الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > منتديات اللغة العربية والآداب الإنسانية > منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي

منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي هنا توضع الإبداعات الأدبية تحت المجهر لاستكناه جمالياته وتسليط الضوء على جودة الأدوات الفنية المستخدمة.

 

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 16-02-2010, 05:18 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
أحمد طوسون
أقلامي
 
الصورة الرمزية أحمد طوسون
 

 

 
إحصائية العضو







أحمد طوسون غير متصل


Icon2 الحياة بحثا عن المكان (مجموعة "مجرد بيت قديم"نموذجا)

الحياة بحثا عن المكان (مجموعة "مجرد بيت قديم" لأحمد طوسون نموذجا)

د. أحمد عوض جنيدى

أصدر أحمد طوسون ثلاث مجموعات قصصية هي "مجرد بيت قديم" 1999، و"شتاء قارس" 2000 ، و"عندما لا تموء القطط" 2003 .
تتجلى فى المجموعه الأولى رؤية مشبعة بروح التأمل العميق قي المكان من جوانب متعددة تتبادل الظهور والخفاء ، أو السعة والضيق من دون تناحر أو فوضى . وهذه الرؤية أيضا قرينة البحث عن العلاقة الممكنة في عقولنا عن روح المكان الذي يشكل ما لا نتصوره ، ويرشد إلى ما لا نعرفه بحيث يصبح منفذا للإطلال على فضاءات واسعة ، مهما تكن المساحة التي يشغلها في السياق النصي .
تتكون المجموعة من عشر قصص يحظى المكان فيها باهتمام بالغ ، فهو هم القاص وشاغله الأول ،ذلك أنه موجه للاتصال بين الشخصيات القصصية والرابط بينها ، بل إنه ذاكرة ثقافية تختزل فيها الشخصيات تجاربها المتنوعة بين السعادة والشقاء ، فيغدو بؤرة مفتوحة على كل الاحتمالات .
وعلى الرغم من أن الشخصيات بائسة ،مطاردة ،تفتقر لأقل مقومات المعيشة ،لكنها تحاول العيش ، والبحث عن متسع لتحولات الحياة بالهروب إلى الداخل باعتباره بديلا عن معاناة الخارج ،وفى الوقت ذاته ضربا من التحدى الذي يعيد صياغة الواقع المعيش ،لاسيما عندما يشتد الضيق بالشخصية . والمعنى أنها شخصيات إيجابية لا تستلم للمحن وإنما تجيد التحول ، وتعي ما تقدم عليه .
ترتبط الشخصية بالمكان في صوره المتنوعة وهو ما يجعله عنصرا حيا متفاعلا معبرا عن المظهر الخارجي للشخصية ، ومتعمقا في أغوراها .
ولعل توظيف المكان يشي بدينامية النص القصصي وثراء الخيال والإحساس المرهف بجمالياته ، فليس ثمة انشغال بالأبعاد الجغرافية للمكان ، حيث ينصب الاهتمام على المكان المتخيل عبر الذاكرة ، فيرسم صورة فنية موحية ، تفض مغاليقه ، فتنفتح الأمكنة بعضها على بعض من خلال مسارات متكاملة تمضي إلى فضاءات غير محدودة .
يتغلب الشقاء في تجربة الشخصية القصصية على السعادة ، وإذا صح ذلك ، فالحياة نفسها لا تكتمل إلا بالاستقرار في المكان وهو ما لم يتحقق بالرغم من أن المواقف المتعثرة التي تتعرض لها الشخصيات – بالرغم من قسوتها – لم تثنيها عن التشبث بأمل قد يأتي ، فتتصدى بضمير خالص دفاعا عن حقها في الحياة . ذلك "أننا ننسى غالبا أن هناك تأثيرا متبادلا بين الشخصية والمكان الذي تقيم فيه ، وأن الفضاء الروائي يمكنه أن يكشف لنا عن الحياة اللاشعورية التي تعيشها الشخصية"(1) .ومن ثم نرى وجه الشخصية في المكان ونلحظ المكان مضمرا في جوهرها .
يبدو اهتمام أحمد طوسون بالمكان في جميع أعماله القصصية ، وفي هذه المجموعة خاصة ، التي تتميز بتضمين المكان عنوانا لها . ويمكن تقسيم المكان إلى قسمين فيها:
أولا: الأماكن الضيقة. وينضوي تحتها :
البيت – المدرسة – الشرفة والنافذة – الزنزانة – الشارع – الرصيف .
ثانيا : الأماكن الواسعة . وتشتمل على :
القرية – المدينة .

أولا: الأماكن الضيقة:
أ: البيت :
مكان الألفة ، وعلاقة الإنسان به ممتدة ، يؤثر بدرجة كبيرة في شخصيته – إيجابا وسلبا – ويحفظ سره وكينونته وانتماءه لجذوره ، ويحميه من الخارج في حالة الصدام والتنازع . وطبيعي أن يعكس البيت أسلوب حياتنا وذاكرتنا وذكرياتنا أيضا . ولعل هذا ما أراده وارين بقوله "إن بيت الإنسان امتداد لنفسه، إذا وصفت البيت فقد وصفت الإنسان" (2). ولعلنا نألف في البيت الدفء والأمان والراحة والهدوء ، وغيرها من المعاني الدالة على الحب والانتماء والتجذر . فالبيت هو الإنسان ، والأخير لا يحيا من دونه ، إذا فقده فقد إنسانيته وطمست هويته ، وضاعت معه كل حقيقة . وفي كل ذلك ما يؤكد فكرة التداخل والتماهي بين البيت والإنسان . ولا يقوم في التصور حدوث تنافر بينهما إلا إذا تصورنا استغناء الإنسان عن ذاته ، والمعنى أن البيت استشفاف لروح الإنسان ، وصحة الانتماء ، بحيث يبدو أن نكران ذلك يؤدي إلى عدم معرفته لنفسه ، ولا يكاد يعرف غيره .
تتفاوت صورة البيت في المجموعة بين الضيق والاتساع على النحو الأتي :
1: نموذج البيت الضيق:
يرادف السجن من زاوية الضيق والإغلاق والإحكام ، ففي قصة "مفتاح الجنة" تصطدم الشخصية ببيت موحش ، تشي محتوياته المبعثرة فوق "إفريز النافذة" بالفوضى والعبث من جانب ، والحياة القاسية بما تتضمنه من شقاق بين الشخصية القصصية وأشياء البيت من جانب آخر .
تئول صعوبة التعايش ، واستحالة الحياة في البيت إلى مجموعة حواجز مادية ومعنوية ، فالحواجز المادية تتمثل في محتويات المكان : "على إفريز النافذة لمبة جاز بفتيل محروق وكتاب ورقه أصفر كأوراق الخريف وحشرة ميتة بين خيوط عنكبوت عجوز ، دولاب صغير بضلفة واحدة وقبقاب من الخشب أسود اللون – لم يعد له صوت – تحت السرير النحاس ، قشور الجير غطت صورة الجد المعلقة على الحائط وسحلية صفراء – من شق الجدار – تطل على الولد الجالس فوق السرير ، سكون له طعم الأيام القديمة ورائحة البكارة" (3) .
تحمل أشياء البيت أمارات الخراب المطل من جميع الأركان ، فاختفت معالم الحياة وحلت محلها ملامح الحقائق التي يصعب النظر إليها ، حيث إن الزوال المصاحب لتولي الزمن وعصفه بمحتويات البيت حاضر ، والوحشة الدالة على انقطاع الحركة في المكان
منذ زمن بعيد لا تخطئها العين حتى نسجت العناكب خيوطها ،وصار مأ وى للحشرات الميتة. والمدهش أن الولد يجلس فوق السرير متجافيا عمن حوله على الرغم من أنه لايستطيع الاستغناء عن البيت لكنه فى الوقت نفسه غير راضى عما أصابه من بلى ولذلك كان العجب هو عدم رفض الولد للأشياء غير المنظمة حوله ،وعدم تنكره لها وإن لم يحفل بها. وكأنه في راحة من التأمل والفكر غير قادر على التواصل مع الماضى "صورة الجد" أو الحاضر" أشياء البيت " إنه الإحساس بتسرب الزمن، وإخفاق الالتئام مع البيت نظرا للسيطرة المحكمة عليه .
تمضي الحواجز المادية مثل السيل تعصف بما تبقى داخل الشخصية القصصية ، فتجد نفسها أمام حصار من نوع آخر ، حيث السلم الخشبي الجاثم فوق صدر الولد ؛ ليحول بينه وبين محبوبته ، "كان الولد تحت السلم الخشبي بمدخل البيت وأمامه تقف البنت ، وفوقهما تهدل حمامتان "(4). يشكل الموقف ثنائية المقيد/المطلق ، أو المغلق / المفتوح . وهنا يكمن التناقض بين أعماق الشخصية القصصية المقيدة وحركة الطائر الحر الذي يصعب أسره . فالصعود مثل الطائر المحلق مطلب مهم ، وغاية ينشدها الولد/المحب . لكن النزول "تحت السلم" إلى ما لا نهاية مصير لا مفر منه . ذلك تركيب متناقض بين الداخل والخارج ، وعليه يتسرب الحب – مثلما تسرب الزمن – من دون أن يتحقق حلم الانطلاق .
ولا تقف قيود المكان عند هذا الحد ، ولكنها تتخطاه مضيفة معوقا جديدا يصعب احتواؤه – وإن كان على المستوى المعنوي أعمق – ممثلا في صوت الأب وعصاه التي تلاحق الولد في اللحظة التي يكاد يقترب فيها من البنت . يظل الولد على حاله ، لا يبذل أدنى جهد ليقاوم هذا الخليط المتنوع من الحواجز ، فالمناوشة لا تنتمي إليه بسبب ، على الرغم من أنها تزكي البحث عن أشيائه / محبوبته ، وتحرك العقل – ولو من خلال موقف جزئي – للسؤال عما يقوض أحلامه ، ويحاصر وعيه ، فالمهم ان تكون ثمة حركة نحو خطوة صعبة – مواجهة الأب – لكنها موجودة .
ولا غرو أن تأتي الحركة على غير المتوقع فيفر من قسوة الأب إلى حجرة الجد متحصنا بها من البيت وأشخاصه وزمانه . ولا غرو أيضا أن الولد لم يكره البيت ، وكأنه ينتظر لحظة الخلاص ، التي تأتي مع السحلية ، فتبدد ما بداخله من جدل مضطرب ، لم يظهر بعد ، "وهي تنظر إلى أحلام عينيه الصغيرة وخبطت اللمبة الجاز فسقطت من فوق إفريز النافذة – على الأرض – " (5) . يظل الولد على حاله حبيس مخاوفه وهواجسه . ولكن يبقى التأكيد على أن الصعود إلى المطلق ، وتحرر الشخصية القصصية من قيود المكان لن يتحقق بالهروب إلى الخارج ، أو الصمت المرادف للعجز ، وإنما بإعادة صياغة محتويات البيت لتناسب طبيعة الشيء المدفون الذي يقفز عند الحاجة ، وهو الوجه الفعال الباحث عن تحرير النفس .
وإذا مضينا وراء هذا النموذج ، تتكشف لنا صورة مغايرة للبيت ، بيت بلا أب، وذلك في قصة "مجرد بيت قديم" يعود الرواي /ضمير المتكلم من الغربة ، فيفاجئه زحف الزمان على بيوت القرية ما عدا البيت القديم ، وتغير أحوال الناس حتى أنه صار غريبا عنهم وعن نفسه ، وحينئذ تداعت على ذهنه تلك المكانة السامية التي كان عليها في الماضي، وهو صورة تناقض واقع الحال ، فهناك مسافة زمنية ممتدة تفصل بينهما .والمعنى أن الشخصية والبيت يقعان خارج إطار الزمن الحاضر ، وعلى الرغم من أن حركة الحياة داخل البيت نفسه قد أهملت – لبعد عهد الشخصية به - فهو "كونها الأول"(6) ، الذي يسهم في إعادة اكتشاف وجودها الحقيقي ، ويفصل وعيها المتميز عن المحيط الخارجي .
لا مفر إذن من صعوبة التأمل ، ربما استدل على شيء كامن متماسك داخل المعالم الطللية المتداعية ، وربما ساعده ذلك على الاطمئنان إلى أن اختلاف البيت عن البيوت المحيطة به لا يعني الهلكة والتصدع . إن التأمل لا يقرأ المحسوس الذي يعيش وحده في الذاكرة ، لكنه يتتبع معاني العلو التي تناسب منزلة " البيت الوحيد الذي ما يزال بالطوب اللبني" (7) . وكأن البيت يدعوه للبحث عن جوهر التحولات القاسية التي أدت إلى اختلاط الأحداث واضطراب موازينها ، وعزلة البيت عن زمان القرية وبيوتها ، "وعندما فتحت الباب شممت رائحة الموت تسكن فوق جدرانه وأزمنة قديمة ترقد مستسلمة لخيوط العناكب وغبار السنين وتعجبت للحوائط التي تهدمت والسقف الذي تهاوى "(8).ذلك الخطر الداهم الذي أتى على محتويات البيت المسئول عنه الزمن الحاضر . وعليه فلا عجب أن يتأمل "الراوي" البيت ليقوي صلته بهذا الوجود – ليس هروبا من الحاضر – ويستمتع بالعودة إلى الماضي حيث التناسق الحميم بينهما . "وتذكرت أيام كان بيتنا أكبر دوار في القرية والنخلة التي كانت تتوسط حوشه " (9) . فالماضي قرين السعة ، والأخيرة يرادفها الامتلاك غير المحدود الذي ينتزع صورة الهدم والصدع من حاضر الشخصية على سبيل النقيض، ويقاوم عوامل البلى. فـ "المكان الذي ينحذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكانا لا مباليا ، ذا أبعاد هندسية وحسب، فهو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط ، بل بكل ما في الخيال من تحيز ، إننا ننجذب نحوه لأنه يكثف الوجود في حدود تتسم بالحماية " (10) لا يعني الرجوع إلى الماضي إظهار الألم والحسرة ، أو الفرار إلى الداخل ، ولكنه يشي بقوة دفع تحقق توازنا مفقودا مع المحيط الخارجي ، وتزيد الرغبة في الإمساك بما تبقى من معالم البيت ، لعلها تتضمن وجودا ينبض بالحياة ، وتعزز مسعى الشخصية في الإقبال عليها ، وأيضا توثق عراها بمعاني الأصالة والشموخ والعطاء "النخلة" ، مادام البيت مكانا للوفرة والسعة . لكن غبار السنين أكثر إيلاما ، فالنخلة " لم يبق منها سوى جذع محترق حوله قواليح محروقة وأرائك خشبية سقطت أقدامها " (11) . حاضر خال من الإشراق ، حيث يمضي البيت في اتجاه مغاير لحركة البيوت في القرية ، فتهاوت بعض جوانبه ، وبقي بعضها الآخر يقاوم صامدا أمام نوازل الدهر ، "وزهرة صبار وحيدة أمام قبر جدتي " (12) إن نداء الشخصية قوي يثبت الفراغ وينفى العدم . لقد أثرت وقائع السنين في البيت فتهاوى بعضه أمام المتغيرات الحياتية التي نازعته ، فلم يبق منه غير الصورة الطللية ، وصرعت أصحابه "الجدة" فرحلوا تاركي الراوي على الهاوية يعاني الإحساس بالخطر " سامحيني يا جدتي ، وكنت أراها تنظر بوجهها الملائكي إلى الحوائط المتهدمة والسقف المتهاوي والنخلة التي احترقت وأسمع أنينها الشجي"(13) . تشكل الصورة التي عليها البيت انزياحا لمعاني العلو والرفعة والقدم وللقيم المتولدة عنها أمام أمارات الهبوط والتدني والانكسار ، فلا يعثر إلا على غربة غارقة في ليل طويل حالك ، فيؤثر الرحيل ، إذ لا يستطيع البقاء إلا إذا دخل في علاقة إيجابية مع الحياة الجديدة في القرية ، وهو ما يعمق شعوره بمأساة المكان ، فتغدو الغربة عالما دلاليا واسعا ، وتجربة مؤلمة مظلمة مثل ظلمة البيت " ويحط الليل على البيت القديم " (14) ، ويرحل الراوي ليبدأمع الغربة دورة جديدة مجهولة .
2:نموذج البيت الواسع :
ليست البيوت كلها معتمة ومعوقة عن الحركة ، فثمة بيوت يشع فيها الضوء ، وتفوح منها رائحة البكارة ، وتعمها الألفة ، ومثل هذا البيت الذي يظلل الشخصية القصصية أعز عليها من نفسها ، تحمله معها أينما وجدت وتربطه بها علاقة حميمة على نحو ما نجد في قصة "فصل 2/1 " لم يستطع الطفل أن ينسى حياة سابقة - في ذلك البيت – لها وقار ومكانة، فقد شب على حب البيوت الكبيرة ذات الحدائق الخضراء الواسعة الباعثة على الحركة والانطلاق ، يقول " بباب حديدي كبير وسور عال وحديقة كبيرة وصالة فارهة تتسع لكل زملائي في الفصل ، وحجرات كثيرة وأخرى خاصة ، بها سرير نظيف ومكتب ودولاب يمتلئ بالملابس الجديدة واللعب الجميلة وراديو صغير كان بيتنا " (15).
يعبر صوت الطفل عن ماض خالد في أعماقه ، ويكشف أغوار نفسه ، وأحاسيسه الآنية في علاقته بالبيت وأشيائه الجميلة . وهذا كله ليس بمعزل عن أزمة حياة قوية يعيشها، لكنه يلتمس من صورة الماضي وجها إيجابيا يواجه به سطوة الفقد ، ويقاوم من خلاله التغير، ويتواصل مع معاني الثراء ، والارتقاء المادي ورغد العيش من أجل الإمساك بتلك اللحظة المدبرة وإدخالها في تركيب جديد معقد يواجه به واقعه المعيش ، حيث " تتخلق صورة المكان من خلال الحركة فيه ، والحياة به ومن خلال التعامل معه بوصفه بديهية ، كحقيقة من حقائق الحياة ، إن لم يكن هو حقيقة الحياة الأساسية " (16) . إن التحول الشامل من السعة إلى الضيق يرمي إلى تصوير فجيعة الطفل لما آلت إليه حال البيت . لقد غابت كل معاني الحياة ، وألوان البهجة ، فأثارت نوعا من المخاوف لديه ، تضطرب لها نفسه اضطرابا شديدا ، فيجادل في حقيقة وجوده في هذا المكان الضيق، "ولا أعرف سببا لوجودنا هنا في هذه الحجرة الضيقة مع كل هؤلاء ، أحب أن أكون مع أبي في بيتنا وأكره هذه الحجرة الباردة ، هؤلاء الناس وأغطيتهم الخشنة وخبزهم ومعلباتهم "(17) . فهذا واقع حال غير مفهوم بالنسبة إلى الطفل ، يعيشه بصعوبة لا تخلو من أسى عميق ، فهو لا يعرف المداهنة، ويحتج على وجوده في عالم غير العالم الذي ألفه بكل أسباب الرخاء . ناهيك عن البعد القسري عن أبيه ، وفقدانه لمعاني الدفء والحنان . فالحرمان الحاصل هنا مؤثر وفعال، ويصعب التنكر له
يمثل العالم الجديد الغريب صعوبة كبرى للطفل ، فالمكان الضيق ، المحدود ، المكدس بالغرباء حقيقة جاثمة فوقه ، بات التنصل منها مستحيلا . إن كراهيته للمكان الجديد، وحالة اليتم التي قفزت فجأة إلى حياته حركت لديه فكرة البحث عن القيم الضائعة ممثلة في البيت الواسع ؛ باعتباره قيمة وغاية يدفع عنه الموت ، وفي الأب المعطاء ؛ قيمة وغاية تنهض بقوة الحضور الإنساني ، ومن دونهما لا تستقيم حياته . هذه الصورة تتناقض مع صورة البيت الضيق والأب المتسلط في قصة "مفتاح الجنة" . أما قصة البيت القديم فيقع في منزلة بين هاتين المنزلتين .
على أية حال فالبيت في المجموعة القصصية جزء لا يتجزأ من حياة الشخصية ، لا تحيا من دونه سواء أكان ضيقا أم واسعا ، مهجورا أم عامرا بأصحابه ، يحمل دلالات أشمل من معناه المتعارف عليه ، باعتباره قيمة في حياة الشخصية القصصية لا تساوم عليه ، ولا ترضى عنه بديلا .

ب:المدرسة :
المدرسة بفضائها الرحب ، وحجراتها المغلقة ، وحركة الأحياء فيها تأتي بعد البيت مكانا مألوفا يوفر الأمان والحماية ،وتغرس المعاني السامية والقيم الإيجابية . من هنا تعلق الطفل بمدرسته وأساتذته وأصحابه ، خاصة "فصل 2/1 " الذي يحمل عنوان القصة ، فالمدرسة الأولى بالنسبة إليه وجود يحقق له انسجاما واتزانا ، ومن دونها يشعر بالاختلاف والاختلال . إنها المكان الذي يمتلك فاعلية جوهرية في تشكيل وجدانه فغدا ذا ملامح تحمل خصوصية متميزة ، لا يكاد يشاركه فيها غيره .
تتنازع مدرستان داخل الطفل ، المدرسة القديمة التي تلقفته بعد البيت ثم المدرسة الجديدة التي رحل إليها مكرها ، وربما أدى ذلك إلى تفاوت نظرته إلى المدرستين بين السعة والضيق . ولا يتحدد المكان هنا بأبعاده الهندسية ، بل في كونه حاملا لهوية الطفل التي تمنح المدرسة أبعادا دلالية عميقة ، فعلى الرغم من أن المدرسة الجديدة نظيفة وواسعة ومحاطة بالخضرة ، وفيها حجرات دراسية وتلاميذ ، لكنها خالية ومفرغة من الوجود " ولا أعرف لما انتابني إحساس غامض بالخوف ، فلم أكن أتخيل أن هناك مدرسة بدون أبلة الناظرة " (18). فالطفل مسكون بمدرسته القديمة لا يعرف العالم إلا من خلالها ، وتلك حيوية دافقة لا تهدأ ، ولا تستقر ، وإنما تمر عبر تموجات متتالية تجعله يشك فيما يراه ببصره ، ويجادل في حقيقة وجوده ، بل إن تخطي عقبة التواصل مع المدرسة الجديدة تمثل صعوبة كبرى. "عبثا كنت أحاول إبعاد صورة أبي وهو يحمل سندوتشات الجبنة والمربى وينتظرني عند باب المدرسة . ميرفت وعم حسن وأبلة الناظرة وأبلة بشات ، عبثا كنت أحاول إبعادهم عن طريقي حتى أرتدي ملابسي ، وأقسمت هذه المرة أن أسبق ميرفت إلى احتلال مقعدنا حتى تفاجئ بي . حين انتهيت من ارتداء ملابسي وسألت أمي إذا كان أبي سيحضر ويأخذنا إلى بيتنا أم سينتظرنا هناك . بكت أمي ولم تكن تنظر لي وهي تكلمني
-لا
-إنت هتروح المدرسة الجديدة " (19) تلك الباعثة على الوحشة ، حيث إن قسوة الحياة الجديدة التي انتقل إليها تشكل أزمة في وعيه فعلاقته بمدرسته القديمة علاقة وحدة روحية ، لا يجب أن يستبد بها المدرسة الجديدة ، ولا ينبغي لحركته أن تفتر بحثا عن مدرسته المهيمنة ، الحاضرة في مخيلته ، فما فرقته ظروف الحياة الصعبة – في مدينة السويس بعد النكسة – توحد وتجمع في وجدانه ، وتحرك في أعماقه لترويض نفسه ؛ محاولا التعايش مع الظرف التاريخي المفجع ، وكأنه في مواجهة واقع لا مهرب منه إلا بالولوج فيه " وفكرت أنه بالتأكيد ستوجد بالمدرسة الجديدة أبلة الناظرة وأبلة بشات وميرفت أيضا .. فعدت ووافقت " (20) .
لقد عجز منطق الكبار أن يقنع الصغير على الرغم من سذاجته التي لا تخلو من أبعاد دلالية بعيدة ، تجهد المتأمل في فلسفتها مهما حاول أن يقتلعها بسبب استقرارها داخله . لم يستطع أن ينسى حياة سابقة ، لها قيمة ومكانة ، ويحسن من أجلها المجاهدة والصدام . "عندما دخلت فصل 2/1 والأبلة التي كانت هناك قالت لي :
-لا يا شاطر إنت في 2/2
وحلفت لها أنني في 2/1 لكنها لم تصدقني وقالت لعم منصور :
-خذه إلى 2/2 " (21).
لم ينتقل الطفل وحيدا إلى المدرسة الجديدة ، لكنه حمل معه مدرسته القديمة وفصله ، فهو يرفض التواجد ، ويتجنب المشاركة ، ويتجافى عمن حوله ، بحيث يبدو قادرا على الاحتفاظ بصورة مدرسته التي تركها بل يخيل إليه أنه لم يبرح مقعده داخل الفصل . والمدهش أن الطفل لا ينتزع شيئا من المدرسة الجديدة وإنما يقوم بفعل سلبي ، يؤدي إلى عدم الاحتكاك بالعالم المحيط به ، وآية ذلك أنه مدرك لعدم قدرته على الانصياع للواقع المر الذي آل إليه ، وفيه أيضا إلماح إلى فطنته .
المدرسة الجديدة كابوس مرعب يرى فيه توحش المكان واختفاء الرفاق ، لكنه يتصدى للرؤية البصرية بذاكرته ، فلا يشاهد في المدرسة والفصل غير صورة أصحابه خاصة "ميرفت" ، على الرغم من وعيه الشديد بأن ما يراه حقيقة لا يدانيها شك . "وعندما أخذتني الأبلة التي هناك وأجلستني في آخر مقعد ..
قلت لها :
-لا يا أبلة أنا بقعد جنب ميرفت في أول تختة
ميرفت وقفت وقالت لها :
-لا يا أبلة أنا بقعد هنا لوحدي
في آخر مقعد جلست ، أمامي تتراص رؤوس صغيرة سوداء " (22) .
هذا الحوار غير المتجانس يوحي بصراع بين وجود وجداني وواقعي ماثل أمامه ، ويشير أيضا إلى امتداد دوافع القطيعة والبعاد والوحشة خاصة المفردات الدالة على المكان "هناك" و"هنا" . فالأولى تشي بالبعد النفسي والتجاهل والتنكر للـ "الأبلة " التي تناقض صورة "أبلة بشات" . والمفردة الثانية التي ذكرت على لسان الطفلة "ميرفت" تستدعي النقيض أيضا "ميرفت" التي كانت تجلس إلى جواره في مدرسته القديمة والوحيدة في حياته . لقد أسفر الجدل عن إقصائه ، ومطاردته حتى خلص وحيدا غير راغب ، لا يرى سوى سواد ممتد بامتداد الفصل .
ونلمح في الحوار أيضا حركة بطيئة وئيدة من ناحية الطفل ، تقابلها أفعال دالة على السرعة والأخذ ، كذلك الجذب والدفع اللذان لا يسلمان من القسوة " أخذتني – أجلستني" .
وكأنها تلقي به في مهوى سحيق . وإذا صح ذلك فهو منيع الجانب ، لا يميل إلا إلى المكان الذي يألفه ، وعليه توارت ملامح البراءة وعز التآلف والوفاق ، لذا راح يستحضر عهده السابق مع البيت القديم ، والمدرسة القديمة ، ورفاقه هناك تلك الصورة الدابرة في اللحظة الآنية ، وكيف غدت نفسه خربة ، "وغمرني شجن هائل ، فبكيت حتى دق جرس الفسحة " (23). هذا المعنى المستكن وراء الحس بالمكان الأول - الذي شكل رؤية الطفل للعالم المحيط به وللزمان والمكان حتى علا فوق المكان الضد / المدرسة الجديدة – قد يعني أنه لا حياة خارج نطاقه ما دام وعيه بالوجود سليل الوعي الحقيقي بجوهر المكان .
ج:الشرفة والنافذة
للشرف والنوافذ حضور حيوي وفاعل في إبداع القاص ، فالسارد يتعرف من خلالها على عالم الشخصيات الخارجي المسكون بدوافع الخوف ، ثم ينتقل إلى الداخل ، ويتغلغل في أعماقها ؛ليعيش معها لحظات التحول /الانتقال الباحثة عن المكان البديل ، على نحو ما تصور ذلك قصة " نادرا ما تمطر ليلة العيد" . يسيطر على الشخصية القصصية "الزوج" إحساس عميق بتسرب الزمن وانقضائه ، يتخذ من الشرفة مكانا تتوجه من خلالها عين الكاميرا نحو الشارع ، تلتقط ما يمور فيه من صخب يقف وراءه خليط غير متجانس من البشر بين الكهولة والطفولة ، أو العجز وعدم الإدراك . ولعل إحساسه بالتفاوت بين هذين النموذجين القابعين في المكان ضاعف من الحالة النفسية والشعورية لديه ."واقف في شرفتك تطل على الشارع بعجوز يسعل سنوات الكهولة ، وامرأة تحمل صاجات الكعك ، وطفلان يحاولان التغللب على العتمة..."(24) .
يرفض ما يراه فيتحول اتجاه العدسة نحو الداخل متعمقة في خلجات الروح الإنسانية، فينشأ الصراع بين المناخ المحيط به وعالم الداخل . ففي الداخل وعي قائم بذاته على معرفة ذات معنى دلالاتها أعمق من حدود الذات المنغلقة . إنه الانفتاح على أمكنة أكثر اتساعا ، "واقف وتلك الانقباضة التي تشبه مقصلة تقطع نشيج قلبك حبات مطر بارد تتساقط من نافذة الشرفة على الرصيف فترسم شوارع أخرى" (25). هنا مكمن الرفض والتمرد على المكان الضيق من خلال اكتشاف عالم آخر مرن يسمح بحرية الانتقال والعبور بلا حواجز مكانية أو حدود زمانية ، وتثبيتها في اللحظة الحالية من الحاضر المعيش . ذاك عالم لا يصفه لسانه وإنما يدركه حسه . والمعنى أنه واقع في قبضة الشرفة ، لا يكاد يبرحها حتى يعود إليها ، فتغدو لوحة هندسية يحفر فوقها مكانا له وجود مستقل ، ثم ينسق المناظر بحيث تتوالى معبرة عن معنى يتميز به ذلك الوجود المتخيل بحركته وحيويته .
تسمح الشرفة بإلقاء الضوء على حياة الشخصية من جوانب متعددة ومتناقضة في توازن متكامل ومتنامي . غير أن الصورة الجميلة تبددها ثرثرة الزوجة مع أختها ، حيث الإفاقة غير المرغوب فيها ، فيكتفي بالفرجة على ارتعاشة جسده المسكون بالعجز عن التواصل وعلى ارتعاشات جسد زوجه الممتلئ بالرغبة في الإخصاب (26)، بحيث تثبت الجدل المتناقض بين عدم القدرة والرغبة في اللحظة الزمانية . ترصد العدسة حالة الفتور الشامل من الداخل ، فتصور لحظة هروب الزوج من المواجهة في لقاء شديد القرب . وعليه فالنافذة والشرفة ملجأ يحتمي فيه الزوج عندما تطارده زوجه من الداخل فـ"يفتح الشرفة" ، وحينما لا يستطيع التواصل مع العالم الخارجي "يغلق النافذة ".
هكذا تتعدد المشاهد وتختلف الأصوات وتتناوب الأماكن داخل ديمومة سيالة توحي بصور جديدة لعالم الداخل والخارج ، ثم يتحرك المكان تبعا للمعطيات الحسية للشخصية ، لكن الزوج آثر الانغلاق على نفسه واختار العزلة عمن حوله مستسلما للارتعاشات التي تجدد طاقة المنبهات الحسية والعقلية ، وكأن الصيغة المناسبة التي تجمعه بالفضاء الخارجي وبزوجه في الداخل غير متحققة . ويمكن القول أن الذات " حملت معها المكان في عزلتها في مجالها الفكري والنفسي " (27) ، بالرغم من أن المثيرات حول الذات متعددة ، تدفعها للخروج عن الصمت ، وتجاوز أفق العزلة المفضية إلى تشتت النفس . فالزوجة مثير- ليس بوصفها جسدا – والأطفال المهرولون بالفوانيس مثير ثان ، والمطر المنهمر مثير ثالث . لقد أخفقت المثيرات كلها أمام عدم الرغبة في التواصل مع العالم المحيط الذي أحبط رغباته وأحلامه وأدى إلى تزايد احتمالات السقوط في أشمل معانيه التي تتأكد معه معاني السكون في المكان " كنت تغلق النافذة والمطر يزداد غزارة ، وعيناك تتابعان العروس والفانوس ملقيين على الأرض ... ويد زوجتك تلتف حول عنقك وتشدك إلى السرير . تطفئ نور الحجرة ونفس الارتعاشات الرتيبة تغزو جسدك ، لكنك كنت تسمع الأطفال وهم يهرولون بفوانيسهم تحت المطر وتعاودك تلك الانقباضة" (28).يفيض المشهد بتوظيف واع لصيغ الأفعال المضارعة التي تتوزع بانتظام يعكس حركة إيقاعية متناغمة ،ترتبط بالمشاعر المتذبذبة ،وتنساب بحركة تلقائية متتالية .ففي داخل اللوحة تنتظم أفعال تدل علي البطء والرتابة وكلهامرتبطة بحركة الزوج في المكان مثل "تغلق – تتابعان – تطفىء – تسمع – تعاودك "،وعلي النقيض منها أفعال لها قدرة علي استثمار الفعل الإيجابي المؤدي إلي حركة تفيض دلالة تغني عن التعليق والتفصيل نحو "يزداد – تلتف- تشد – تغزو – يهرولون " .
واللافت أن حركة الزوج المتسمة بالسلبية علي المستوي الظاهر تنحصر في فعلين "تغلق " و "تطفيء" وما عدا ذلك فالأفعال مرتبطة بالمشاعر والأحاسيس .وكأنه يتخلص تدريجيا من علاقته بالعالم الخارجي ؛لانشغاله بأعماق الداخل ،حيث الفضاء الواسع الذي شيدته "حبات مطر بارد تتساقط من نافذة الشرفة " ،ولعل روحه تنقبض لعدم التواصل معه ،مما يثري المشهد بتوازن متناقض ومتكامل ،قد يتحول في لحظة من لحظات الزمن إلي فعل له وجود في في الزمان والمكان .
د:الزنزانة :
يستحضر فضاء الزنزانة في نص "أغنية الذي مات " صورة تضارع صورة الزنزانة في عالم محمد البساطي (29) من حيث هدوء الشخصية وحركتها الوئيدة في المكان وقدرتها الفائقة على ضبط النفس ، فتقيم معه علاقة ود وألفة ، وهي لا تشغل المساحة الضيقة المحدودة المنغلقة كلها ، وإنما تكتفي بجزء يسير يسمح بموضع القدمين حتى يخيل إلى المرء أن هذه النماذج من الشخصيات قد تموت إذا خرجت إلى المكان الواسع . ذلك أن المكان الضيق يمنحها القدرة على التأمل ، وكيفية التعايش مع الظرف القهري . وكأن الزنزانة فضاء ممتد للحركة والفعل والتداعيات.
واللافت أن الشخصية في نص "أغنية الذي مات " تمتلك قدرة ما على التواصل مع العالم الخارجي ، بالرغم من أن " الانغلاق يعني العجز وعدم القدرة على الفعل أو التفاعل مع العالم الخارجي "(30). لقد ألفت الشخصية حياة الجدران، ليس لديها رغبة في الخروج ، فالكل يهرول حولها ، يقول" عراة يهربون ، يهربون وتبقى وحدك ، زنازينهم المغلقة فتحت أبوابها ، فتحت حجراتها ... ، ...، ابتعد الجدار يسقط فوق رأسك " (31) . أخفقت الزنزانة في التأثير على تكوين الشخصية ، وأسلوب تعاملها مع محيطها الخارجي ، بما تمتلكه الأخيرة من طاقة متجددة قد لا نعيها فتصبح مفتاحا لما يرجوه الإنسان من نور وحياة تحيا بها العقول ممهدة لذلك طريقا يخرج الإنسان بعيدا عن أفق المكان المحدود الذي تعانيه إلى فضاء أكثر رحابة وإشراقا . وهناك ملمح مهم في تركيب هذه الشخصية وهو الصمت الذي يكتنفها ، بيد أنه صمت الحالم الذي يحطم المسافات المصطنعة التي تحول دون تحقيق أهدافه، ويجد في ذلك لذة الحياة التي ترسم صورة ممكنة للمكان وحالة العجز والمهانة المحيطة به ، يقول له الراوي " اصرخ – لن يفيدك الصمت .
لن تقو على النهوض ، الطيور الغريبة على نافذة زنزانتك " (32) .
ضمن هذا الفضاء الذي يتيح للشخصية القصصية أن تكون ذات ملامح ملائمة لاستشراف المستقبل حسب تصوراتها لا تعبأ بما يدور حولها ، لكنها تعي ما تقدم عليه معتمدة على ذاكرتها باعتبارها خزانا لخبرات متراكمة تنشغل بها عن الفراغ المتطاول في أيامها ولياليها ، لا تملك له دفعا إلا ترك النظر في شأن الزنزانة والقائمين عليها . ناهيك عن أنها لم تنطق بكلمة واحدة ،ولم تستخدم أي حواس من سمع وبصر وشم ولمس في تعاملها مع المكان ، ولم تحاول استيعابه من أية زاوية ، وتظل على هذه الحال حتى تخرج من دون أن تغير الزنزانة شيئا في تكوينها الذي تحرص عليه حرصها على كل نفيس ، "تخرج الآن من زنزانتك ، نفس الشوارع والبيوت ، نفس الملامح التي اعتدتها ، نفس الاسم الذي كانوا ينادونك به .. الشبورة كثيفة ، لا أحد يعرفك ، لكنك تسير " (33) في عالمك الداخلي الذي يستوعب الفضاء الخارجي ويرادف في الأذهان فضاء مستوف واضح المعالم، قد يكون فيه بحث على المعرفة ومعنى الوجود ، إذ لا يكف نداء الحياة عن الدعوة لمواصلة البحث عن الحقيقة المطلقة التي غرستها الزنزانة في الشخصية القصصية ، فأضحت الزنزانة حقيقة لا يمكن إسقاطها ؛ لأن ذلك يعني عزل الأخيرة عن زمانها ومكانها وتصورها مفرغة من كل معنى.

هـ: الشارع :
مكان مفتوح يشكل ذاكرة مليئة بالمتناقضات ، فياضة بالتجارب ، ويسهم في ترسيخ مفاهيم متفاوتة ترصد تحولات المدينة وتطورها .وطبيعي أن ترتبط به الشخصية لتأثيره البالغ في ذاكرتها وعلاقاتها يصف حركتها فوق المكان حيث تختلط الحياة اليومية بالذاكرة التي تحاول تشييده كما تريد.
يقوم تصور الشارع في نصوص المجموعة على العلاقة الجدلية بين الواقع المعيش والذاكرة ، ففي قصة " نادرا ما تمطر ليلة العيد " ارتبطت حركة الشارع بلحظات التأمل العميق التي باعدت المسافة بين الشخصية والشارع بحيث تبدو محاولة الصلح بينهما عسيرة وغير مثمرة ؛ بسبب الحساسية والانفعال تجاه المكان .
والقارئ في النص لا تكاد تقع عينه على مفردة واحدة تحمل قدرا من الفرح أو الغبطة أو الدفء والنقاء المرادف للأحساس بالأمن والطمأنينة في الشارع . فالشخصية لا ترى فيه غير عجوز " يسعل سنوات الكهولة ، وامرأة تحمل صاجات الكعك ، وطفلان يحاولان التغلب على العتمة والصقيع بضوء الفانوس الملون " (34). والمعنى أن البحث عن الحركات والأصوات والتفاصيل لاتكشف إلا عن فعل الزمان وتجليه ، الذي يشكل ملامح الشخصيات القصصية . إن حضور الزمان في المكان يمارس سطوته ، ويجسد صورة الشارع وملامحه . من هنا تتحول الصورة البصرية إلى الداخل فتنشط عبر الذاكرة صورة على النقيض يغدو معها الشارع مهرجانا من الألوان والأضواء والأصحاب ، كل ما فيها يوحي بطبيعة الجمال ومظاهر البهجة . " تغلق خلفك الباب وتفتح الشوارع لخطواتك ، كل هذا الضجيج والأنوار والزينات وتفتد شيئا ما ، شيء أثير يحرك الحياة داخلك ، شيء يدفعك سنوات إلى الوراء ... ورق الزينة ، الفوانيس ، الشمع ، الصحبة ، ومباريات الفجر ، مدفع الإفطار "(35). يبدو أن ما يظهر على السطح أمام الشخصية من مظاهر لم يحل دون تعمقها في البحث عن شيء مفقود يعجز عن الإتيان به الضجيج والزينات . إن الانتقال من الخارج إلى الداخل يقدم شكلا من أشكال القهر الذي يمتد إلى أعماق التكوين النفسي للشخصية المحاصرة والحائرة في الوقت ذاته ؛ طلبا للمكان المرغوب فيه المرتبط بذكريات الطفولة .
بيد أن تلك الصورة القابعة في الذاكرة تذوب في الزحام ، وتظهر وجوه شكل ملامحها الصقيع (36). وسبب هذا الخلل والاضطراب أن الشارع مسئول عن سلوك الشخصيات ،ينتزع جلدتهم ، ويبدلهم جلودا غيرها مسكونة بالخوف الذي يرادفه عدم الشعور بالحركة الفاعلة التي يتسم بها الشارع .وعليه لا تكاد تختلف صورة الشوارع الخالية الكئيبة عن تلك المزدحمة مادامت لا تحض إلا على النفور والإحساس بالوحدة والكآبة ، ففي قصة "أغنية الذي مات " يستوي ما بداخل الشخصية القصصية مع ما تقع عليه عينها من صور مختلفة للفراغ والعدم المتسرب من الخارج إلى الداخل ، يقول "الشوارع واسعة وطويلة ، خالية وكئيبة تشاركك نفس الألم والحزن " (37) المتولد عن اختناقات الحياة اليومية الصاخبة التي يصعب معها العيش في مكان واحد.وإذا منح النص الشارع حركة فإنها تأتي على غير المألوف ، فتصير حركة فتاكة كما في نص " كتالوج الديكة والطاووس" "كان يعرف أن الشارع بحركته الشرسة لا يعبأ بخطوات السلحفاة " (38) تجلى الشارع بصورة لا مفر من مواجهتها وإعلانها وإدخالها في جدل لا يعرف المرونة قدر ما يعي أبعاد المأساة الحقيقية التي ترى أنه لا سبيل إلى التأليف بين المتناقضين ، وذلك عندما يصبح الشارع مدنسا ، ومسكونا بشبق الجنس والحياة فـ"صالة العرض تقع في الشارع رقم 13 " (39) حيث تمارس سلوكيات منحلة تبحث عن المتعة . لقد تجلت حركة الشارع – ويا لها من حركة – باعثة علاقات جديدة تمثل نسقا من النظام الطبيعي للمكان يصدم حس المتلقي حتى صارت هذه الممارسات غير مرضية ولا مجدية ،فهذا الرقم "حرصت نصف نساء البلدة علي حفظه ،وحاول نصف رجال البلدة علي طمسه من ذاكرة نسائهم ".يحمل الشارع ملامح نفسية وسلوكية منحدرة من المجتمع ،يصعب اجتيازها أو تجاوزها ،ويستخلص من عمق تجربتها مدي خيبة الآمال التي حلت بالمكان فغدا صنوا للملهى والأماكن المشبوهة ، وإن كان التشبيه فيه قسوة ، تلك ذروة المعاناة التي تنتهي بالرفض الكامل لهذه الممارسات التي تجمعه بمكان لايستطيع فهمه أو تقبله .
د:الرصيف :
لمتابعة المقال كاملا
http://ahmedtoson.blogspot.com/2010/...g-post_16.html






 
رد مع اقتباس
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 08:45 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط