تتحول كتيبتنا إلى التدريب على أنواع السير العسكري ، العادي، السريع، و هيئات حمل السلاح، حتى إذا كانت العاشرة إلا ربع دفعننا السلاح و أخذنا فسحة ربع ساعة توزع علينا فيها لمجات، ربع خبزة و حبة بيض مسلوقة أو قطعة جبن طرية ننتظرها بفارغ الصبر، تأتي على تعب و جوع فنلتهمها في شراهة، نتلمظ ، لا تشبع جوعنا لكنها تفتح شهيتنا على رغبة عارمة في الأكل ، تفتح شهوتنا، حتى لو قدمت لنا كلاب و قطط مشوية أو مسلوقة لما ترددنا في التهامها..
ينتهي ربع الساعة، نكون قد أخذنا محافظنا من المراقد و تحركنا بالخطوة العادية، المحافظ تحت الإبط الأيسر، و اليد اليمنى كالبندول أماما وراء، وراء أماما إلى قاعات الدراسة ، ندرس بلغة خشنة، أنواع القتال و صنوفه، دفاع، هجوم، هجوم مضاد، استطلاع، هندسة عسكرية ، طوبوغرافيا، أسلحة، إشارة، تنقل...
حتى إذا كانت الساعة الواحدة أودعنا محافظنا خزائننا بالمراقد، ثم اتجهنا بالخطوة العادية إلى المطعم ، ساعة واحدة كافية لأن نلتهم طعامنا و نمد جذوعنا قليلا ، حتى إذا راودنا الخدر و انطوى كل على ذاته مستسلما لمداعبة إغفاءة عذبة نزلت الكلمة الصاعقة " اجمع، اجمع، اجمع" يطلقها الضابط الأسبوعي متوالية مزمجرة مفرقعة فنهب مقتلعين من أعماقنا نتجمع.
ننطلق بالخطوة السريعة إلى ميدان المقاتل نطبق ما أخذناه نظريا في الصباح، نفجر، نرمي، نشن إغارة، نتخندق، ننصب كمينا، ننفذ مسيرا طبوغرافيا، نقوم باتصالات إشارية، نتموه...
عند الساعة الخامسة يعوي فينا التعب، نتجه إلى ساحة العلم بأناشيد الصباح، لكن بقوة خائرة، ننزل العلم، يعطى إيعاز التفرق، نتنفس الصعداء إن لم يكن هناك برنامج ليلي، ساعتان يأخذني فيهما النادي و الغروب و الجبل، السابعة العشاء، التاسعة تطفأ الأنوار، و انتهى يوم.
و كان يوم الاثنين متميزا، يخصص صباحه للتدريب على مسير المقاتل، ذلكم المسير المعوج الملتوي المليء بالعراقيل و الوهاد و الأغوار. نجتازه جريا، فزحفا، فتسلقا، فقفزا ، فخطوات عملاقة على أضلاع تتباعد و تعلو، و الساقط بين الضلعين قد يفقد أسنانه أو حياته، فخطوات راقصة مضبوطة على أوتاد مغروسة في بركة وحلة تمثل حقل ألغام، فاختراق لهب العجلات المحترقة، فالسقوط في الحفرة العميقة و الخروج منها بالارتكاز على زاويتها القائمة.
و كنا في خفية عن أعين المدربين يحني بعضنا ظهره لبعضنا فنخرج و قد و فرنا الجهد لما بقي من الحواجز الظاهرة في الحفرة العميقة. كنت أذكر العجوز فطوم تحني لي ظهرها المحدودب فيراودني شعور بغيض إذ يقع في نفسي أن تلك الحفرة اللعينة في تلك اللحظات القصيرة تجسد حقيقة حياتي بأبعادها، إذ يتجلى لي أني أعيش في حفرة دائمة لا مخرج منها إلا بمعرفة الحقيقة التي ظللت آمل دائما أن تكون مخفية على الوجه الذي أحب، سيأتي يوم تنكشف فيه الحقيقة مشرقة مبهجة تمحو كل الأيام السوداء، حقيقة فيها بطولة و مجد و زهو، و أنا الآن في الثكنة أشعر ببهجة الانتماء إلى الوطن، و سيكون الابتهاج أعظم عندما أكتشف الحقيقة كاملة، لكن الحفرة اللعينة في تلك اللحظات التعيسة تردني إلى البداية و تمدني إلى النهاية، تردني إلى يوم كنت أعيش الغطاء الأول للحقيقة معتقدا أن العجوز جدتي و أن الشيخ جدي، و قد أنزل حفرة القبر في النهاية و لم أعرف أ كنت عشت الحقيقة أم غطاءها، لكني سأكون على يقين أني عشت حفرة من الحفرة إلى الحفرة ، فكنت أمتلئ اشمئزازا منها، و أود لو تردم بكل ما في الدنيا من حجارة.
في مساء الاثنين كانت المحافظة السياسية للجيش تأخذنا في جناحها الفخم الأنيق بالثكنة، نخلع عنا بذلة المقاتل و حذاءها الخشن، و نرتدي بزة الخروج الرهيفة، نسوي ربطات العنق التي دربنا هي الأخرى على عقدها فأتقننا ربطها، كنا نتفنن فيها و نعشقها، ربما كانت تمثل لدينا الاحترام الذي نفتقده في أعماقنا، أحذية خفيفة لماعة تستريح فيها أرجلنا من خشونة أحذية القتال، قبعات شامخة... ننظر إلى بعضنا، ما أجمل أناقتنا! نتأبط محافظنا، نسير بالخطوة الحازمة إلى جناح المحافظة السياسية، يأخذني بريق أروقتها و أساطينها الرخامية، ندخل القاعة الفخمة للمحاضرات...