"الهروب إلى الموت ... "
بقلم :
سعدي صبـــاح / الجزائر
قد سمّتك تلك الشمطاء بالطيّب منذ خروجك من الظلمات، ومدّدتك في حجرها،بخّتك بعطر الجنّة وتمتمت:"طيّب إنشاء الله..كان اسمك يشبهك،ولم تكن إلا كذلك،حبّ الورى ولد معك..وسرى في الوريد،تُربتك النديّة لم تنجب إلا السنابل والزيتون،كائن من براءة أنت لذلك ترى العالم من حولك نوارس تحلّق على شاطئ الأمان،ترى كل من على البسيطة زرا زير ترفرف على حقل من الثلج ! فصّلت ذات الآخر بما تعجّ به نفسك المطمئنّة،ترى ما تعكسه مرآة مخبرك فترى أبناء جلدتك زُهّادا خاشعين ! غذّتك نسمات الطبيعة..أرضعتك الصّفاء،فلا مكانة لأشواك الحقد في ثراك،مناخك لا يصلح إلا للعصافير والزّهور ! كنت تمقت الانطواء لكنّك تُعرّج إلى الخلوة والتأمّل،أمَلُك سحق الأفاعي ونسف الشّوك من المعابر والممرّات لغربتك عن أترابك تراهم كُلّهم مودّة ورحمة..يتعانقون كتعانق الطيور في الفضاء الرّحب ! راقتك المظاهر..فجمّت أشواقك ! طرتَ إليهم تريد التعاون معهم على البرّ والتقوى..قررت النزول إلى ديارهم فطرت ذات صباح مُشرق صوبهم،وكانت أشواقك تسبق خطواتك إليهم ! تمنّيت لو يرجع الزّمن إلى الصّفر حتى تمحي ليالي الغربة والبعاد...ابتسامات وأفراح جديدة تدخل عالمهم بقدومك ! دُقّت الطبول،رموك بالمسك وإكليل الجبل ! رحّبوا بك ترحيب الصّادقين،اغتبطت للقائهم اغتباطا منقطع النظير ! كفرت بالزمن الذي حرمك ممن أحسست فيهم بطهارة القدّيس والملائكة،فتحت نوافذ قلبك لتدخل العصافير..لكن سرعان ما تمزّقت أشواقك واندثرت كأشواق "مغرم الحشرات المضيئة" التي لا تلبث أن تتلاشى بعد امتلاكها وهي مجرّد خنافس تخلو من الضّياء ! لقد فوجئت بضحكاتهم المغلوطة وحُبّهم المغشوش،أُصبت بالذهول..اندهشت في وجوههم القابعة خلف الوجوه ! .. أحسستَ بالإحباط والقلق وأضحت نار الشّوق المتأجّجة جسما من صقيع يوجع صدرك ! والمحبّة التي كنت تكنّها لهم تلاشت كقطرات ندى على أعشاب ذابلة ! لقد سأمت ابتساماتهم المُزيّفة،انطويت على نفسك هاربا إلى نجواك خاطبتها: "إلهي هل أنا في حلم؟أم أنّني أُصبت بالانهيار؟"،تساؤلات جمّة تحزّ في نفسك: "أين النوارس التي كنت أراها؟،أين العصافير المحلقة بسماء مناكبهم؟ قد تكون الطيور التي لوّحت لي هي طيور مُزيّفة،لقد انفلق القمر وبانت الأشياء على أصلها...كُلّ الذي أنزلني ما هو إلا أقنعة وقشور ! .. ابتساماتهم الغادرة قد أُعدّت بحبكة تمويها لأشواك الشر الكامنة في رمالهم المتحرّكة،إلهي كيف يتحوّل النورس إلى غراب وتمسي العصافير ضفادعا تقتل صمت الوادي؟إلهي أنت الذي خلقتني هكذا علّك أردت بي خيرا لكنّني انهزمت وانهزامي بطعنات الظّهر،آه إنّ خنجر الندم بدأ يُؤلمني،إنّ تخاذلهم وتراحمهم الكاذب هو ما عبّد دربي للنزول إليهم وأذق ثمار بُهتانهم...لقد كنت هنيئا مغتبطا تنعشني نسمات الأُم الرّؤوم،وكنت جاهلا لقشورهم وأقنعتهم ونفوسهم الأمّارة بالسّوء،إلهي لا أحد بينهم يشبهني..ما عساني أفعل،الموت أهون من جحيمهم ! وفي ليلة شتويّة قارسة قرّرت الفرار،سريت تحت رذاذ الظلام ومع انبلاج الفجر حطّيت جنب الدوحة الباسقة،لفتت انتباهك الأرجوحة المثبّتة بين الأفنان ! سلبتها حبلها،ربطته بثبات على غصنها البكر، تسللت بين اللقالق،جلست القرفصاء،لاحت لك اليرابيع البشريّة هناك على مدّ البصر ! جالت عيناك لأروقة السّماء فرأيت أجسامهم الغريبة تشكّلت من السُحب الراكضة ! بل هم بعيوبهم يزرعون الشّوك لتحمله الرّيح مع زخّات المطر ! لوحت إلى البراري ولا منْ منَّ عليك بدمعة مالحة،لويت يدك على طرف الحبل الذي أعددته لنفسك ! كنت بحاجة إلى البكاء فشحّت عليك دموعك فبكيت في صمت وذلك أخطر البكاء ! أطلق طائر الموت صوتا على رأسك،مرّت بك لفحة الهجير في عزّ الشّتاء،صوحت شفتيك وجلجل صوت من تحت الصّخر ! عقدت الحبل وأنت ترتجف كالطائر الجريح ! أدخلت هامتك بالشراك الذي صنعته يمناك ! وسرقت من القرد قفزته وودّعت في لمح البصر،تجمهر أهل القفر حول جُثتك المُتأرجحة خاشعين جاهلين طيبتك المفرطة الـتــــي رسمت النهايـــة.
انتهــى ...
القاصّ :
سعدي صبّاح/ الجزائر
[email protected]
www.sebbah.jeeran.com