاتمتين مع إشراقة كشفت عن مغامر جسور : طلبني الحاج مصطفى العطار قبلك .

لم ترتجف في وجهه عضلة واحدة : هذا ليس بغريب . فقط لتعرفي أنه أبي ، وفي الغالب لا نتفق أبدا.

تراجعت خطوتين ، ورفعت كفها لتمنع خطرا داهما ، فتعالت ضحكة مفعمة بالنشوة : أنت مازلت حرة ، ولك الاختيار.

بكل صفاء الأنثى تمنعت ، وسرت في روحها قشعريرة لم تدرك سببها : هل تتزوجني؟

بانت عروقها تشف من وراء بشرة بيضاء رقيقة ، يكاد الدم ينبثق منها وصدرها يتهدج ، داهمها صوته : لا أصطاد سمكا في بحر!

همدت للحظة ، حينها مال بجسده ، وأجلسها على مقعد صخري أمام بائع الترمس الذي كان يعصر ليمونة كاملة على قرطاسين مفتوحين من الطرف الأعلى : أحط ملحا وفلفلا ؟

قالت وهي تمسح عرقا خفيفا : حط.

كان الملح أكثر من أن تبعده قطرات حمضية لحبات مدورة لها رائحة قرية السنانية ، قال أحمد : لا تضع لي غير الليمون ، والشطة .

دغدغت نفسه ضحكة رائقة أطلقتها شواهي ، وفرغ القرطاسان ، ثم جاء المخبرون فلملموا ما بقي من الحبات اللذيذة المملحة .

في الأسبوع التالي خلا قلم الحسابات من أحمد المر ، وكان أن قضى معها أسبوعا كاملا ما بين شاطئي جليم والشاطبي . انبهرت شواهي بالكورنيش الممتد كسوار يحيط بمعصم الأسكندرية ، وعرفت كيف ينحني النادل وهو يمد يده بقائمة الطعام . دخلا دور السينما وحفلات المسرح ، ومن شارع سعد زغلول اشترى لها عشرات الحقائب والصنادل من الجلد الطبيعي ، وكان كلما رافقها لغرفتها الخصوصية بالفندق المطل على البحر ، مدت يدها ليقبلها ، ثم أبعدته برفق معتذرة : لا أفتح الباب إلا بشرع ربنا .

علم الحاج مصطفى بما كان من الولد الجاحد منفلت العيار . صعد الدم إلى يافوخه ، وهو يتحسر على الفرصة الأخيرة التي لاحت له ، وكانت كفيلة أن تنقذه من الشيخوخة المحدقة به ، فقد هربت في آخر لحظة .

تناقل أولاد الحلال سر الاختفاء المفاجيء للإبن ، ولأن البلد لا يبتل في فمها فولة فقد ظلوا يتندرون على الأب المسكين الذي غلبه ابنه بلكمة خطافية مفاجئة .

ولما ضيق الأصحاب عليه الخناق ، ووضعوا في يده ورقة مطوية فيها اسم الفندق ورقم الغرفة لم يجد أمامه مفرا من التصدي للمصيبة ، والسفر في الليل الغطيس للأسكندرية .

أشرعت عينيها نحوه وهي تفتح الباب في عز نومها ،كانت في قميص نوم رقيق مشغول بماء الذهب . جرت وارتدت روبا نبيتيا مغلق الصدر . لم تكن تصدق أن يأتي : من . أنت؟

طار من عقله كل الكلام الذي جهزه ، وسهر الشطر الأخير من الليل كي يرصه ويشذب أطرافه . كان عليه أن يهجم عليها بصفعة ، ويلقنها أصول العفة ، يقول لها مثلا : أنت تقتلين الفضيلة . وجودك في حياتنا حرام .

لكن صدره الذي يعلو ويهبط جعلها تسرع بإحضار مقعد صغير من الخوص أجلسته عليه ، وقبل أن يتفوه بكلمة واحدة ، دمعت عيناها وهي تخرص كل ظنونه : صدقني . أحمد لم يمسني.

تماسك وهو يشرع أصابع الاتهام في وجهها : لكنك لست آنسة ومن السهل أن ... ؟

لم تخفض عينيها قط ، فقد فتحت إحدى ضلفتي النافذة المواجهة للبحر : تعال انظر للموجة التي تلاحق الأخرى . من يمنعها يا حاج؟

مساحة الأزرق البعيد والعميق شغلته ، فيما ذهبت وأغلقت الباب المفتوح ، خلعت له حذائه ، وتركته يتأمل المساحات الواسعة من ذلك الأزرق بعنفوانه المخيف . لأول مرة ترى مظاهر وسامة قديمة ، لمحت الشبه بين الأب وابنه . لم تكن لتسلم نفسها لهذا أو لذاك . بدت متحيرة ، وهي تضع بين يدي العجوز فنجان القهوة التركي .

أرادت أن تشرح له الأمر لكنه بدا في شدة غموضه . هل كانت تهرب من الناس أم من اختياراتها ؟

لم يمكث طويلا ، فقد رشف رشفات متلاحقة من قهوته التي شعر معها بطعم المر العلقم ، هز رأسه ممتنا ، وربت على كتفيها ، وهي تستسمحه أن يجلس ولو لنصف ساعة كي تعد له طعام الإفطار. تحسست شعرات دقيقة باللون الأبيض في فوديه : لا تنزعج . أحمد لا يقوم قبل العاشرة . وهو في حجرة بعيدة عني ولا يأتي إلا بموعد!

أحست بسخونة الدموع المنسابة على ساعديها الممتدين لعنقه الذي راح يرتجف مع جسده إرتجافة خفيفة ، فاهتز قلبها حزنا : صدقني . لم تكن أنت الشخص المناسب .

صمتت قليلا ، وفتحت الضلفة الأخرى من النافذة فتقوست الستائر الفستقية لداخل الغرفة : ولا أحمد أيضا يصلح لي.

لم يكن يستطيع أن يرد على حديثها ، ربما هي الحسرة التي لا يحتملهما قلب إنسان في هذا العمر . لقد انصرف وحيدا في غبش الصباح ، وقبل أن تصحو الطيور من أوكارها قادمة من الشمال البعيد .

في العاشرة تماما ، دقت أصابع قوية جسورة باب حجرتها . لم تكن شواهي في الحجرة ، بحث عن أي ورقة اعتذار فلم يصادفه سوى فراغ قاتل . تعجب أنه لم يغضبها ، ولم يحاول ولو لمرة واحدة أن يقتحم بابا ليس من حقه . بسط ذراعيه على العارضة الخشبية لتلك النافذة المفتوحة على اتساعها ، وقد أرعبه أن يكتشف دوامات هائلة تسكن قلب الأزرق الموغل في فتنته وقسوته المهلكة .



دمياط في 7/ 1/ 2006.



















التوقيع

سمير الفيل
شاعر وروائي وناقد مصري
عضو اتحاد كتاب مصر
عضو اتحاد كتاب الانترنت العرب
 
رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 06:05 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط