نهر البارد.... بالألوان!
وجاءت ذكرى نكبتنا الـ 59، حاملة معها ذكريات وهموماً وآلاماً ، ولحقت بها نكستنا الـ 40 على عجل، أيام تفصل ما بين الوجع.... أيار يسلم حزيران نهراً من وطن، ولكن الجرح ما بين الآه والآه يحتل مكامن الروح... ومخيم يبكي من سكنه، ونهر ساخن يجري، يتدفق بغزارة، وصور تمر أمامك تدقق فيها، تفرك عينيك جيداً بقوة، رافضاً أن تصدق ما يحصل، فترُدّك الذاكرة إلى لجوء كئيب رأيته في بعض صور وأشرطة تلفزيونية، أو سمعت عنه من كبار السن.
صور كثيفة... نساء بثياب النوم، وأطفال نصف عراة، ورجال قد ضلوا الطريق حفاة، وأحلام تموت، وصمت يقتل...
"من قتل والدي وهدم منزلي... من شرّد عائلتي وسرق كتبي، رفاقي أين أنتم؟!"، أسئلة لا تجد لها أجوبة، وصداها يلف المكان بحزن عميق يقتل الروح والعمر، وآنات تكاد تطبق الصدر: هل يعودون مرة أخرى للسلم، ولحياة هادئة تجمع شمل العائلة من جديد؟!!!
لجوء ثانٍ... لا يعرفون نهايته... ونكبة أخرى- قديمة متجددة- ولكنها "مُودِرْنْ" بالألوان، على عكس سنة 48، فقد كانت نكبة بالأبيض والأسود.... فلكل زمان آذانه، ولكل عصر آوانه، ولكل فلسطيني نصيبه من الجراح، ولكل طفل حصة من الحرمان.
نهر البارد... نكبة 2007 بالألوان، ولكن اللون المسيطر والطاغي عليها، هو الأحمر القاني الذي بلّل شوارع المخيم وبيوته وجدرانه، دم الأطفال والشباب والنساء وكبار السّن الأبرياء الذين رووا بدمهم ثرى المخيم، وهم الحالمون بالشهادة لأجل الوطن.
نكبة يكتبونها بأحرف من ألم وحرقة مدادها الدم والتغريبة، غداً عندما يعودون إلى المخيم ويشاهدون الدمار، وينظرون في الأماكن ولا يجدون الأحبة والأصدقاء؛ حينها ستشتعل القلوب، وتنزف... ترى من يطفئ لهيبها؟!
ما أكثر النكبات التي تلمُّ بالشعب الفلسطيني، وما أعظم النكسات التي تصيبه في الصميم، فتكاد تشطر قلبه نصفين، لكن هذا الشعب عصي على المحو والإندثار.
بالأمس كان المخيم.. واليوم يبكي ويئن.. وغداً سيعود .. عودة إلى فلسطين.