كانت بعض أشعّة الشّمس قد تسلّلت في خفر من نافذة غرفتي وداعبت جسدي فاندفعت من الفراش وتحمّمت لأقضي على بقايا ألم صاحبني الأيّام الماضية.
ترشّفت قهوتي الصّباحيّة كعادتي كلّ يوم في شرفة منزلي المطلّة على الشّارع الرّئيسيّ ثمّ خرجت لأتنسّم الهواء العليل في أطراف المدينة حيث الخضرة والجمال.
حين وجدته هناك كان رذاذ المطر العالق بأوراق الشّجر بعد تهاطل الأمطار ليلا يتناثر على جسمه المنكمش.كان متكوّرا عاى نفسه لا تكاد تميّز رأسه من قدميه.
حرّكته في هدوء فاستفاق مذعورا.عندما فتح عينيه الغائرتين وجدتهما تتحدّثان في صمت ، تنسجان قصّة سنين ، تفضحان بعض ما يحمله بين جوانحه الصّغيرة.
تثاقل في الجلوس. لم يكن يقوى على النّهوض. بالكاد يحرّك جسده المكدود.
أين كنت ؟ما علّة وجودك في هذا المكان ؟ ما قصّتك؟
تساؤلات جالت في خاطري لكنّني أبقيتها سجينة فكري حتّى لا تضيق نفسه .كنت أريد أن يطمئنّ إليّ لذا اكتفيت في بادئ الأمر بمعرفة إسمه.
قال في صوت ضعيف " حسام هكذا كانت تناديني جدّتي ".
كانت عيناه تتوجّعان ، تصرخان ، تكتبان بعض أسراره بنظرات منكسرة.
بعد أن تحامل على نفسه ووقف راعتني تلك الخرقة البالية التي سترت جسمه .فقد تراكمت عليها الأوساخ حتّى أصبحت قطعة سميكة لا تطيع بدنه ولا تيسّر حركته.
ويلاه كيف ترسم الحياة بألوانها الزّاهية مثل هذه الصّورة ؟ أيّ ريشة لطّخت بياض الفضاء ببقع سوداء فشكّلت معالم هذا الرّسم ؟
ترنّحت من وقع المرارة التي أصابتني لكنّي تماسكت وتظاهرت بالقوّة.
لمّا لان وأفرخ روعه سألته عن سرّ تواجده في هذا المكان على تلك الهيئة .
انبرى يتحدّث بصوت منكسريختزن آلامه " إنّه بيت آوي إليه إذا ما أنهكني التّعب وداهمني النّعاس. قد أتركه لبعض الوقت ثمّ أعود إليه.هذا دأبي منذ خمس سنوات وتحديدا منذ فارقت جدّتي الحياة.فأنا قد ألتحف السّماء وأبتسط الأرض فأنام في العراء كما ترين الآن وقد ألجأ إلى بعض الأروقة أو مراكز العلاج السّريع لأقي نفسي قرّ الشتاء.
لقد لفظني بيت جدّتي بعد رحيلها الأبديّ.لفظني دون رحمة فآوتني شوارع هذه المدينة الواسعة. ماذا عساي أفعل غير ذلك؟ "
أجهش ببكاء دوّى في أعماق نفسه ونفسي ولا شكّ أنّ صداه قد تردّد في أعماق هذا الوجود.
صمت بعض الوقت .كانت نظراته زائغة ونفسه مضطربة.لم يكن متوازنا هذا ما أدركته من طريقة كلامه.لقد حفرت الحياة أخاديد في مسيرته القصيرةهذه .فهو لم يتجاوز الخامسة عشرمن العمر.
لكن لماذا فارق بيت جدّته؟ أو بالأحرىلماذا قذف به البيت خارجه كما تقذف البراكين حممها ؟
إنّ الخطيئة التي يتحمّل الآن أوزارها دون ذنب هي التي ألقت به في لجّ الضّياع.
احتضنه رحم الأمّ دون شكّ لكن لم تحتضنه مشاعرها التي افتقدها منذ نفخت فيه الرّوح.
كان في نقطة التّلاشي داخل لوحة الحياة المتقلّبة أحوالها. أب مجهول لا يعرف له وطن ولم يمنحه نسبه وأمّ أهملته منذ ولادته وانشغلت عنه بحياتها الخاصّة.
تحدّث عنها وهويبكي بكاء صامتا "لم أشعر بدفئها يوما.التقيتها مرّتين أو ثلاثا لا غير.
كان آخر لقاء بيننا قبل عام في المستشفى عندما أجريت لي جراحة بسبب تسوّس في إحدى الأذنين نجم عن نومي في العراء.حينها كانت مصحوبة برجل غريب لا أدري إن كان زوجها .قالت لي سأمنحك لقبه .لكنّني لم أرها لاحقا.إنّني بلا مأوى ولا أهل ولا هويّة حتّى خالتي التي هاتفت أميّ لتعلمها بمرضي أغلقت هاتفها وقطعت صلتها بي.رفضني الجميع بعد موت جدّتي .أيّ ذنب ارتكبته؟"
كان الكلام يصدر من حنجرته متقطّعا مضطربا فاضحا ما في نفسه من مرارة تلك السّنين.
أخبرني لاحقا أنّه لم يكن قادراعلى النّوم في طمأنينة طوال تلك الفترة فأهوال الشّارع غير قليلة وعليه أن يحمي نفسه من شرّها.
لم يكن بدّ من مصاحبته إلى بيتي.كان في حاجة ماسّة إلى الرّاحة.
أعددت له حمّاما ساخنا وثيابا نظيفة وطعاما يسدّ به بعض الحرمان.فقد كان على امتداد تلك السّنين يعيش على الكفاف فيكتفي بالقليل الذي يجود به عليه الآخرون.
أخبرني أنّ عظامه تئنّ تحت وطأة سوء التّغذية وقساوة النّوم في العراء.
كيف يفقد الإنسان إنسانيّته بهذا الشّكل المهين ؟كيف يتحمّل أخطاء الآخرين دون ذنب؟
أيّ شرّ قد يصيب المرء فيدوس تحت قدميه قيم الفضيلة ؟
حملت همّ هذا الطّفل ذي القلب الصّغيرالمفعم بالجروح.وأعلمته أنّني مستعدّة لمنحه لقب عائلتي.
لكن هل أستطيع أن أعيد إليه بسمة الطّفولة المغتصبة ؟ إنّه يبحث عن الاستقرار. يريد أن يعرف أباه وينتسب إليه.
يبدو عالم هذا الصّبيّ ضئيلا دون رحم يقيه شرّ المجهول.
بقلم نادية
ملاحظة:
القصّة من صميم الواقع.شخصيّاتها ليست ورقيّة لكنّها من لحم ودم.إسم البطل حقيقيّ ومأساته لها وجود فعليّ والسّيدة الفاضلة التي وجدته عبّرت عن استعدادها لتبنّيه مثلما عبّرت عائلات كثيرة عن الرّغبة نفسها