الفصل السادس
على غير العادة أدخلنا ذلك اليوم قاعة الرياضة صباحا. كان المدرب يمضغ العلكة بعصبية بادية. أمرنا أن نرتدي لباس المصارعة و أن نقوم بتسخين عضلاتنا على عجل، ثم صفنا اثنين اثنين متقابلين على البساط و قال إننا سنجري تمارين بيانية لضيوف مهمين، و علينا أن نبدي كل المهارات التي علمنا إياها.
لم يدم تساؤلنا عن هؤلاء الضيوف" المهمين " حتى رأينا المدير بصلعته التالفة يحاذيه رجلان عسكريان و يتجهون إلى طاولة صفت خلفها أربعة كراس ، يجلسون، و ينزع العسكريان قبعتيهما و يضعانهما بين يديهما فوق الطاولة، و يومئ المدير برأسه إلى المدرب فيصيح بنا:
- شباب...كن...
فيضخم فضاء القاعة صوتنا الجماعي:
- مستعد.
و نقف لثوان منتصبين ثم ننحني لبعضنا و نشتبك في عراك مصحوب بتلك الصرخات الوحشية.
عراك ما انفك يذكرني بتناطح الكباش في مرج عيتر، و بتناقر ديكة العجوز فطوم على الساحة المتربة تغرق بالوحل أيام الشتاء، فتعسر الحركة، فتقصد فطوم بعودها النحيف كوخ التبن تملأ قفة الحلفاء تبنا و تذرذره في الساحة إلى أن تغدو بيضاء، و تجتمع العصافير و الدجاج و الديكة تبحث في مساحة التبن عن حبات قمح مندسة، و يتلألأ المشهد تحت إشراق الشمس الكذابة، شمس الشتاء التي سرعان ما تحجبها غيوم داكنة مثقلة بالمطر و االبرد، ثمة يحلو للديكة أن تتناقر، و يحلو لي أنا أن أرقبها مندسا في كوخ التبن. و يكون صراعا داميا ينتهي بفرار أحدهما.
و كان الشيخ مسعود يذبح دائما في الليالي العاصفة الديك المنهزم، كان يقول لي:
- المنهزم خير له ألاّ يعيش.
و أحسست بضربة خاطفة من خصمي تكاد تمزق أذني، و كانت يدي رحلت في اتجاه وجهه لا أملك لها ردا، فلاحت أسنانه حمراء ، و أسرع المدرب يلوي يدي خلف ظهري و يصيح:
- ألم أحذركم من أن تصيبوا بعضكم ؟
أحنيت رأسي و قد اعتصر الألم قلبي لصاحبي الذي حمله مراقب للعيادة، اليتم و الضربة الموجعة على الفم ، لماذا؟
و غمرني إشفاق موجع أذاب قلبي رثاء لصاحبي. انتحيت جانبا أرقبهم يواصلون تمارينهم في خفة و رشاقة و المدرب لا يكف عن الحركة، و كان العسكريان يميلان برأسيهما على بعضهما، حتى بدا كأن وجود المدير إلى جنبهما لا يعنيهما.
و عاد المراقب بصاحبي تشد شفته السفلى لفافة ، انزلقت عيني على يدي ثم غارت في داخلي تبحث عن الكبش الرابض فيّ، ثم أطلت على يده يمدها نحوي:
ـ بكل روح رياضية.
و صافحته:
- لم أكن أنوي.
أوقف المدرب التمارين و أومأ إلينا أن ندخل الصف. و تطلعنا إلى المدير يقوم ثم يبسط ورقة أمامه، يضع العسكريان قبعتيهما تحت إبطيهما، يخطب المدير، يقرأ الورقة بلغة مكسرة، يقول إن المركز أنهى الواجب معنا، و إنه يسلمنا إلى جهة هي في حاجة إلينا، و إن سيادته لواثق بأن نكون أبناء بررة للجزائر الحبيبة.
أنهى المدير كلمته ماسحا على شاربه و بطنه.
و أخرجونا إلى الساحة، هناك كانت حافلة بلون البذلة التي يرتديها العسكريان، قلبنا عيوننا، أدركنا أنها الجهة التي يسلموننا إليها.
كان المدير مزهوا بالكلمة التي ألقاها، صافحنا واحدا واحدا من غير أن يقدر ما يعتمل في داخلنا تلك اللحظة. تسلم العسكري قائمة بأسمائنا ثم شرع ينادينا ليركب كل من سمع اسمه الحافلة، هكذا بملابس المصارعة...!
و نادى على اسمي فتثاقلت رجلاي، و كرر النداء فقلت :
- هل تسمح لي أن آخذ بعض الأشياء من خزانتي؟
فقال العسكري الآخر في صرامة:
- لن تكونوا في حاجة إلى شيء من أشيائكم هنا، عندنا نوفر لكم كل ما يناسبكم.
ركبت الحافلة و كنت أود لو سمح لي أن آخذ معي المصباح الذي أهدتنيه نوارة، لكن الرجل أغلق الباب خلفه وهو يتأبط ملفاتنا.
وتحركت الحافلة إلى جهة ما، لم تكن عيناي إلى الخارج، كنت أكب رأسي بين يدي...
و لكزني أحمد:
- ارفع رأسك، هل تحزن لأننا نغادر هذه المزبلة، مهما تكن الجهة التي نحول إليها فلن تكون أسوأ مما كنا فيه.
و رفعت رأسي، لكن عيني ظلتا تحدقان في داخلي، شيء ما يشدني إلى هذا المركز رغم الأماسي الحزينة و الليالي الباردة و تكوري في البطانية أهذي بأن أعود إلى رحم أمي و صرير السرير الحديدي ارتخت أسلاكه يمتزج برائحة الصنان المنبعثة من الفراش المتسللة من الرواق المفتوح على دورة المياه المكسرة الأبوب. رغم الكآبة و تأفف العاملين بوجوههم الكرتونية الممسوحة من أي حس أو المطلية بغشاء كاذب من الرحمة و الشفقة المزعومة إذ يطل من العيون لحظة نفاد صبرهم معنا ذلك التعبير المقيت يعلن قاسيا عاريا أننا أولاد حرام. رغم وقوفي كالأبله وراء المرآة الوحيدة المعلقة في دورة المياه تآكلت حواشيها بالصدأ فتضبب سطحها أحدق في ملامحي أبحث في وجهي عن صورة أمي و أبي، أيهما أشبه؟ هي أم هو؟ و يصرخ فيّ النقيض الذي أجمعه، شقرة شعري و سواد عيني، أنني نتاج طبيعي للقاء غير طبيعي، يكرس فيّ الإحساس الرهيب بالانفصال لكن نوارة تشدني بحفيف ثوبها و أريج عطرها، يغمرني وجودها بذلك الدفء العجيب فترتعش أناملي تخط المحاولات الشعرية الساذجة، أعطيها صورة الشمس تشرق على الجميع و عليّ خاصة، و حين غابت تلك الشهور الدهوركنت أعيش على نور مصباحها اليدوي، اعتبرته مصباح حياتي يستمد نوره من ضوء شمسها ، فلماذا حرموني منه؟ إلى أين نتجه؟ كأني أقتلع...كأني أحب نوارة؟ ماذا أقصد؟ إني لا أعرف ماذا أعني ألا يمكن أن تكون في سن أمي؟ ربما أصغر قليلا؟ إلى أين تتجه هذه الحافلة الحمقاء؟
- ألى أين نتجه؟
- الحمد لله أن نطقت أخيرا، إننا نبتعد عن المزبلة و كفى.
و أطل رأس ما بين الكرسيين ملتفتا إلينا مبتهجا:
- سيقودوننا إلى الثكنة، نتدرب على السلاح، و نصبح عسكرا فلن يجرأ على سبنا، انتهى عهد الهوان يا أولاد.
- يحيا العسكر...
و كانت الحافلة تنعطف انعطافا حادا أكب زميلي عليّ بينما أنا منكب على كبدي أجمع شتاتي المتلاشي مع طيات الطريق، أجتهد في إقناع نفسي أني إنسان يشعر بالحزن لفراق من يحب، حب من؟ نوارة...؟ و لكن كيف؟ أهو حب الولد لأمه أم حب الرجل للمرأة؟
لم يكن في وسعي أن أجيب عن ذلك السؤال المحرج إلاّ بشعور حاد يملأ كياني اشمئزازا، شعوري بالكبشية، بأني كبش أسوق في هذه الحافلة الخضراء، الكبش الذي حدثني عنه الشيخ مسعود ذات مساء ثقيل، ذاك الذي لا يهمه من تكون أمه، و إن لقيها لا يتعرف عليها، و قد يركبها كما قد يركب أية أنثى.
إيه... الرحمة أم اللعنة عليك يا شيخ مسعود؟ و ما جيمك؟ جنة أم جحيم و أما أنا فإني لا أميز في هذه اللحظة إلاّ شعوري الحاد بالكبشية التي حدثتني عنها.
و انعطفت الحافلة انعطافا أخيرا انسربت على إثره عبر بوابة فخمة إلى ثكنة واسعة استقام فيها طريق مزدوج اصطفت وسطه أشجار نخيل تساوت و امتدت إلى حيث انتصبت بناية جليلة كتب على واجهتها بخط عريض " مديرية التدريب."
توقفت الحافلة، قفز العسكريان يحثاننا على النزول و الاصطفاف مثنى مثنى. دخل أحدهما بملفاتنا إلى المديرية و قادنا الآخر إلى مخزن الألبسة. هناك حملنا بكسوتنا الجديدة ثم سير بنا إلى مرقدنا. أمرنا بوضع متاعنا في الخزائن، ثم سريعا إلى الاصطفاف خارج المرقد محملين بالمناشف و الصابون، إلى الحلاق يقص شعورنا، إلى الدوش، ثم إلى المرقد ثانية.
- البسوا ما كستكم به الدولة و الزموا المرقد إلى أمر آخر