الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 17-05-2025, 06:21 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
ميمون حرش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







ميمون حرش غير متصل


افتراضي البيت الصامت

البيت الذي تعيش فيه "س" معحمار الناعورة (هكذا باتت تسمي زوجها) هو هبة من والدها، ولولاه لكانت الآن تفترش العراء، وتلتحف الفضاء.. أبوها قبل أن يموت أوصى بها إخوتها.. هؤلاء تزوجوا، وغيروا جلودهم؛ فأداروا للأخت ظهورهم، والأب الذي كان يعلم، بحكم التجربة، أن الإخوة - مثل الزمن - يقلبون ظهر المجنّ، دون سابق إنذار، وهب لابنته بيتاًً متواضعاً. ولأنها وحيدته، فضلاً عن أنها لم تكمل دراستها، أشفق عليها ، وحين دق بابَها أولُ خِطب، أصرت على الزواج به، ولم يُغْرها منه غيرُ شيء واحد هو وسامته، أما الباقي فستكشف عنه الأيامخارج السرير.
"س" هي الآن أم لثلاثة أولاد، تعتبرهم يتامى!.. أكبرهم وأسلمهم أنحل من قلم، وأقحل من جلم .. أبوهم مجرد قُعدة جُثمة، لا ترشح صفاته، ولا تندى حصاته .. لا يكاد يبرح بيته، وإذا حمل نفسه وخرج فأقصاه مقهى الحي،لا يبتعد كثيراً عن البيت كطفل يخشى الضياع، وهناك يخمر لساعات حيث يلعب "الكارطا" مع أترابه، ويدخن الحشيش..
يستيقظ متأخراً، ولا يهمه من أمر البيت شيء .. همُّه انتظار آخر الشهر ليقبض نصيبه من ثمن كراء مرآب البيت .. ولولاه لعاشت الأسرة بؤساً لا نظيرله...
وحين يضاف إلى هذا البؤس صمت القبور الذي يخيم على الأسرة، والذي يمارسه الأعضاء بشهية مُدمن، يصبح العيش لا يُطاق في غياب التواصل، وتعطل لغة الكلام..
الكلمات التي يرددها الزوج في اليوم الواحد معدودة، حفظتها "س" .. ولولاها لأمكن لها أن تعتبره مجرد أخرس، والزواج - الذي دام أكثر من عشر سنوات - لو تُرجم إلى سيناريو فيلم لما اكتملت صفحة واحدة منه؛ بسبب صمته المزمن!... في الأول، كانت تفتح معه قنوات عدة للحوار، ولأنها لم تكن تحصد منها غير زفرات تترع من الأعماق متلوة بمبررات لا تقنع حتى الأطفال الصغار: "أنا عاطل من العمل"، والأبواب موصدة، والدرهم صار عزيزاً..." جارته في صمته، فاحترفته، وأدمنت عليه هي الأخرى..
الزوج "س"، في كل يوم جديد، تنشغل بأمور البيت على سبيل التسلية .. تكنس، تجلس، تقف، تفتح نافذة، تغلق أخرى... وهو منزوٍ في ركن يرمقها صامتاً. وحين تملّ من نظراته، تزيد في زوادة مسجّلتها الوحيدة. تدير شريطها اليتيم، وتستمع لهيفاء وهبي؛ فتغرق في "الواوا" .. فلا الصوت يغريها ولا الكلمات .. إنما فقط لأن هناك مَنْ يقول لها إن لها نصيباً من الشَّبَه معها .. والزوج يظل سادراً، مدندناً، وغارقاً في قصبة رقيقة بَرَاها بنفسه، يمجّ منها أنفاساً طويلة من حشيش الكيف .. يملأ فِناء البيت بروائحَ كريهة اعتادت عليها زوجته مرغمة مع مرور الأيام. هي طالما حمّلت نضاء أجسام الأولاد، وتدني مستواهم الدراسي، وما يعمهم من قشَف، فضلاً عن الشظف، لهذه المادة المخدِّرة... والزوج غير مبال، لا يكش ولا ينش..
ورثتِ الزوج "س"، وكذلك الأولاد، الصمت منه .. قلّ كلام الأم حتى مع أولادها، وهؤلاء يقلدون أحجار أبي الهول داخل فصولهم الدراسية؛ ذهابهم إلى المدرسة، كما أوْبَتهم منها،جحيم مقيم، على ظهورهم يحملون لا محافظهم فقط، بل بيتهم البارد الصامت...هم مجرد صور في رسوم متحركة بلغة "شارلي شابلن"..
وحين تجتمع الأسرة داخل البيت، تخال على رؤوسها الطير .. شيء واحدٌ مشترك بينهم، وبخيط رفيع يجمعهم .. إنه استمراؤهم الصمتَ، يمور كفُرْن داخل صدر كل واحد منهم، ينداح مع نسيج حكايا خاصة، كل واحد يرعى بداية حكايته.. يسقيها بصمت، ولكن لا أحد منهم يعرف مآلها، ولا كيف ستكون نهايتها .. ومع ذلك، هم ثرثارون مع النفس الأماّرة بالصمت .. ينسجون منها بقاياهم، ويلملمون سواد ليلهم، وبياض نهارهم، ندفاً عبارة عن حوار متخيّل يوزعونه على كل الزوايا في البيت .. قد لا يعني أحداً، لكنه يُغرس مع ذلك، علَّه ينبتُ في مكان من البيت - يوما ما - فمٌ يحكي عن الكل البدايةَ والنهاية معاً..
الولد البكر لا يفهم لماذا لا يتواصل أبواه، وهذا الصمت المزمن الذي يعانقه في بيت بارد هو "وضعية مشكلة"، وما يتعلمه من دروس في المدرسة عن الأسرة، بوصفها خلية متماسكة، يتهاوى، مع أبويه داخل البيت، كجبل من أوراق .. يصبح الأولاد فيها مجرد نَكِرات، تسوقهم الريح، لمواجهة إعصار لا يقوون على التصدي له...
هذا الولد كره البيت، وعشق الشارع .. ليس من انحراف، وإنما رغبة في معانقة ضجيج السيارات، وصياح المارّة، وصخب الجيران.. كل هذا يُشعره بأنه موجود فعلاً، وما الصمت في بيته وصدره سوى حالة شاذة...
تمنى لو يفيق يوماً على كلمة "صباح الخير" تُقال له، أوْ لأحد أخويْه، ولو خطأ!..
لا شيء غير الحلم :
"أبناء غرباء .. ما أتعسهم!..
ويا نفس، كم من الصبر تحتاجين!
ويا سماء، كم أنت بعيدة!..
ويا أرض، لِمَ تسخرين مني ومن أدمعي؟
ولِمَ تُنصفين مع أولاد الناس إلا معي؟!..
صغير أنا .. وللهمّ في داخلي تجاعيدُ مُسنّ عافته الموت!.."
هذا الولد كره عمره، أيامه، فصوله، لكن الأحد تحديداً له طعم آخر بالنسبة إليه ..
سيفيق في آخر أسبوع، ذات أحد، على صراخ في البيت ارتجت له الغرف .. لقد كسر الصمتَ المزمن الساكن فيه .. كانت الأم والأب يصرخان ملء فيهما .. دفعة واحدة يتكلمان، والبيت يتنفس الصعداء، ويتثاءب كطفل صغير شبع حليب أمه. كانت "س" تمسك بمسجلتها الوحيدة مهشمة، والزوج يمسك قصبة حشيشه .. جزء منها في اليمنى، والآخر في اليسرى، وفمه فرن ينفث شتائمَ داعرة في حضرة الأولاد:
-" أبنت القـ..."، كسرت السبسي عـنوة..
ترد الأم :
-مسجلتي الوحيدة مهشمة!.. أنت الفاعل .. أيها المدمن المأفون...
ظلاّ على هذه الحال مدة، يكيل بعضُهما لبعض سباً وشتائمَ بالأبيض والأسود، وبالألوان أيضاً. كان الأولاد، في وجوم، يراقبون المشهد في حياد، لكنهم يبتسمون مِلْءَ فيهم، وكجياد صغيرة يستنون داخل غرفتهم .. شيء ما داخلهم انتفض. راقهم الحوار "الراقي" حول المسجلة و السبسي... بدت الأم، في خصامها مع الزوج، وهي تحاوره، امرأة أخرى .. نبت لها فم، داخله لسان، وللأب مثله .. يا الله!، ما أجمل هذا الأحد..! أخيراً تنفس البيت كلاماً، وفي زواياه حرارة غير معهودة أحس بها الأولاد،تدفّأوا بها...
حبس الأطفال أنفسهم في غرفة واحدة. ضحكوا ببراءة. تحدثوا لأول مرة طويلاً، ثم قرروا أن يكتموا السر...






التوقيع

لم تحولني الريح إلى ورقة في مهب الريح
لقد سقت الريح أمـــامــي..
ناظم حكمــت

 
رد مع اقتباس
قديم 20-05-2025, 10:30 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
أحمد فؤاد صوفي
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







أحمد فؤاد صوفي متصل الآن


افتراضي رد: البيت الصامت

الأديب الكريم/ ميمون حرش المحترم ،،
لدينا هنا اقتناص لمشهد غريب، وفرحة للأولاد معكوسة عن فرحة وجب أن تكون معتادة طبيعية، ولكن الصمت المزمن عمل عمله في هذه العائلة التعيسة.
قصة كتبها فنان، وقد يجد البعض أن استخدام مفردات غير معتادة يجعل فهم الحوار صعباً، ولكن بالنسبة لي فأنا أحب ذلك.
تحياتي لك وودي ،،،







 
رد مع اقتباس
قديم 23-05-2025, 03:09 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
ميمون حرش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







ميمون حرش غير متصل


افتراضي رد: البيت الصامت

تسعدني ردودك مبدعنا الراقي أحمد فؤاد..
أحتاج هذا الإطراء، إنه يملأني بأساً، ويمدني بالطاقة..
شكراً لكم صديقي .







التوقيع

لم تحولني الريح إلى ورقة في مهب الريح
لقد سقت الريح أمـــامــي..
ناظم حكمــت

 
آخر تعديل أحمد فؤاد صوفي يوم 02-06-2025 في 05:22 AM.
رد مع اقتباس
قديم 10-08-2025, 11:29 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عباس العكري
أقلامي
 
إحصائية العضو







عباس العكري غير متصل


افتراضي رد: البيت الصامت

حين يصبح الصمت لعنة: البيت كقبر مفتوح والعائلة كأشباح حية
___________________________________________

أترانا أحياء ما دمنا نتنفس، حتى وإن ماتت فينا لغة الكلام؟ وهل يكفي أن نحيا تحت سقف واحد كي نكون أسرة، إذا كانت الجدران تحفظ الصمت أكثر مما تحفظ الذكريات؟ وهل يمكن أن يتحول البيت، الذي يفترض أن يكون حضن الأمان، إلى مقبرة مفتوحة نعيش فيها كأشباح بلا أصوات ولا أحلام؟
-

القاص ميمون حرش يبني حكايته على مشهد منزلي متخم بالرتابة والعزلة، حيث تعيش "س" مع زوجها وأطفالها في بيت منحه إياها والدها قبل وفاته، بيتٍ يحمي الجسد لكنه لا يحمي الروح. الزوج، الذي تغريه المقاهي ورائحة الحشيش أكثر من أي حوار، يختار الانسحاب الصامت من الحياة، في حين تذبل الزوجة تدريجياً وتعتاد هي الأخرى على صمتٍ مَرَضي، حتى يصبح الأبناء صورة كربونية من والديهم: أجساد تتحرك وألسنة مغلقة. الصمت هنا ليس مجرد غياب للكلمات، بل هو مرض مُعدٍ ينتقل بين أفراد الأسرة، يعزلهم عن بعضهم وعن العالم، ويحوّلهم إلى شخصيات رمادية داخل مشهد بارد.
-

القصة تكشف بتدرج أن هذا الصمت القاتل ليس حيادياً؛ إنه يعيد تشكيل ملامح البيت من الداخل. فالطفل الأكبر، الذي لا يجد في البيت إلا الفراغ، يهرب إلى الشارع بحثاً عن الضجيج بوصفه إثباتاً لوجوده. أما الأم، فقد انكفأت على شريط وحيد من الأغاني، تسمعه لا حباً في الموسيقى، بل لأنه يربطها بوهم شبهها بمغنية، بينما الزوج غارق في سبسيه، محاط برائحة كيفٍ صارت جزءاً من هواء البيت. كل شيء يوحي بعزلة مُزمنة تتغذى من غياب الفعل والكلمة معاً.
-

الزوجة "س" تعيش في بيت وهبه لها والدها الراحل بعد أن أيقن أن إخوتها سيتخلون عنها، وهو ما حدث بالفعل. اختارت الزواج من رجل وسيم، لكنها اكتشفت لاحقًا أنه كسول، عاطل عن العمل، مدمن على الحشيش، وصامت على نحو يكاد يجعله أخرس. الصمت أصبح لغة البيت، حتى الأبناء ورثوه، فصاروا كتلاً بشرية تتحرك بلا حوار ولا تواصل.

الأكبر من الأبناء يكره هذا الجو الخانق ويفضل ضجيج الشارع على صمت المنزل، ويحلم بكلمة بسيطة مثل "صباح الخير". المفاجأة تأتي في أحد الأيام حين ينفجر الصمت بمشاجرة عنيفة بين الأب والأم حول مسجلة مكسورة و"سبسي" الحشيش. يندهش الأبناء لأن والديهما يتكلمان ويتبادلان الحوار – حتى لو كان شتائم – ويشعرون بدفء غريب في هذا الصخب، فيضحكون ويتحدثون لأول مرة معًا، ثم يقررون الاحتفاظ بهذا السر بينهم.
-

التحول الدرامي لا يأتي من حوار عميق أو مصالحة، بل من انفجار غضب عابر، يوم أحد، حين ينكسر سبسي الزوج ومسجلة الزوجة في لحظة شجار. فجأة، تتكلم الأفواه التي صمتت سنوات، ويتحول السب والشتم إلى حدث مبهج بالنسبة للأطفال، ليس لجوهره، بل لأنه ببساطة "كلام". في مفارقة لاذعة، يصبح النزاع نفسه نوعاً من المصالحة المؤقتة مع فكرة الصوت، فيكتشف الأبناء أن للأم والأب لساناً، وأن البيت قادر على أن يتنفس كلمات، حتى لو كانت جارحة.
-

هنا يتجاوز النص كونه حكاية أسرة إلى كونه مرآة لشرخ اجتماعي أوسع: حين تُقتل لغة التواصل داخل البيوت، يُدفن الأمل في بناء علاقات صحية بين الأجيال. القاص يضعنا أمام سؤال أخلاقي واجتماعي معاً: أيهما أخطر على العائلة، الفقر المادي أم الفقر العاطفي؟ وهل يكفي أن نتشارك المساحة المادية لنقول إننا "معاً"، إذا كان كل واحد يعيش في كهفه الداخلي؟
-

هل أراد القاص من هذا النص أن يكون الصمت استعارة عن موت المشاعر في البيوت، أم عن انهيار مؤسسة الأسرة أمام عجز التواصل؟
وماذا لو كان القارئ مكان الطفل الأكبر، هل سيفرح بالصوت، حتى لو كان صراخاً، أم كان يبحث عن صمتٍ آخر، لكنه صمت سلام لا صمت عزلة؟







التوقيع


ع ع ع عباس علي العكري

 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 06:22 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط