الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة

منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-03-2014, 11:34 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
هارون غزي المحامي
أقلامي
 
إحصائية العضو







هارون غزي المحامي غير متصل


افتراضي القصص القصيرة الفائزة بالجائزة الأولي.

نصيحة كبار الكتاب لهواة كتابة القصة القصيرة مثلي أن يقرأوا الروائع ليتعلموا منها تقنيات الكتابة، وقد خطر ببالي إن أبحث عن القصص القصيرة التي فازت بالجائزة الأولي في المسابقا ت الخاصة لأنها أكيد ستفيدني وكل قارئ وكل من له رغبة في تعلم وإتقان كتابة القصة القصيرة.وأبدأ بأن أعرض علي الأقلامين أول اختيارتي ألا وهي قصة : نفسٌ أمّارةٌ بالعشق “القصة الفائزة بجائزة العشق العالمية للعام 2009

♦ سناء الشعلان/أستاذة جامعية في الجامعة الأردنية، تحمل درجة الدكتوراة بدرجة امتياز في الأدب الحديث



لي نفس أمّارة بالعشق، ولي قلب لايَبْرَم بضعفه الآسر، ولي ربٌّ وحدَه من يغفر خطايا العاشقين، ويبدلهم بسيئاتهم حسنات، ويدخلهم جنات ونعيماً،ولي سيرة هلاليّة يحفظها كلّ من ركب سَرْجَ قلبه، وشنّ حرباً دامية على كائن آخر اسمه حبيبه، وسيرتي يختزلها كلّ المؤرخين والمخلوعين في حرفي حاءٍ وباءٍ، وبين منحنيات حروفهما وانزلاقاتها تسكن كلّ اللّعنة، لعنةالعشق التي توهب مجاناً لكلّ من يملك نفساً مثلَ نفسي.
أنا صاحبة أسعد قلب في الدّنيا، وصاحبة الحقيقة المطلقة، ونبيّة الكلمة،أنا الملعونة بلحظاتي، المتمرّدة على السّكون، أنا وريثة كلّ الافتقاد والاحتياج والجوع والشّهوة والارتواء والتنهّدات والخلجات والارتعاشات والدّوار اللّذيذ المسحور، أنا القائمة بأمر الله في الأرض، والموكلة بكلّ القلوب خلا قلبي، ولذا حُقّ لي ما لا يحقّ لغيري من حضور لحظة خلقي، كانتْ لحظة تختصر كلّ حكايا العشق، وما أكثرَها من حكايا! لم أكن وليدة لحظة اجتماع رجل وامرأة بل وليدة لحظة اختيار، وامتزاج روح بأخرى،أنا صنيعة ضَعْف وانتقاء، مِنْ بين ملايين الخيارات في لحظة كنتُ أنا.
ولدتُ منذورةً للعشق، ومن له أن يردّ قدره، ويبدِّل نذره؟! كانتْ عند والدي خطة آثمةُ تُختزل في وهبي أجمل ما يملكان من صفاتٍ وكروموسوماتٍ ؛ لأكون مادة للفتنة ولفخار القبيلة ولجموح الرجال الآسرين المسجونين في الكلمة،فشغلتهما لحظة العشق عن مؤامرتهما الحلوة، فخرجت سليلة القبح المتعاظم على انكساره، فمن والدتي أخذتُ الشّعر الأجعد المنحول، ومن أبي أخذتُ الجسد الضّئيل حدّ الانكماش، ومن جديّ لوالدتي أخذتُ العيون الحلزونية الخاشعة كجبن أرنب، ومن زوجته أخذتُ الأنف المعقوف كأنف صقر كاسر، ومن جدتي لأبي أخذتُ المشية الطّاووسيّة، ومن زوجها أخذتُ البشرة الكابية كحزن، ومن جموع المورثين أخذتُ الفم الكبير والشّفاه الغليظة والأذنين الملتحمتين بأطراف شعر الرّأس والخصر المهصور كأرنب مسلوخ، والأطراف الوزغة، والأعضاء القاصرة، ومن الرّيح أخذتُ صوتي، ومن الشّيطان الرّجيم أخذتُ نفسي المعنّاة بتمرّدها، ومن الله أخذتُ نفسي الأمّارة بالعشق.
خيوط الشّمس أوّل من عشقتُ، لبريقها يدان تحتضنان النّماء والحياة، لوهجها إرادة آسرة، لاعتلائها كَبِد السّماء سطوة خالدة، لدفئها قدسيّة دمعة يتيم،أدمنتُ على أن أدفنها في عميق عيني، لاحقتها بنظراتي الفضوليّة التي لا تعرف الملل ليل نهار، وعندما أصاب حريقها عينيّ بالمرض، منعوني عنها بقوتهم المفروضة على طفولتي الرّضيعة في المهد، ومنعوني الشّمس، وأسكنونني الظلّ، كان عمري وقتها أياماً، فكان الحرمان والفقد هما أوّل ما ذقت من الهوى، أضربتُ بإصرار عن الرَّضَاع، وأعلنت ثورة على الحليب، وعندما غلبنيالجوع، وهزمني العيّ، استسلمتُ ليدي الجدّة الدّاية ذات الشّامة الخضراء،وقبلتُ ذليلة بمنقوع اليانسون والنّعناع بديلاً من الحليب الذي أضربت عنه للأبد تخليداً لذكرى حبي الشّمس الذي قُتل في مهده.
عاهدتُ نفسي يومها على كبتْ نفسي الأمّارة بالعشق، وعلى كبح جماحها، وبررتُ بعهدي المقدّس في عرف طهارة الأطفال لأيام أسطوريّة فلكيّة كريهة ثقيلة الخطى، فأصعب ماعلى النفس أن تعلن حرباً على ذاتها،ونجحتُ في حربي على الرّغم من كثرة القتلى ومواجع الإعدامات والنّفي والاضطهاد في وجداني.
وأعلنتُ التوبة على إثمي الأوّل في الأرض، ولكنّني من جديد اشتهيتُ الخطيئةوالمعصية واللّعنة، ووقعتُ في حبّ كلّ شيء جميل، وما أكثر الأشياء الجميلة في عينين هما نافذتان على روح تضجّ بالتّفاصيل والألوان والرّوائح واللّمسات والحاجات والأمنيات المؤجّلة والأفراح المسروقة من جنّة الخلد حيث كان مسكنها الأوّل في غامض العدم. عشقتُ الفراشات الملوّنة، و زرقة السّماء، وثورة البحار، وصخب المحيطات، وسكون قيعان النّفوس، أخلصت في مشاعري وبرّي لكلّ وجوه الأمهات وأيادي الجدّات.
يا اللهُ ياجبارُ، ياخالقَ الحبّ، كم كانتْ طويلة قائمة من عشقتُ،أنتَ من وهبني قلباً عملاقاً، فهبني عمراً فيه كلّ الأعمار حتى أكون كاهنة الهُيام الخالدةَ التي أنّى كانتْ حضرتْ كلّ وجوه عشّاق الأرض والوطن والسّماء والخبز غير المغموس بدم الأبرياء، والآلاف الآلاف من وجوه الأيتام والمعذبين والمحرومين،ووجوه المستضعفين المنكودين، ووجوه الأيتام، وكلّ أرغفة الجائعين.
في كلّ ليلة احترفت تعاطي الممنوع المهرب من الرّائق الخالص من المشاعر لعشاقي الذين لا يحصيهم عدداً إلاّ الرب في عليائه، أحببتُ كلّ مَنْ قالوا لا، و كلّ مَنْ قالوا نعم تومىء إلى لا، أحببتُ علياً ولمبا وجيفارا وماو وصلاح الدّين وشجرة الدّر والحلاج وجميلة بوحيرد ومصطفى كامل وعلي الزيبق ومسرور السّياف ومعروف الإسكافي وجعفر الطّيار وابن عربي وديك الجن الحمصي وفارس عودة وجان دارك وهانبيال وإليسار والمتنبي وأبا العتاهية وهوميروس والظاهر بيبرس وفراس العجلوني والشّريف الرضي و نزار قباني وعمر أبو ريشة وفيكتور هيجو و كلّ الثائرين المبتغين الشمس، وأحببتُ كذلك صبر أمي وأبي، فقد كانا وريثي زمن الجوع والانتظار، ووهبتُ دموعي لعروس البحر، ولسندريلا صاحبة الحذاء المفقود، وسكنتُ أجساد كلّ محبوبات رجال الأرض، ودوختُ بكلمات كلّ الشعراء، وحظيتُ بكلّ قُبَل المقبّلين، ولمسات أكفّ المشتهين، ولعنات كلّ الفاعلين وآثامهم، ثم استغفرتُ الله، فغفر لي، أليس أرحم الراحمين؟؟ونسيتُ أسماء كلّ عشاقي؛ إذ خاط لي ساحر مغربي يهودي آثم حجاب نسيان، فعلّقته في رقبتي ليل نهار بخيط قنّب، فنسيتُ كل ّ أثامي وسعاداتي، إلاّ مجيداً الأبكم، فقد كان حبّ طفولتي الأوّل، كان قذر الملابس والجسد شأنه شأن كلّ المعدمين المنكودين، حَرَمَه النّصيب، فأضاع فمه وأذنيه، كان ألعوبة أشقياء الحارة القديمة حيث أسكن مزروعة بين أشتال أمي، حين أشفقتُ على عجزه، فأشفق على دمامتي، وعلى أنوثتي المكسورة المأسورة في جسدي المزدرى، فكانتْ له دون العالمين قبلتي الأولى، لم يكن ممن يحفظون فطرياً أبجدية الإسعاد ولغة الجسد، ولكن كان عنده أبلغُ صمت، وأحرّ دمعه، وأنا أحبّا لدّموع، أجمعها في قوارير شفّافة، وأصنعُ منها ترانيم الفرح.
أحببتُ مجيداً حتى أحتلّ جارنا ذو العضلات المفتولة والشّعر الخيليّ مكانه في قلبي، كان يصطحبني معه إلى السّينما مع بناته الخمس المنحوتات بعناية إلهية واضحة على هيئة دمى جميلة، كان يعدّني ابنتَه، ويشفق على استحياء على أنوثتي القردة، وكان كلما حملني بيديه القويتين، ووضعني في مقعد قاعة العرض في السّينما الذي لا تصل قدماي إلى قاعدته، فيتمرجح شبشبي البلاستيكي البرتقالي القديم في الهواء، أحلم بأن أملكه روحاً وقلباً، وأعد بإخلاص خصلَ شعره الذهبيّة بقصائد خالدة، لكنّه ما كان ليبالي بصغيرة بشبشب برتقالي بلاستيكي وإن أهدته قصيدة.
أمّا جابر فكان معنياً بالقصائد والكلمات، ولها دفع عمره،أنا أحببتُ جابراً، ولكنّه أحبّ الكلمات أكثر مني، وكتبَ القصائد، وثوّر السّاكنين،وحمل السّلاح، ومات مشبوحاً على دكّة التعذيب، وما قال لا،فتوحّمتْ به كلّ النّساء الحبالى، وحملت منه العذارى بالثائرين دون أن يلمسهن، فغدا لي جيشٌ من الضّرائر والمنافسات، وأنا كمِسلة في كفِّ قتيل، لا أحبّ الشّركاء،فلتحبّ كلَّ النّساء جابراً، وليحبّه الوطن، أمّا أنا فلي أن أعانق الفَقْد.
للحق سرعان ما غار اسم حامد بين حشد أسماء قائمتي الحاضرة الغائبة،حيث حسّان الهبيلة، وجبر أبو ريحة، وسلمان أبو بربور، وعباس اللّص، وكايد اللّقيط الذي يعيش في دار الأيتام، ولا يعرف له ماضياً أو حاضراً أومستقبلاً، وحسين الذي يعيش في علبة كرتون بجوار كلبه الأعور، ومخلد الألثغ الذي يقلب الراء غيناً، وناصر ابن الوالي الذي يصلّي دون وضوء، ويعاشر بنات الهوى في حوزة أبيه العلميّة، وكيمو المخنّث الممزّق بين عالمي الأنوثة والرّجولة،وسليمان الغجري الذي يحبّ قرده وموسيقاه ورحيله المتصل أكثر مني،وطارق الذي يعيش مع دزينة أخوة صغار في غرفة صغيرة في مخيم نسيه النّسيان،وعددٍ كبير من أولاد الجيران والمدينة والدّراسة الذين ماعدتُ أحفظ أسماءهم أو أتذكّر وجوههم، ولا سوء في ذلك؛ فللعشّاق جميعاً وجه واحد واسم واحد، ومن حفظ اسماً واحداً منها، فقد حفظ كلّ الأسماء.
وبقي اسم حبيبي الخالد الذي يجيء ولا يجيء مرقوماً في المجهول، وفي انتظاره
اجتهدتُ أن أتعلّم مهنة الخياطة كي أطرح على من أحبّ عباءة من صنعي، أشك
فيها سيلاً من النّجوم والكواكب والمجرّات.
وسريعاً أتقنتُ الخياطة ؛ فقد كنتُ أتمثّل في تعلّمي لها حكمة:” من يدرزينجح”!!! ونجحتُ؛ لأنّني درزتُ دون توقف ليل نهار، وصنعتُ بعد سنين عجاف عباءة الغائب المتأخر. طويتها على غير هون، ومسّدتُ عليها بعطفي الخفيّ،وغلّفتها بتعويذة أثيرة، وانتظرتُ أن يأتي الحبيب، ومرّ العمر، وشاب الشّعرالأجعد، وتقبّض الأديم، وتقوّس الجسد الهزيل ذو المشية الطّاووسيّة المزعومة، وغادرني ضيف لذيذ حلو اسمه الشّباب.
واعترافاً بريادتي وتمرّدي، فقد عُيّنتُ رئيسة فخريّة لحزب الحبّ، ولرابطة المشاعر الجيّاشة، ولدارة العواطف، ورئيسة تحرير لمجلة السّعداء، ومستشارة في محطة المحظوظين الفضائية، فضلاً عن تأليف كتاب موسوعي عن العشق وطرائقه وأبوابه ومنافذه، وبات شعار مريديّ في الحياة قول الشّاعر:
ماتُبْتُ عن عشقي ولا استغفرته ما أسخفَ العشّاقَ إنْ همُ تابوا!!
ولكنّني كنتُ أجزم بأنّ الله سيغفر لي، نعم سيغفر ؛ لأنّني على الرّغم من كلّ قصص عشقي لم أعشق قطُّ،فأنا امرأة تملك كلّ الحكايا وعباءات الانتظار، لكنّها أبداً لا تملك حكاية لها مع حبيب غير ورقي، وهذا قدرالأنفس الأمّارة بالعشق والمولعة بكتابة الرّجال الذين لا يأتون حقيقة إلاّعلى الورق، ولا شيءَ غيرَ الورقِ، فنفسي أمّارة بالكتابة أيضاً!!!
© منبر الحرية، 12 مارس 2009
سناء الشعلان

الرابط:
http://minbaralhurriyya.org/index.php/archives/
1823






 
رد مع اقتباس
قديم 10-03-2014, 03:04 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
هارون غزي المحامي
أقلامي
 
إحصائية العضو







هارون غزي المحامي غير متصل


افتراضي رد: القصص القصيرة الفائزة بالجائزة الأولي.

:إنطفاءة ظل
الطيب عبد السلام
القصة الفائزة بالجائزة الاولى
في مسابقة الطيب صالح للشباب في القصة القصيرة – الدورة الثانية

"
انطفاءة ظل " ... الي ح . ز . وهو يحترق في اتون المنافي :
"
هاهو الجسد يرفع الروح لصلاة الميلاد الثاني من الرحم الأول .. وهاهي شهقاتك المكتظة بالاندهاش تعلو فوق عينيك لتشكل ضبابا من الموسيقى النورانية التي انبعثت من " حلقوم " نوبة كاد أن يبح من طول الدوران حول الذات .
والدك صحراوي القسمات يسهب في ارتحالك عن ظهره لتحملك السرة بت عبد المحمود كمشروع لشيء جديد في كَمه قديمٌ في نوعه .. وهاهي عيناك تورقان بانعكاس ظلال الملائكة عليهما وهم يستعدون لتسليمك الأمانة .. التي لم يشاوروك في أمرها .. كما ظللت تقول طيلة فترة مكوثك الانقطاعي في غارالجسد .. بل ولازالت صرخات أمك تدر اللبن من ضرع التبلدي الشامخ شموخ الطلح في ليلة عرس .!!
ولا زال الشيخ " الحزين ود الليل " يحلب المطر من بقرالسحاب في ذات صلاة للاستسقاء لينبت قوس قزح في الأفق .. ولازلت تذكر جيدا ذلك اليوم الذي سألت فيه الشيخ الحزين عن تلك الألوان فقال لك بعد أن ابتسم ابتسامة سرية " ان هذه الألوان هي ملابس الملائكة التي علقوها فوق الأفق لتجف " وحينما سألته باستغراب عن الملائكة ؟؟
نظر إليك نظرةعميقة ثم ابتسم ابتسامة غامضة قال لك بعدها .. إنهم كائنات لا تعرف التمرد ،أيها الثرثار وهاهي الطورية الصديئة التي ورثتها عن نفسك تحاول النهوض لوحدها .. فخصوبة الأرض أغوتها وكادت ان " تحندكها " لتنهض بمفردها وتودع الأرض البكر بذرة الوجود الكوني .
ولولا انك هربت من وجه القدر المشؤم لكنت فعلتها وانتصرت .. لأرضك ولنفسك وللنيل المجلود بسيطان الحراز.
فلف صدرك بغطاء نيكوتيني دافئ يقيك برد الروح وارتجافها في شرنقة الجسد المتهالكة لفها حول صدرك .. ووعيك حتى تفرغ كل أنفاسك الثائرة التي حنطتها في رئتيك منذ الأزل .. وهز اليك بجزع شوق لترى ارتسام ظلك الحديدي على جدران السراب ..
بعد أيام لفظك الكائن الحديدي وسط صحراء اشد اتساعا مما رأيته في الخريطة ..
نظرت الي نفسك من الأعلى فوجدتها كحبة رمل ضئيلة قد تاهت عن " قوزها " الأم وتشردت ما بين التجمعات الرملية وتكتلاتها ..
غريباً في صحراء لا تحفل بالغرباء .. بل وتنتزع منهم حرية الرؤية فيها .. فلكم هبت عليك نفراتها واقتحمت عليك عينيك ومزقت شريط الرؤية فيهما .. ولكم ابتلعتك دواماتها ورقصت معك رغماً عنك رقصة احتفائية باستقبال كائن يتنفس غيرها .. وغير هذا الصبار المسلح .
حينما رآك الصبار ظنك كومة رملية تتحرك عكس الرياح ، وهمهم قائلاً : ( يارب المطر .. قنا من شر كائناتك الغريبة هذه .. ) غير أنك ابتسمت ثم مسحت على ريشه الناعم بيدك الصبارية وواصلت احتراقك في أتون هذه الصحراء اللامتناهية .. وحينما كان الصمت الصامت يتعبك كنت تستريح تحت شجرة حراز عصية على دية المطر حينما يغرق البراح .. حرازة حملتها معك فوق ظهر مخيلتك اللامتناهية .. حينما كان يتسربلك الليل .. كنت ترى من على البعد ناراً فتبتسم ثم تقول لنفسك ضاحكاً : أنا لست نبياً لأقتبس منها جذوة .. ولا حتى مختاراً لأن يناجيني الله على الرغم من هذا الصمت الشاحب الحزين .. لكنك كنت تطمع ان يناجيك .. ان يبتسملك ويخفف عنك وزر التشظي في هذه الفراغات اللعينة .
حينما كان يوغل الليل في نفسه كنت تسمع صوت الصحراء وهي تراود نفسها عن نفسها .. وحينما يغرق القمر في سراب الأفق كنت تشعل من قوتك سيجارة تسامرها ريثما تضمحل عيناك في وحل الموت المرحلي .
حينما نظرت إلى الخريطة نظرة مستفسرة ومستعجلة أدركت ان الصحراء سوف تمتد ليومين آخرين .. وبعدها سوف تدخل العالم الجديد العالم الذي لا تعني المدينة الفاضلة فيه سوى مرحلة تم تخطيها منذ قرون
..
في آخر أيامك في الصحراء عثرت على صدفة غارقة في الرمال .. نفضت الغبار عنها وأنصت إليها .. ولكم اندهشت حينما سمعت نشيد البحر الوطني لا يزال عالقاً في حنجرتها على الرغم من ان البحر .. قد هاجر بعيداً من دون ان يصطحبها معه ..
وتركها منهمكة في هذيانها السرمدي عن حكايات البحر الملحمية التي عاشتها في طياته ... أبقيتها بالقرب من أذنيك .. اللتين صدئتا من طول الصمت . ثم وضعت يديك على رئتيك ... بلهفة وخوف .. ولكم صدمت حينما شعرت بهواء النيل لا يزال مصطبخاً في داخلها .. وبكيت يا آدم .. بكيت يا آدم .. بكيت يا آدم ... حتى امتلأت الصدفة بدموعك .. وحتى اختفى السراب الموهوم من أمامك .
وقد بدأت تشعر ان هذيان الصحراء وشوقها الأسطوري إلى البحر قد ولد لديها جنوناً بلون البحر فابتدعت السراب كتذكار للبحر .. لكنها ما لبثت ان أمنت انه البحر فعبدته .
وهنا توقفت الخريطة عن الحديث وصرت على مرمى يوم واحد من الأرض الجديدة التي سوف تبرئ كل آلامك وجراحاتك الوطنية وحينما اقتربت من الشريط الحدودي وتبقت لك خطوة واحدة من الأرض الجديدة .. نظرت نظرة حالكة إلى الوطن وأخرى مشرقة إلى البلاد الجديدة التي بدأت أضواءها في مراودتك عن وعيك .. رأيت المدائن كلها متشحة ببياض إنساني ومعماري ساحر .. رأيت فردوسك الذي سوف تعيش فيه مكرماً معززاً ، تبقت بينك وبين الحياة الحقيقية خطوة واحدة .. ضحكت بسرور .. وكدت ان تخطو خطوتك الأخيرة لولا انك سمعت الصدفة تصرخ بك بكل ما أوتيت من شوق إلى البحر ..
"
لا تعبر .. الأرض يا آدم .. الأرض تناديك .. "
تجاذبتك نوبات الحنين مابين إغراء البلاد الجديدة وقسوة الوطن .. أغمضت عينيك ثم اتخذت قرارك المصيري .. بيد انك ما كدت ان تخطو حتى سمعتهم يصرخون بك : توقف .. توقف .. دي منطقة حدودية .. لكنك لم تكترث بصيحاتهم ونباحهم المسعور ذاك .. وواصلت مسيرتك الملحمية .
لحظتها تغيرت نغمة أصواتهم إلى " نغمة كلاشنكوفية " اشد نباحاً وحقداً
اقتحمتك رصاصاتهم تلك بقسوة ..
لكنك لم تسقط .. واصلت مشيك ، حتى أسندت جسدك إلى احد الصبارات الصابرات .. وبدأت في رؤية شريط ذكرياتك .. ميلادك الأسطوري من رحم تبلدية مؤمنة .. حبوك المحابي للنهوض .صباك الصابي عن ملة الصبيان في عمرك وأنت تبحث في الوجوه والأوراق عن وجهها السماوي .. هذيان عمك لمبة الموتور وهو يقول .. ( الولد ده مازي اخوانو .. ولا زى رفقاتو .. ( بينما أنت تضحك فخوراً بهذه الكلمات الثمينة والسمينة في آن .
بينما كان الدم ينز من كل خلايا جسدك .. وقد وقفوا خلفك بهيئتهم الشيطانية .. مفتوحي الأفواه مكشرى الأنياب .
بينما كانت أنفاسك الحزينة تتصاعد بوتيرة متنازلة .. ولكم اندهشوا .. حينما رأوك تقف ماداً يديك .. كأنك تستعد لترفع إلى صليب سرابي مغروس في الأفق ..
رأوا جسدك يرتفع مسافة سبع نظرات .. ثم يشخص نحو الأعلى .. ويخرج من جلبابه جسم نوراني شفيف له كل ملامحك الحرازية المتماسكة وكل ملامح الأرض التي نبت منها .
خرج مرتدياً جلابيتك البيضاء الناصعة ، وعمتك التاجية ، وسبحتك " اللالوبية " الخاشعة .. وحاملاً ابريقك الفخاري المضيء من تلقاء نفسه .. وكيس " سعوطك " الياسميني الرائحة .
رأوه ينفض غبار الصحراء المتراكم فوق زواياك وأركانك ثم يرسم ابتسامة مائية بالحبر السري على شفتيك اليابستين .. وينظر إلى قاتليه نظرة ملائكية بريئة ويبدأ في معراجه السرمدي نحو الغيب المطلق ..
رأيت حبيبتك " الغيبية " تمشط شعرها لتدخل عليهاعريساً ملحمياً .. رأيت أمك تنهض في تلك الليلة مفزوعة مضطربة وقد شخصت نظراتها نحو الحائط الجالوصي وهي ترى ظلك يتسلل منه دامعاً .. ثم يدخل غرفتك ليطفئ قنديلك الذي لم يطفئوه قط منذ رحيلك لحظتها علت " كواريكها " حتى فاض النيل على أرضك البكر لينبت منها آدم جديد بنفس تفاصيلك المفصلةعلى مقاسك اللامتناهي.
ذهل العسكر حتى سقطت البنادق من أيديهم وهرب بعضهم خوفاً من العقاب السماوي .
فلقد ظنوا لوهلة أنهم قتلوا نبياً .. لا مجرد عظام بشرية يكسوها الجلد حتى لاتتداعى وتتساقط لكن أحدا منهم ولا منكم .. كان يعرف ان آدم قد قرر التوبة إلى وطنه.
http://www.sudaneseonline.com.







 
رد مع اقتباس
قديم 12-03-2014, 10:39 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
هارون غزي المحامي
أقلامي
 
إحصائية العضو







هارون غزي المحامي غير متصل


افتراضي رد: القصص القصيرة الفائزة بالجائزة الأولي.


قصة قصيرة : "فيزياء اللون"
عبدالعزيز بركة ساكن يفوز بجائزة الBBC و مجلة العربي للقصة القصيرة
بقلم : عبد العزيز بركة ساكن (السودان)

يلتقط الأصداف بأنامل قلقة لكنها بصيرة ماهرة : تري، تحس و تقرأ في نفس لحظةاللمس، تقوص قدماه في مياه النهر الدافئة، يسمع أنين الرمل تحتها، كان يستهدف الأصداف الكبيرة ذات النهايات التي تشبه منقار النسر، هي كثيرة تقبع في المياه الضحلة، ولكن العثور عليها يحتاج لوقت و خبرة، هذا هو يومه الأخير في كلية التربية وقد ودع تلاميذه بالأمس بعد أن قاموا بانجاز جدارية تعليمية ضخمة تطل علي نهر النيل، تجلت موهبته في رسم حركة الحشرات،السحالي و الطيور الشرسة الجارحة، لذا خلده تلاميذه في الجدارية برسم ضب نزق يتسلق الحائط برجليه الخلفيتين وذيله، يقبض بقائمتيه الأماميتين علي فرشاة تلوين.

يقلب صدفة علي بطنها، يضعها مع الأخريات برفق في الصندوق الخشبي الصغير الذي أعده لهذا الغرض ، الآن عليه الحصول علي أكبر عدد ممكن من الصدفات الصغيرات ، يحتاجها لصنع أرياش الأجنحة و الزغب الناعم علي العنق، القوائم و المخالب، يريد أن يفعل شيئاً كله من النهر و لا علاقة له بالنهر ، يريد أن يقول أن النهر هو سيد الحياة.

كان جائعاً مرهقاً سعيداً و مستثاراً بصيده النهري،لبس هدوم العمل و اشتغل في الصندوق، يسكن وحده في منزل يتكون من حجرتين ومرحاض، يستخدم الحجرة الكبيرة كمحترف له،والأخري كغرفة نوم ، سكن معه من قبل صديق سكير أدمن رباعي الفناء: الخمر،الحبيبة، الشعر و الجوع، ذات صباح أدهشه بموت صامت، منذ ذلك الحين ظلّ وحده، حتي البنيات اللائي يستخدمهن كموديل يعيدهن إلي حيث أتي بهن بعدالعمل مباشرة،لا يطيق غير صحبة حبيبته فقط، بينما تدور الأشياء في رأسه تعمل معدته في صمت في هضم الفول و قطع الجبنة الصغيرة و الرغيفات كانت أنامله تتحرك في خفة وهي تصنع النسر الصدفي الضخم، بدأ بالمنقار الحاد الذي هو شبه معطي من الطبيعة ، ثم شكل العنق من الصدفات الصغيرات اللامعات الذهبيات الصفراوات الخضراوات البُنيات الأكثر خفة و بهجة و احتفاء اًبالضوء.

حَلّ المساء تدريجيا ، أضاء الكشافتين الكبيرتين اللتين توفران اضاءة افقية تساعده في دقة الرؤية و تحديد اللون، كان يعرف أن اللون ليس في السطح أو الكتلة ولكنه في العين ذاتها و تأخذه العين من الضوء لذا كان يحتاج إلي ضوء كثيف مباشر، عندما دقت ساعته الحائطية معلنة الواحدة صباحا،كان النسر الأول قد إكتمل، وأخذت عيناه الحادتان الحمراوتان تلمعان في ريبة ، مما جعله يحس بتوتر في أعصابه، قال لنفسه: " إنه الضوء.....؟أضاء كشافة صغيرة ترسل ضوءاً أزرقَ خفيفاً في زوايا حادة، يختلط مع ضوءالكشافتين المائل إلي الحمرة، ولكنه شكل خدعة خاصة به يفهم الأستاذ قواعدها بصورة جيدة، ويعرف كيف يتعامل معها، لكن النسر الشرس الذي فرغ من صنعه للتو، حرك رأسه في اتجاه مصدر الضوء الأزرق كليةً، مما جعل الصدفات الرقيقات البهيات التي صنع منهن الصدر و زغب الرقبة تصدر صريراً باهتاً وما يشبه صوت تصدع صدفة كبيرة، قفذ مرعوبا في الهواء ثم ضحك علي نفسه لمجرد التفكير في أنه خاف من شيء ما، حملق في النسر البَدَيَ الآن ساكناً صامتاً وبريئاً جداً، وبرقت في عينيه الحمراوتين بعض الأدمع البُنِيّةِ، يعرف أن كل ذلك ليس سوي مداعبة اعتاد عليها من الضوء، الكتلة و الفراغ من جهة وعينه و مزاجه النفسي من جهة أخري.، إلا أن إحساسه بالخوف كان حقيقياً و أصيلاً،أحس بالم الوحدة، أحس بأنه أرهق نفسه أكثر مما يجب و عليه أن يذهب بعيدا وبأسرع ما يمكن من هنا.

عندما عاد إلي البيت في الفجر وجد كل شيء كما هو، النسر ما يزال علي قاعدته،ينتظر في سكون، الأنوار مطفأة حيث أنّ الكهرباء قد نفدت، أخذ يتمعن نسره، لقد برع في صنعه ، وهو يعرف أعماله جيدا، العظيمة المتقنة و تلك العابرة الهشة، هذا النسر عمل متقن، لولا تواضع الفنان لأطلق عليه صفة الكمال،ابتسم، بدأ في صناعة آخر...و آخر وآخر...و آخر.. بعد اسبوعين من العمل الشاق المتواصل و السهر كان بمرسمه الصغير عشرة نسور عملاقة، جميلة شرسة و كاسرة، تشع أعينها في قلق ، سوف يقوم بعرضها كأول معرض تشكيلي من نسور الأصداف في التأريخ ، هو الآن أنجزعملا فنيا كاملا، و إذا كانت الروح في متناول يده، لنفخ فيها الروح فطارت.

عندما جاءت حبيبته في ذلك الصباح وجدت الباب مغلقا كالعادة، فاستخدمت مفتاحها الخاص، سمعت جلبة غير معتادة في داخل المرسم، بل ضجيجاً، تعرف عن حبيبها الهدوء، لكنه أيضاً قد يمارس الفوضي حيث أنه كثيراً ما يقوم بتحطيم أعماله الفنية بعنف و همجية إذا لم يرض عنها و أحياناً يستخدم في ذلك فأساً ورثها عن جده، قامت بدفع باب المرسم بكل ما أوتيت من قوة .

لم يمض وقت طويل علي حضور الجيران عندما علا صراخها، بل أن البعض قد شاهد النسورالضخمة تخرج مندفعة من باب البرندة لتحلق في السماء فاردة أجنحتها الذهبية اللامعة في هواء يناير الساخن، وفي الداخل كان الهيكل العظمي الحزين يرقد مبللا بالدم الطازج.


...........................
يمكنكم الأطلاع على القصة والإستماع لها أيضاً على موقع الBBC على هذا الرابط

http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/programmes/bbc_extra/ne..._7133000/7133326.stm







 
رد مع اقتباس
قديم 12-03-2014, 02:34 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عدي بلال
أقلامي
 
الصورة الرمزية عدي بلال
 

 

 
إحصائية العضو







عدي بلال غير متصل


افتراضي رد: القصص القصيرة الفائزة بالجائزة الأولي.

كل الشكر أستاذنا هارون على هذا الجهد المميز .

تقديري واحترامي







التوقيع

لو أن الدهر يعرفُ حق قومٍ
لقبّلَ منهم اليدَ والجبينــا

 
رد مع اقتباس
قديم 12-03-2014, 05:17 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
هارون غزي المحامي
أقلامي
 
إحصائية العضو







هارون غزي المحامي غير متصل


افتراضي رد: القصص القصيرة الفائزة بالجائزة الأولي.

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عدي بلال مشاهدة المشاركة
كل الشكر أستاذنا هارون على هذا الجهد المميز .

تقديري واحترامي
----
القاص القدير عدي بلال.
أسعدني أن متصفحي هذا لفت نظرك، وحاز تقديرك، وماهو الا جهد متواضع من طويلبك في القصة. القصد منه معايشة النماذج البارزة من القصة القصيرة؛ التي حازت علي تقدير كبار كتاب ونقاد القصة القصيرة. أجمع نهر دراتها، ولآلئها في مكان واحد؛ لنتشرب منها أعذب العبارات الأدبية ، وارقي التقنيات القصصية، وأغرب الأفكارالذاكية، التي ترد علي الأذهان؛ الذكية فتثير العواصف الذهنية، وتنثرعطر الحروف النيرة، فتكون قناديل مضيئة تعبد الطريق لكل محب لكتابة القصة فيتحفنا بأجمل مما قرأ وإلا فيكفية متعة قراءة القصص الفائزة عن جدارة.
أشكرك يا أستاذ عدي لحسن متابعتك ولا تحرمنا من تعليقاتك الراشدة. مع عاطر التحية والإحترام.






 
رد مع اقتباس
قديم 12-03-2014, 05:09 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
سمر محمد عيد
أقلامي
 
الصورة الرمزية سمر محمد عيد
 

 

 
إحصائية العضو







سمر محمد عيد غير متصل


افتراضي رد: القصص القصيرة الفائزة بالجائزة الأولي.

أشكرك أستاذ هارون على هذه الالتفاتة الطيبة
ستكون لي عودة للقراءة والتمتع بجمال المعاني أكثر..
دمت بخير أستاذنا الكريم..







التوقيع

 
رد مع اقتباس
قديم 13-03-2014, 03:12 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
هارون غزي المحامي
أقلامي
 
إحصائية العضو







هارون غزي المحامي غير متصل


افتراضي رد: القصص القصيرة الفائزة بالجائزة الأولي.

[quote=سمرعيد;448180]أشكرك أستاذ هارون على هذه الالتفاتة الطيبة
ستكون لي عودة للقراءة والتمتع بجمال المعاني أكثر..
دمت بخير أستاذنا الكريم..
[/0000:
أهلا أستاذة سمر عيد : إن في طلتك هذه علي متصفحي تشجيع لي جميل ، ويزداد ألق تشجيعك بعودك المحمود للقراءة النيرة التي يتطلع اليها الأقلاميون. دمت بخير ، مع عاطر تحياتي.







 
رد مع اقتباس
قديم 13-03-2014, 03:45 AM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
هارون غزي المحامي
أقلامي
 
إحصائية العضو







هارون غزي المحامي غير متصل


افتراضي رد: القصص القصيرة الفائزة بالجائزة الأولي.

خمسة وخميسة " القصة الفائزة بجائزة مكتبة الإسكندرية - ومكتبة ديوان.
للكاتب الشاب محمد إبراهيم سلطان،

خمسة وخميسة
عرير صرصور الغيط.. مأمأة الخروف في الجرن، ونشاط كلب البحر في الترعة مع الضفادع، بالتناوب اغتصبوا خرس الليل، وامتزجوا برائحة الروث المعجون بالتبن والطين، والروث في قريتي يعني "السباخ" أو "الجِلّة" بكسر الجيم ولإلباسها بعض الشياكة والقبول جعلوها "روثاً"، لكنها في الأول والآخر "جلة".. أكواماً.. أكواماً.. تتصاعد منها أبخرة خفيفة في ضوء القمر ومصباح العامود الخشبي المزروع في بطن السكة منذ سنين.
العجينة التي استخدمتها جدتي كعادة يومية لم تكلفها غير بعض الجهد والكنس تحت البهائم، وحتى تتحصن من آلام الشيل والحط كانت تحزم ظهرها وتزمر خصرها برباط مفتول من صوف الغنم.. وما شاء الله تتبختر بقصعة الروث وقـُفة التبن بين الصبايا ولا بنت العشرين.
لم تدرس مبروكة الكيمياء، كي تفسر لي سر الأبخرة المتصاعدة من أكوام الروث.. بل لما سألتها عن أسباب هذا الحريق الخفي سخرت منى:
يمكن العفاريت بيخبزوا رقاق بالليل !
الله يا مبروكة.. كم أحن الآن لرقاقة ساخنة وفحل بصل ناشف مع كوز لبن رايب وصحن جبنة قديمة.. والجبنة القديمة هي "المِش" والميم مكسورة:
إلهي وأنت جاهي تتكسر رقبتك يا بعيد.. بصل ولبن رايب مع بعض ؟؟!!
أصابعها الغطسانة في كوم الطين حية وطرية.. الخنصر والبنصر والسبابة والإبهام مرسومين على قرص الجلة حتى الصباح.. ما إن طلعت الشمس، عادت وقلبته على وجهه الآخر لينضج.. وآخر النهار يصير ناشفاً كالحطب.. تجمعه في الماجور النحاس، وتستخدمه وقودًا لشواء السمك و دس البرام.. وأحياناً تفتته في إناءٍ فخاري، لترقينا من عيون الناس.
مبروكة تخشى الحسد.. العين فلقت الحجر.. لطخت باب الدار بكفيها وعلقت تحتهما خمسة وخميسة وسمكة مشوية !
يا سلام على السمك وهو خارج من الفرن يغلي.. حاجة تفتح النفس وتخلي الريق يجري.. وكله كوم وبرام المعمر كوم.. نازل سايح من فوق "الكانور" يهز أجعص كرش:
كُل بالهنا و الشفا وحصلني على الجرن بسرعة !
أستاذ الجغرافيا رسم خريطة العالم.. يمط رقبته ويفتح وعينا على فائدة السماد البلدي، وكيف نجحت الدول المتقدمة في استخراج غاز الميثان من روث البهائم.
تسربت من شرح المدرس مع الأبخرة المتصاعدة خلف الزريبة.. أرفع السطل من المصرف وأدلقه حيث أمرتني مبروكة.
السبورة جرن يتسع.. تتبخر منه خطوط الطباشير المشتبكة بهمجية.. خطوط طالعة وخطوط نازلة بداعٍ وبدون داعٍ.. هي خصلة الأستاذ ولا تصل لنا المعلومة إلا بالشخبطة ونقش الفراخ غير المفهوم.
انطمست معالم الخريطة، وتداخلت القارات السبع في واحدة.. صارت أسيومريكية.. وبقدرة قادر نطت منية المرشد في بغداد.. كل المنياوية سكنوا بغداد.. كل الخطوط تؤدي إلى بغداد.. ومبروكة لا تزال تعجن التبن بالروث وتبكي خالي المتغيب عنها في أراضي العراق لا نعرف له طريق جرة كأن الأرض انشقت وابتلعته.. لا حس ولا خبر !!
عاد الأستاذ يخطط الجرن ويقسم الخريطة إلى بلدان منتجة وأخرى مستوردة، والحمد لله وقعت قريتي ضمن حيز الإنتاج.. والفضل يعود إلى زريبة مبروكة التي تنتج أسبوعياً ما لا يقل عن خمس قفات من الجلة البقري ومثلها جاموسي.. ولو حافظت مبروكة على غذاء البهائم لمدة سنة واحدة سنصبح قريباً من أولى البلدان المصدرة للوقود.. صحيح ستستوردها أميركا برخص التراب لكننا سنقبض بالدولار:
ـ مبروكة.. نفسي أكون وزير للطاقة !
ـ اجدعن في المدرسة وربنا يعطيك على قد نيتك.
خلف الزريبة رسم الأستاذ أكبر حقول الوقود.. وتركني أتفاوض مع مبروكة لإنجاز أول صفقة.. حصاد شهر كامل من الكد والتعب.. والجري وراء البهائم في الشمس والحر على السكك والمصارف والسهر حتى الصباح أحرس السباخ من قراصنة الحقول وحرامية الجلة.
السعر الذي افترضته لفتح باب العطاء كتدريب على مهنتي المستقبلية كوزير للطاقة لم يعجب مبروكة.. ضربتني على مقعدتي بيد المسحاة:
ـ ارضى بنصيبك وبلاش طمع.
ـ يعني يضيع تعبنا هدر.. نرميه ؟
وجلست معها طول الليل.. أقنعها أحكي لها عن كبرى بلدان العالم في إنتاج النفط و البترول وكيف إن لم نكسر شوكة أميركا من أول صفقة ستركبنا وتضرب الزريبة وتضيع الوزارة!!
في البداية قلقت وارتجفت وخاصة لما ظهرت حكاية خالي وقلبت عليها المواجع.. لكن لحقتها بكذا نكتة سمعتها من وكيل وزارتي.. وأخيراً ضحكت واقتنعت وفوضت لي المهمة.. أعطتني الختم و الحيازة و وقعت مع المستورد الأمريكي العقد.
عزمناه على العشاء احتفالاً بأول صفقة.. الطبلية عامرة بخير الله.. والبط مطهياً في الفرن على أجود أقراص الجلة، وقبل رحيله لفّت له مبروكة حزمتين خس ومسمار لبن من البقرة الوالدة ثم شرب الشاي وانصرف.
قبضت مبروكة الدولارات.. اشترت أراضي هنا وهناك.. كبرت الزريبة.. أصبحت زرائب.. زودنا المرتبات في الوزارة وماهيات العمال في الغيط.
الأبواب مدهونة بالزيت وعلى كل باب خمسة وخميسة فضة.. الناس لا تكف عن الحسد ولابد من وقفة مع المستورد الحرامي.. سأرفع السعر !!
أرسلت عريضة بالأسعار الجديدة.. جاءني الرد عبر الفاكس:
"خاف على أكل عيشك".
وقفت في الدور الثاني أتابع حركة المواشي والأنفار الغلابة.. التمليّة.. مبروكة وهي محزمة الخصر.. شعرتُ بالورطة..
ما ذنبهم إن طلع السعر أو نزل ؟
وماذا سأفعل لو نال كل واحد منهم عيار في رأسه ؟
أين ستذهب عيالهم ؟
صحيح الغلبان عمره ما يشبع غُلب.. !
الختم والحيازة في الخزينة وبصمات مبروكة في كل مكان.. لم تترك باباً إلا ولطخته بكفيها.. خافت عليّ من العيون.. كبرت في حجرها فرأت في ملامحي ملامح خالي الغائب.. تُرى من يخلصني من هذه الورطة ؟؟
ـ الولد ده مشاغب.. وهيجيب لنا قضا مع أمريكا !
هبط الليل على البلكونة مع الطل والندى.. عرير الصرصور في الجرن يشتد، والخروف لا يكف عن المأمأة.. ورأسي تبحث بين المزارع عن مخرج !!
هل من مخرج لهذه الورطة ؟؟
هل من مخرج ؟؟
فجأة.. استدار الأستاذ إلى السبورة مسحها تماماً.. نظفها من الزريبة وبدأ أول أسئلة الواجب:
س1: ما هي أكبر زريبة في العالم ؟

**********************

*منية المرشد : اسم قريتي.
1- برام المعمر
وهو إناء فخاري يوضع في الفرن البلدي أو الآلي على حد سواء وبه خلطة الأرز بالزبيب و اللبن و اللحم..
2- الكانور
هو أشبه بالفرن البلدي لكنه مصغر الهيئة وأبسط بكثير من الفرن في الحجم و التركيب.
3- مسمار لبن
مسمار اللبن ويقال في قرى أخرى (السرسوب) وهو اللبن التالي لولادة البهمية ويكون دسما جداً وأشهى وأطعم من اللبن الحليب .. وأنا عن نفسي أعشقه وخاصة لما يوضع في البرام لينضج مع السكر في الفرن البلدي.
4- كلب البحر
حشرة أشبه بالصرصور لكن أطول قليلاً وقلما يطير، ودائما يسكن الترع و القنوات وله صوت مزعج حقيقةً .. فأزيزه صافر صارخ متعب للأذن والأعصاب.

- See more at: http://al-mashhad.com/News/23358.asp....NQWkdgGO.dpuf







 
رد مع اقتباس
قديم 16-03-2014, 04:38 PM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
هارون غزي المحامي
أقلامي
 
إحصائية العضو







هارون غزي المحامي غير متصل


افتراضي رد: القصص القصيرة الفائزة بالجائزة الأولي.

القصةالتي أحرزتالجائزة الأولى على مستوى النصوص المشاركة في منافسة القصةالقصيرة التي نظمها إتحاد الكتاب السودانين بالتعاون مع وزارة الصحة ...
بسم الله الرحمن الرحيم

إتحاد الكتاب السودانين

القصة الأولى الفائزة في مسابقة القصة القصيرة

الرســـالة الأخيـــــرة

بقلم : معز عوض أبوالقاسم جادالله

"
حرام أن يُخبأ عن الآخرين هذا الجسد الجميل"
هكذاقالت "سعاد" في نفسها أمام المرآة . وهي تراقب جسدها شبه العاري باعتزاز ،تفحصته جيداً .. كأنها تراهُ لأول مرة .. وتحسسته بإحساسِ من يخاف فقدانشيئً ما .. إنطوت على نفسها وأخذت تبكي ، ما زالت تذكر بمرارةٍ صدمةإخبارها بالإصابة قبل أسبوع من الآن .. لطالما قاومت نفسها بعد علاقتهاالمشبوهة تلك بصديقها محمود الذي خدعها وهاجر خارج البلاد .. لم تكن تريدالذهاب للفحص حينها .. ولكن رغبةَ أن تعرفَ على أي أرضٍ تقف ، كانت أقوى منقلقها .. مرّت اللحظات رهيبة جداً ومخيفة بعد أن قام الممرض بأخذ عينة دمٍمنها .. كان وحش الخوف والرهبة ينتظرها رغم الإرشادات النفسية التي قُدمتلها قبل الفحص .. أخذت الدموع حينها تتدافع بتدفق مخيف من عينيها الجمليتين .. ودقات قلبها تتسارع متوترة ..
هربت "سعاد" من تلك الذكريات المؤلمةوأخذت ترش العطر بإفراطٍ على جسدها .. كلما همت بتذكر تلك الأحداث يتوقفخيالها حتى تلك النقطة .. لا تريد تذكّر وجه الطبيب وهو يصارحها بحقيقةِالمرض .. إنتفضت مثل الأفعى من مكانها وقالت في نفسها مرة أخرى:
"
لاأحد يعلم بهذا .. لا أحد .. لن أراجع ذلك الطبيب الغبي مرةً أخرى ولن أأبهلما يقول .. أنا بخير .. ويجب أن أمارس حياتي بذات المتعة الأولى .. لنأموت وحدي ، سيدفع الرجال الأغبياء ثمن هذا الذي يحدث لي .. سأنتقم منمحمود "
ثم أخذت حقيبتها الصغيرة وانصرفت .. صادفتها أمها أمام باب غرفتها وقالت باستغراب:
"
ما الذي ألمّ بك يابنيتي ؟! مرّ أكثر من أسبوع وأنتِ على هذا الحال لا تأكلين شيئاً ولا تباريحين الغرفة .. ما بك ؟! "
لا أحد كان يعلم بالأمر فقط سعاد وذلك الطبيب ...
"
لا شيء ".. قالت وهي تهم بالخروج .. ثم أردفت في نفسها بحقد ...
"
لا شيء .. أريد أن أشتري مزيدأً من الأكفان"
فيكل ثانية يزداد حقدها تجاه محمود .. مع أنها بعد ليلتها الأخيرة التي كانتمعه ، مارست أكثر من تسعة علاقات أخرى إلا أن فكرة الانتقام تزداد عندهامع كل مرةٍ تتذكره فيها . ربما لأنه لم يفِ بوعدهِ ويتزوجها . كل وعوده لهاإنتهت باستدراجها لتلك الليلة ليتركها بعد أول فرصةِ عملٍ بالخارج ويتزوجبعدها بفتاةٍٍ أخرى في إحدى الدول العربية .
لم تأبه بعد ذلك لما تعمل .. أخذت تواعد كل من تصادفه دون أن تراعي العواقب المترتبة على ذلك . فيسرير كل رجل أخر كانت تحس بأنها تطعن محمود من الخلف لذا إستلذت مسألة أنتكرر الطعنات عليه مراراً ومراراً لكي تثبت له أنها أقوى منه وأنها مازالتتعيش حياتها كما كانت دون أن يؤثر عليها فقدانه ... كانت مكابِرَةً منذصغرها وطائشة جداً منذ أن توفى والدها وأخاها الأكبر في حادثٍ أليمليتركاها مع والدتها منذ عشرين عاماً ... تزوجت أمها بعد ذلك ولكنها لمتوفق مع زوجها الجديد فطلقته بعد أربع سنين دون أن تنجب منه وأكتفت بتفرغهالتربية إبنتها سعاد التي أكملت دراستها الجامعية وجلست تساعد أمها فيالمنزل ... لطالما صانت والدتها نفسها حفاظاً على سعاد التي لم تقدر ذلكوردَّت جميلها بعهرٍ واضح.
"
فليذهب محمود إلى الجحيم .. ما ذنب الآخرين إذاً ؟! "
مرةًبعد أخرى يعلو صوت الحق ولكنها سرعان ما تخرصه بشراسة " ذنبهم أنهم جميعاًمثله يظنون أن الأمر بيدهم ويمكنهم فعل كل شيء ولكني سأثبت لهم عكس ذلك .. سأمرِّغهم في التراب" .
دائماً تكون سعاد في حالة حوارٍ مع نفسها .. صراع الخير والشر فيها مازال مستمر .. جانب المنطق يقول لها أن تستسلم لهذاالفيروس وتدع تصرفاتها الهوجاء لكي لا يتضرر الآخرون .. وشيطانها يوسوسلها أن تأخذ معها رفقاء للقبر .
ذات الشيطان الذي قادها للمعصية ، هوالذي هيأ لها فكرة الانتحار التي نجت منها بعد يومين من نتيجة الفحص .. واليوم هي تجرب وسيلة أخرى للهروب . مازال التخبط ممسكاً بيدها .. وأثرالصدمة يسلمها من إحباطٍ إلى اكتئاب إلى خوف . لا تريد أن تكون وحدها فيذلك العالم الغريب .. تريد أصدقاء و أعضاء جدد معها في هواجسها وتتملكهافكرة الانتقام.
كانت الشمس في الجانب الآخر من الطريق تلملم خيوطهاالذهبية وهي تهم بالمغادرة نحو المغيب . شاب في الثلاثينيات من عمرهِ فيمحطة الوقود يراقب غروبها من خلف نافذة سيارته الفارهة .. رائحة مثيرة تفوحمن داخل سيارته وأغنية هادئة يتمايل معها بانسجامٍ تام .. أغلق عاملالمحطة خزان الوقود فأعطاهُ الشاب أجرِه وأنطلق بسيارته.
سعاد علىالرصيف تائهه تتفحص العامة لتختار منها ضحيتها الأولى ، المركبات العامةتُنِزِّل الركاب وتحمل آخرين وهي مازالت في مكانها . ربما لم تأتي الضحيةبعد " يجب أن يكون في عمر محمود تماماً " هكذا كانت شروط الضحية لديها " ويجب أن يكون... " قطعت سعاد حديثها الداخلي وأخذت تلوِّح لسيارةٍ أنيقةمرَّت بجانبها ، لم يكترث السائق لها وأنصرف يتمتم في سره " العاهراتُيكدنَ يقطعنَ الطريقَ على الرجال "
جملةً من الشتائم والسباب كالتها سعاد عليه وأردفت في نفسها :
"
لن أموت وحدي .. لابد من آخرين "
وأخرجت عطرها المثير مرةً أخرى ورشته علي جسدها
"
ها قد جاء "
صاحتفي داخلها بسعادة . ذات الشاب في محطة الوقود وذات الرائحة المثيرةوالسيارة الفارهة وقف أمامها بعد أن لوحت له سعاد بتمايلٍ أنثوي خبيث .
"
إلى أين ؟؟ " أخرج الشاب عبارته من نصف نافذة سيارته .
"
أريد فقط أن أجتاز ذلك الجسر إلى الجهةِ الأخرى فالطريق مزدحمة " قالت ببراءةٍ مصطنعة.
لحظات وكانت سعاد داخل السيارة عن يمين الشاب ذو الثلاثين عاماً وقد بدأت في تنفيذ مخططها الملعون.
"
أتمنى ألأَّ أكون قد أقحمت نفسي عليك " قالت سعاد.
"
إطلاقاً .. فالطرق حقاً مزدحمة .. إلى أين بالتحديد ستتجهين !! قد يكون طريقنا واحد " قال الشاب
"
أتمنى ان يكون طريقنا واحد" أردفت بدلالٍ واقتربت منه أكثر . لم يكن الشيطان يحتاج الكثير ليوقعهما سوياً في حبالهِ .
لحظات وقالت بوضوحٍ بعد أن خلعت خمارها الغير مستقر على شعرها:
"
أهناك متسع في سريرِك لشخصٍ آخر ؟؟! "
لميجاوبها شفاهةً وأكتفى بوضع يدهِ علي يدها المرتعشة . لقد أفلح الشيطانُإذاً فها هما في شقةٍ مشبوهةٍ وفي وضعٍ مشبوه ولا يفصلهما عن بعضهما فيسريرٍ واحد سوى ما يكفي لدخول نملةٍ صغيرة دون أن ترفع يدها ملوحةًلصويحباته بالوداع ... تقلَّصت المسافات والملابس بينهما وعلى الأريكة يصفقالشيطان بسرورٍ لسعاد .
أتمت سعاد مخططها الخبيث وأخذت رقم تلفونهورجعت لمنزلها بعد أن نامت أمها العجوز. إرتدت سعاد أجمل ثيابها وخرجت بعدالثامنة من مساء اليوم التالي وبدأت رحلة البحث عن ضحيةٍ أخرى من ذاتالرصيف .. لم يطل إنتظارها هذه المرة فالملابس التي ترتديها جعلت الآخرينيتسابقونَ لخطفها ، سريرُ آخر ، وعُريٌ آخر ومريض آخر .. أكملت حماقاتهاوأخذت رقم تلفون ضحيتها الجديدة وقفلت راجعة للمنزل .
لأكثر من عشرينيوماً وسعاد تمارس الفاحشة دون تحفظ وتشترط على ضحاياها أن يمارسوا معهابتحررٍ كامل وبدون أي عازل لتكتمل جريمتها .. مزيداً من الضحايا ومزيداً منأرقام هواتفهم الجديدة صارت في حوزة سعاد وأمها المسكينة تنام دائماً بحجةأن إبنتها مع صديقتها "سوسن" .
بلغ اليأس ذروته لدى سعاد ، فالأكفانالتي خاطتها لم تشغلها عن همومها وخوفها من المستقبل المميت .. تدهورتصحتها وأصبحت رهن سجنها المخيف لا تبارح منزلها ولا تأكل .. كثيراً منالمحادثات التلفونية الفاضحة وكثيراً من الأصدقاء التي تدلهم على فتياتسيئات من مكانها بحكمِ أخلاقها السيئة .. تريدُ حيِّزاً أكبر من الإنتشارلذلك الفيروس وتريدُ أكبر عدداً من الرجال المصابين . ذكريات تلك اللياليالفاسقة تترائي أمامها وتستعرضها بفرحةِ المنتصرين رغم دموعها التي لمتفارقها أبداً . وفي كل مرةٍ تحصي عدد ضحاياها .. واحدٌ وثلاثين رقمتليفوناً جديداً مما يعني واحدٍ وثلاثين ضحيةً .
"
كم مرةٍ يجب أن يموتمحمود في داخلي !!" قالت لنفسها وانفجرت ضاحكة " لا يهم ... فكل هؤلاءالرجال تحت أمري وتحت رحمة نظرتي ، لن يروي شبقهم غيري كما لن يقتلهم أحداًغيري " وعادت لبكائها الغريب. بكاءٌ وضحكٌ وصمتٌ ووجوم يسيطران عليها فيآنٍ واحد ورهبة أن الموت يقف على بابها في إنتظار أن تفتح ، لم يبرحمخيلتها .. تخاف أن تخرج من غرفتها فيصطادها الموت .. تخافُ إن باحت بحقيقةمرضها للآخرين ، أن ينبذوها ويتخلوا عنها .. لا تريد أن تفقد كل هذهالأشياء المحيطة بها ولكنها يجب أن تعيش كالأخريات لابد لها أن تتزوج وتنجب .. تجاوز عمرها الثامنة والعشرين عاماً ولم يتقدم لها أحد فالجميع في الحييعرف علاقاتها المشبوهة بمحمود الذي شوَّه سمعتها وهرب وهو مثله مثل زوجوالدتها الذي خانَ أمها وتم ضبطه متلبساً مع إمرأة أخرى وكثيراً ما حاولالإيقاع بسعاد وهي ما تزالُ طفلةً .
كلما همدت نار إنتقامها من محمودقليلاً ، تُشعِلها بكراهيتها لزوج أمها الذي لم يكن أمامهما سوى ثورٍ هائجيضربهما لأتفهِ الأسباب ولا همَّ لديه سوى النساء .
"
سِكيرٌ غبي مثل محمود ... تُفٍ لقبيلةِ الرجال "
أخرجتها سعاد بمنتهى الحقدِ والكراهية .. لقد حان الدور لكي تردَّ حقوقها وحقوقِ أمها ...
أخذتالإحباطاتُ المحيطةُ بها تُقعِدَها أحياناً على الأرض وأحياناً على طرفسريرها الصغير وأحياناً تختبئ داخل خزانة ملابسها وترتعدُ من الخوف ،ضميرها يُمسِكُ بسوطٍ من نارٍ ويضربها كلما همَّت بالنوم وذلك الفيروس يمرحسعيداً داخلها وداخل كل الرجالِ الذين نامت معهم .
"
لابدَّ من خلاصٍ إذاً "
هكذايقترحُ عليها الشيطان في داخلِها المتمزق .. ولكن أمها المسكينة التي لاتملك من هذه الدنيا سواها وأسرةٍ خالها التي ضاقت ذرعاً بالعاصمة وأنتقلتلجذورها بإحدى الأقاليمِ النائية .
"
يجب أن أصارحَ أمي فقط ... عليها أن تعلمَ بالأمر .. ربما سيخفِّف هذا عليَّا قليلاً "
قالتوهي ممسكةً بضفيرتها المتدلية من شعرها الطويل . لا تستطيع "سعاد" ذلك فهيتعلم جيداً أن والدتها رهينة أمراض الضغط والسكَّري اللذان يبقيانهابعيدةً عن أي إنفعال لهذا ستفقدها إذا أخبرتها بذلك .
"
لا أحد سيفهمنيسوى سوسن " صاحت بفرحةٍ حزينة ولكن سرعانَ ما عادت لحيرتها حينما تذكَّرتأن عائلة صديقتها سوسن أوقفوا إبنتهم من الزيارات المتبادلة بينها وبين "سعاد" لكي لا تجرفها نحو الرزيلة .
"
إذاً ... لا شخص آخر سوى ذلك الطبيب "
أعلنهاصوت الضمير داخلها بجرأةٍ ، فأسكتته بالنهوض من مكانها والبكاء مرةً أخرىوقامت بمحادثة إحدى زوارها الليلين لكي يوفر لها مأوى أخير وبعضاً من حقنالمخدر الذي أدمن عليه.. فرح الشاب بفكرتها واتفقا على قضاء ليلةٍ سافرةٍأخرى
تجاوزت سعاد كآبتها وذهبت بيأسٍ لليلة الأخيرة التي أرضت فيها جميعنزواتها الحسية ولم ترجع حينها للمنزل .. فقد سهرا سوياً وغابا عن الوعيسوياً .. لترجع سعاد في اليوم التالي برفقةِ عددٍ من حقن تلك المادةالمخدرة .. وكعادتها قدمت حجةٍ واهية لأُمها العجوز ... ولكنها عادت ونامتعلى صدرها طيلة النهار .. قالت لها فقط أنها مرهقة ولم تخبرها بشيء .. أحستحينها بكامل الطمأنينة وهي تنام على صدرها الحاني ، ياليتها لم تفارقهأبداً .. يا ليتها لم تخرج من رحمها أصلاً .. ياليتها لم تكن أُنثى
فيالمساء .. عادت سعاد لغرفتها وقد فارقها الأمن مباشرةً بعد أن إبتعدت عنحضن أُمها .. عاد القلق بصورة فظيعة . لأول مرة تتناول ذلك المخدر .. لابَّد أنها الآن تحت رحمة الإدمان .. دقات قلبها تكاد تخرج خارج صدرها .. وقدماها بالكاد تساعداها على الوقوف .. أحست بأنها أضعف بكثيرٍ من أي لحظةأخرى .. انطبقا عليها هاجسا الإدمان والمرض .. أخذت تنظر لنفسها في المرآة .. لم تر وجهها وقتها , كانت فتاة بلا وجه .. فتاةٌ يقف الإيدز ممسكاًبيديها في عنف . أخذت يديها المرتعشتان تبحثان عن هاتفها المحمول تناولتهواتصلت بالطبيب الذي تقيم علي بعدِ نصف ساعةٍ من عيادته التي أجرت فيهاالفحص وطلبت منه بإلحاح أن يأتي لمنزلها الآن ثم أنهت المحادثة وازدادتبكاءً . كان الشيطان وقتها يُمليها مخططه بسعادة وهي تنفِّذُ بإستسلامٍ تام، إستعادت بعض تماسكها وأخذت تكتب رسالةً نصيةً على هاتفها المحمول .. رسالةٌ لطالما خططا هما والشيطان سوياً لكتابتها .. ولطالما تخلَّت منأجلها عن كرامتها وشرفها كأنثى .. رسالةٌ تحمل جملةً من الرسائل التي ستدمرجميع من أحتكت بهم وكل الرجال الذين عرفتهم .. كان محتوى الرسالة لايتجاوز الخمس كلمات فقط ، كتبتها ودموعها ترفض التوقف وقامت بإرسالهاللواحدِ والثلاثين رجلاً الذين عاشرتهم . فهي لم تأخذ أرقام هواتفهمالمحمولة عبطاً .. هاهي حوجة تلك الأرقام قد ظهرت .
بعدها قامت "سعاد" بتحطيم الهاتف فورَ تأكدها من وصول رسالتها للجميع عن طريقِ تقنية خياراتالإرسال المتعددة داخل هاتفها وأخذت تستعيد شريط ذكرياتها المرة وكل لحظهكانت مع فتاها السابق محمود والبكاء والإرتباك والقلق يحيطان بها من كلجانب ثم أخذت الورقة والقلم وكتبت بإستعجالٍ فيها " لقد إنتقمت أخيراً منمحمود "
بعدها أخذت حقنة المخدر وحقنت نفسها بكمياتٍ كبيرة جداً منه ،وعلَت ضحكتها بعد ذلك ليعقبها دموع وبكاء ثم سقطت على الأرض بإنهيارٍ تام . إنتبهت أمها لصوت الإرتطام ودخلت غرفتها في ذات اللحظة التي دخل فيهاالطبيب ليجدا "سعاد" جثةً هامدة على الأرض وما تزال الإبرة مغروسةً في يدهاالتي إنتفخت من كُثر الجرعات إلي حُقنت بها .
أنتبه الطبيب للرسالةالموضوعة بجانب الهاتف المحطم فقرأها أمام أمها التي سقطت مغشيةً عليها منالحزن .. إرتبك الطبيب قليلاً لكنه قاوم الموقف وقام بلف جثة "سعاد" بقطعةقماش وأخذ أمها للمستشفى وهي تحتضر.
في ذات اللحظة كانت الرسالة تسريبسرعة داخل شبكات الهواتف المحمولة .. أحد الشباب المعنيين بالرسالة وصلتله فقام بفتحها بسرعة وإذ بها كالآتي :
(
مرحباً بك في نادي الإيدز )
معز عوض أبو القاسم جاد الله
الإشراف الثقافي _ جامعة القضارف.






 
رد مع اقتباس
قديم 30-03-2014, 10:25 PM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
هارون غزي المحامي
أقلامي
 
إحصائية العضو







هارون غزي المحامي غير متصل


افتراضي رد: القصص القصيرة الفائزة بالجائزة الأولي.

القصة الفائزة بالمركز الأول فى المسابقة .. السّاقية
بقلم/ محمد فطومي
الرّيح داخل ذاك المعتقل القديم المهجور تتجوّل، وهي وسط أروقته المخلوعة العفنة وتلهو بأبواب زنزاناته الصّدئة.
صفير أوّله شبيه بشهقة زرّاع الفتنة.. وآخره أدنى إلى فحيح الأفاعي.
المبنى يرسو فوق تلّة صخريّة عارية في عمق غابة لا تعرف تربتها أشعّة الشّمس.
تحيط به أشجار السّرو والصّنوبر من كلّ الجهات.. كان قبل أن يخلو من خمسين عاما حصنا منيعا ً، لا أمل للسّجناء في الهرب منه، وإن فعلوا فإنّ مصيرهم هو الموت جوعا ً أو بين أفواه الضّواري.
أمّا الآن فقد أحيل على النّسيان وصار مرتعا للجرذان والسّحالي.
في ساحة الحصن شجرة خرّوب عملاقة.. رحل الجميع فبقيت وحيدة.. حبيسة، طافئة اللّون، محتجزة، ممنوعة من حلاوة القطف، مسلوبة الظلّ، مسموعة الأنين، بها شوق جريح لمعانقة الأعشاش من جديد.
تتوق منذ البذرة الأولى إلى الخروج وعناق أخواتها، لكنّها تقف عاجزة لا حول لها ولا قوّة.
أخواتها في الخارج هنّ أيضا لا يملكون لها سوى الصّلاة والإيماءات الخرساء.. والانحناء يمينا ً وشمالاً إكبارا لصبرها.
فالأشجار لا تغادر أماكنها، ولا تهرول، ولا يطلق سراحها، ولا هي تدفع عن أغصانها النيّران إن احترقت.. فكيف إذن لو طلب منها أن تتحالف ضدّ القلعة وتخلّص الخرّوبة العالقة منذ ما يزيد عن مائة عام؟
بعد طول انتظار، أوحي لشجرة الخرّوب بأنّها على أبواب نصر عظيم.
تساقطت الأمطار بشدّة مبشّرة بانطلاق المعركة.
ولسماحة التّدبير فإنّ الأمطار حين تهطل، لا تفرّق بين معتقل أو واحة.
مدّت عروقها الضّخمة من تحت أساس المعتقل الصخري الصلّد.. وجمعت ما بقي لديها من قوّة.. وطوّقت البناية من كلّ جانب، وبدأت تعصر الحيطان عزما ً وغضبا وطاعة.
تشقّق السّور العالي وبدأت تتناثر منه الحجارة.
الأمطار لا تتوقّف بعد.
الجداول العطشى امتلأت كلّها وفاضت في وقت وجيز.
الجذوع تزداد إصرارا وسمكا.
إنّها تطوّق المعتقل، تخنقه وتسحق ضلوعه.
كلّ الأشجار تتطلّع بإعجاب وذهول إلى مشهد الخرّوبة وهي تنتحر وتنسف دعائم الخرافة.
هاهو المبنى يتهاوى ويتمزّق كورقة بين أذرعها.
إنّه يستغيث.
جميع من في الغابة ينتظرون هذه اللّحظة، فقريبا ستنجلي عنهم آخر آثار المستعمر الدّخيل.
فجأة دوّى انفجار عنيف كالرّغاء، هزّ أرجاء الغابة بأسرها، وظلّ يتردّد.
الحطام يتكوّم إلى الدّاخل.
إنّه يسقط فوق الشّجرة العملاقة ليقسمها إلى نصفين ويطمرها إلى الأبد.
سكت المطر وهفتت سحابة الغبار.. وبحّ صوت صدى الانفجار حتّى تلاشى.. وابتعدت الغيوم السّوداء وران في الفضاء سكون مرعب.
فوق فرع صغير من جذع الخرّوبة، كانت قد ألقت به قبل المعركة قرب ساقية على السّفح، ولد برعم غضّ صغير به نضارة الطّفولة بعد.
دفع برأسه قطرة مطر .
نظر حوله فلم ير شبيها له فنادي بصوت يتيم:
أمّي.. أين أنت يا أمّي؟
مالي لا أراك يا أمّي ؟
كلّ كائن في الدّنيا له أمّ، فأين أنت يا أمّي؟
ثم أصاخ السّمع.
و لكن .....
ما من مجيب.
فعاد إلى النّداء من جديد.
مرّة ......و مرّتين ...... و ثلاث......
سمعت الصّوت بلابل وكروانات الغابة، فجاؤوا من كلّ صوب يلبّون نداء الخلق ويستقبلون الوليد، ثمّ تحلّقوا حوله يرفرفون مصفّقين بأجنحتهم، يشدون له.. يلاغونه.
ويروون له الحكاية الأزليّة للتفتّح من تحت أنقاض الخسران.
حكاية الزّوال من أجل الدّوام والبعث.
**************
الرابط http://www.egyig.net/Public/articles/story/11/70635292.shtml







 
رد مع اقتباس
قديم 12-05-2014, 01:23 AM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
هارون غزي المحامي
أقلامي
 
إحصائية العضو







هارون غزي المحامي غير متصل


افتراضي رد: القصص القصيرة الفائزة بالجائزة الأولي.


النصّ الحائز على وسام الاحتراف الذهبيّ لأدب القصّة
نهر من لوعة
للأديبة المبدعة: وسام دبليز


صرختأمي وكأنني سأقترف عملاً معيباً: طفل أنبوب ؟ ماذا حدث لك يا بنيتي,هلفقدتِ عقلك ؟استغفري الله , اصبري وتوكلي على اللهِ والأنبياءِ والأتقياء , قدمي الأضاحي وتضرعي للرحيم .
آه يا أمي, أخطأتُ حين حملت أمومتي المبتورة إليك لعلََّ يدك تساعدني في الوصول إلى شواطئ الفرح وأن أحمل طفلي بين ذراعي .
حاولتِبكافةِ الأساليبِ إبعادي عن هذه الأفكارِ السّوداء, وأنت تُوقظين في روحيالخوفَ من غضبِ الله, فهذا عملٌ لا يرضيه , لم أستطع أن أقدمَ لكِ مايُقنعك , كنتِ تتخيلين أطفالاً على شكلِ أنابيبٍ ناطقةٍ متحركةٍ يأتون منعالمٍ أخر , كنتِ تسألين بعفويّة: كيف سيكون شكلهم ؟ كيف سأحملهم؟ لا ..لابدّ أنك فقدت صوابك يا بنيّتي .
هززتُرأسي أمامك وأنا أغلق الباب الأول الذي توسمت على عتباته الخير, خرجتُوجبلٌ من الحزن أقامَ في وجهي ,وعدت إلى البيت الذي ضاق بي بقضبانهِ وأخذيبخلُ علي بهوائه ,من أين لنا بهذا المبلغ وراتبُ زوجي بالكاد يسدُّنفقاتِنا اليوميّة؟
تحتثقل الديون جلسنا نبني غداً مشرقاً نحمل فيه طفلاً ينثر فوقنا الفرح حينيناغي لنا ,ومع إبر التحريض بدأنا نبني قصراً عالياً من الأمل نزرع حولحديقته الحبَّ وننصب لطفلنا الموعود أرجوحة من الياسمين, ونبني حوضاً منالفرح نغطسَ فيه حتى الغرق .
كلماتُالطبيبِ لم توقد شمعة الأمل فقط ,بل أشعلت مشاعل من حولي وشمساً أمامي ,حتى صرت أهذي بطفلٍ في أحلامي ,فأنام وأنا أغني له لاستيقظ على بكائه .
عافتنيالمرآة وأنا أقفُ أمامها ببطني المنتفخ ,أستديرُ في كافةِ الجهاتِ لأرىجسدي الذي تغيرت تفاصيلُهُ الرقيقة بفعل هذا القادم الصغير, وعبثاً أبحث فيفوضى ثيابي عن ثوب يناسبني، وأنا أحمل طفلي الممتلئ فلا أجدُ ما أدثر بهجسدي بتضاريسه الجديدة , وألمسُ الوسادة الصغيرة التي اعتادت موقعها اليوميتحت ثيابي ،وأهمس له :متى ستخرج ؟ متى سيزرع وجهك حياتي ورداً وعنبراً ؟
وعندماتمت زراعةُ ثلاث بويضاتٍ ملقحة في رحمي المتوقد تهتُ بين الوسادات الثلاث , وصار الشرشفُ الأبيضُ الوحيدَ القادرَ على تدثيري أنا وصغاري ..سيكونانذكرين وبنتاً ..علي ،غدير،زينب,أو بنتين وذكر زينب ،ميس،غدير.
المهم السلامة ..كنتُ أحلمُ بطفل ..طفلٍ واحدٍ فقط وهاهي ذي عدالةُ السماء تهبُني ثلاثةَ َأطفالٍ دُفعةً ًواحدة .
خمسةََعشرَ يوماً وتظهر نتيجةُ زرع البيوض , لكن لا داعي للنتيجة , فأنا أشعربهم في رحمي الذي يشع بعد ظلام دامس , ينمون ببطء وتمتد أصابعُهم البيضاءُالصغيرةُ أو ربما السمراءُ إلى روحي , مكانُهم الآن جوارَ قلبي تماماً , يمدُهم بالحب والدفء ويظلُلهم بالحنان .
بعيداً عن خوف أمي والناس رحت أخطو بحرصٍ على حافةِ الحذر وأبني أحلامي, قلقتُ على أطفالي من مجتمع يشير إلهم بأنهم من الأنابيب .
فوضعتلاصقاً على فمي كي لا تجرفني مشاعري وأخبرَ أمي المسكينة التي لن تأتي يومولادتي لمساعدتي كما ساعدت أخواتي ,لأنها بتأكيد ستخاف على الأنابيبِالصغيرةِ أن تنزلق من بين أصابِعها وتنكسرَ عند أول حمام لهم, وستخجل أمامالناس من هذا العمل المعيبِ الذي اقترفته ابنتها المثقفة.
هو ثوب التوترِ أحاط بزوجي ,بينما كنتُ أحاول زرع الأمل ,فأنا أم وأنا أشعرُ بِهم، ثلاثة ُأطفال أنبضُ ِبهم .
بمغلفٍمطوي استلمنا نتيجةَ َالتحاليل من المخبر, وكفراشةٍ رفرفت إلى الطبيب , بينما تَبِعني زوجي متثاقلاًَ ورائي ،هو العد التنازلي ..يستقبلنا بحب ..أكادُ أقاطعُه بلا تكلَّف :هيا أفتح المغلف ...
يضعنتيجة التحليل على الطاولة, تتعانق عيناي مع عيني زوجي للحظة, ثم تتشبثعيوننا بالمغلف وكأننا هران مستعدان للانقضاض على فأر صغير.
يسألالطبيب عن التعليماتِ والصحةِ والأخبارِ ومفاصلُ أصابعِ يدي تفرقعُ واحدةبعد الأخرى وقدماي تهتزان بشكل متواترٍ, بينما يطرق زوجي الطاولةَ َبأصابعهوالعرقُ يتصبب من جبينه.
أبتلعُ لعابي الجاف, وأشيرُ بيدي إلى المغلف مقاطعةً حديثَ الطبيب وكأنني أنهَرُه :كفى.. هيا افتحهُ .
فََتحالمغلف , فكاد قلبي يخلع عنه ثوب النبض، وتشبثت بكلمة تقف على لمى شفتيه ..ابتسم لي ..حبستُ ابتسامةً في داخلي , وبرقَ الأمل ..بينما غامت الدنيافي عيون زوجي أمام هذه الابتسامة .
أسندالطبيبُ ظهره إلى الوراء وشبك أصابعه ببعضهما البعض: لا أدري ماذا سأقول ..البويضا كانت من الدرجة الأولى ....وظروف الزرع كانت ممتازة ،ولقد بذلناالكثيرَ من الجُهد والعملِ المتقن و..
قاطعته بحدة وماذا بعد : أريد نتيجةَ التحليل .
كنت أدرك ما وراء الكلماتِ لكني أردت سماعها من فمه كي لا أسيئ الفهم .
بنبرةِ صوتٍ ضعيفة : لا يوجد تعشيش للبيوض التي زرعناها...لم يحدث حمل. ..
ابتسمت له:هل أنت متأكد من النتيجة ؟هل أعيد التحاليل ؟ربما هناك خطأ ما ,أنا أشعر ِِبهم .
بهدوء همس : لا ينبض قلب الجنين إلا بعد الشهر الثالث .
قاطعته :لكني أشعر بهم هم ثلاثة ..يوجد خطأ ما .
كلكلمات المواساة التي سكبها فوق روحي لم أسمعها , تهتُ في عالم اللاوعيللحظات خرجت متثاقلة أجر جسدي مثل سُلَحْفاةٍ ورأسي فارغ مثل كرة ماءمنفوخة ، فجرت قُنبلةَ حزني عندما وصلت إلى المنزل, وكأنني فقدت أطفالاًحملتهم تسعة وأرضعتهم عشرة وأحببتهم عُمراً.
يا لي من حمقاء لقد أقنعت نفسي بما لم أحمل ,ووصل الجنون بي لأشعر بأجنة لم تسكن رحمي للحظة .
الوساداتُ الثلاثُ ترامت أمامي كأجسادٍ صغيرةٍ فارقتها الروح, بعد أن ضجت شغباً وحباً في حياتي .
ارتميتُ فوقها وقد أصابني الجنون وأنا أصرخ بهم معاتبةً لماذا تركتموني ؟
سقطتْ روحي في بِئر الحُزن ووحدها كلمة ُماما كانت قادرة على الارتقاء بي .
الأطفاليتراكضون في ساحة العمر, وأرمُقهم بحسرة, أزقزق معهم وهم يتنقلون بينأغصان الحياة , أتمنى أن أتحول إلى غجرية تخطف ذلك الطفلَ الأشقرَ منأرجوحة فرحه لأهربَ به إلى عالم أخر ،حتى أنني بتُ أخافُ عليهم من لحظةجنونٍ تعصفُ بي وتحولني إلى سارقة أطفال.
سنونمرت وامتد الصقيع معها إلى فراشنا الزوجي, وأخذت أعاتُبه بعيني فيجيبنيقلبُه :أنت السبب ..ما ذنبي حتى أُحرم من طفل يحمل اسمي ويسعد أمي .
ويعاتبنيبنظراته فتبكي روحي :أنتَ السبب ..ما ذنبي أن أعيشَ مبتورةَ الأمومة ,أنأحرم من كلمة ماما ألا يضيءَ رحمي لطفلٍ ولا يتدفقَ الحنانُ من نهدي لثغرٍ ولا تورقَ صحراء صدري لجسد ابني وهو بين يدي , لطفلٍ يحفرُ وجهه بعينينمغمضتين بين هضابي باحثاً عن ينبوع حبي المتوثبِ للعطاء،طفلٌ يدندن ٌعلىأوتار أُذني ,ويقلب حياتي رأسا على عقب فُيثير الفوضى في ترتيب منزلي.
بعد سنين عاد ذلك الأملُ ليدغدغَ مشاعري ,أريد طفلاً لا بدَّ من نجاح عمليةِ الزرع هذه المرة...نعم طفل ..سأحاولُ مئاتِ المرات .
وأمام رفضِ زوجي جلستُ راكعة أمام قدميه أطلب منه الرحمةَ َبقلبي والمحاولةَ َمرةً أخرى.
وعدتُإلى المركز وأنا أُعُد نفسي لطفل ولأملُ جديد , وعادت الوسادةُ لتستقرَتحت ثيابِي وأنا ألتهمُ نفسي أمام المرآة بجسدي الجديد ،لعله حلمي الوحيديمزق شرنقته ويرفرف إلى النور ،يستقر بحب بين ذراعي فأهديه من فيض أمومتينهراً دائم التجدد في العطاء، يصب في بحره الصغير فيفيض عليه حتى الغرق.
يقال الأمل يصنع المستحيل ،سأتمسك بك حتى تصبح حقيقتي الوحيد ،أليس كذلك يا صغيري ؟
رنينالجرس يزف فرحتي بحمامك الأول ،تدخل أمي بخطواتها المترددة وهي ترشق وجهيبتلك النظرة الحزينة، أطلب منها نزع الثياب عن جسدك ريثما أجهز لك حمامكالصغير ،ومن بين تلك الردهة التي تصل الحمام عن غرفتك ،يأتيني صوتهاالمكتوم بنشيج حزين ،يخترق أذنيَّ كرصاصة ،أهرول إليها ،فأجدها أمام سريركتحفر وجهها في الوسادة وقد تناثرت "ديارتك "على الأرض ثم تضمها بصرخة ألمإلى نار صدرها
الرابط:
http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?






 
رد مع اقتباس
قديم 06-08-2014, 11:01 AM   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
هارون غزي المحامي
أقلامي
 
إحصائية العضو







هارون غزي المحامي غير متصل


افتراضي رد: القصص القصيرة الفائزة بالجائزة الأولي.

هذه القصة فازت بالمركزالثاني في مسابقة االقصة القصيرة في جمعية الثقافة والفنون بالدمام.

تشابه..!!

قصة :نورة سعيد الأحمري

اعتدلت في جلستي اقلب تلك المظاريف الملونة التي حملها لي حصاد الاسبوع البريدي.. صففتها امامي على طاولة المكتب كأوراق لعبة احفز بها ذاتي حين أقع في حيرة!!بماذا أبدأ؟؟وكانت البداية.. مع ظرف شدني اليه بألوان طوابعه التي تحمل شعار الفن التشكيلي.. تناولته بعناية فالمثل يقول (الكتاب يقرأ من عنوانه) وبدت لي عناية الباعث، ومن عادتي ان القي نظرة الى اسفل الرسالة للاستبيان، ولكن هذه المرة كانت مغايرة عما سبق فالاسم ليس بغريب على ذاكرتي.. يا إلهي أيعقل ان تكون هي؟اعود لقراءة عنوان المرسل واذا به نفس المكان..!! الدمام..اعود لمحتوى الرسالة فأجد الكلمات ترفرف منها شفافية متناهية، ومن بين ثنايا الحروف طلب مصاغ بأدب جم ان ارسل مجموعتي، فأبقى لدقائق بين مصدقة ومكذبة هل يعقل أن تكون هي؟؟وتعود بي الذاكرة لتفتح على صفحات بداياتي المتعثرة على مقعد الابتدائي، خاصة ذلك اليوم الذي حملت فيه مرارة الرفض والتقريع من الجميع وكأني اقترفت جريمة يقام لها الحد.. جريمتي قصاصة كتبت عليها خاطرة شعرت بها للحظة ما، في غفلة عما قد تخلفه هذه القصاصة من ألم في نفسي لفترة طويلة..اجواء غريبة.. مداهمات على محتويات حقائب الطالبات وبالذات من كن في الصف السادس- يقرع الباب ثم تطل المعلمة منى برأسها بعد اذنك ابله هند..تفضلي..تدخل وتغلق الباب وكأنها تعلن عن حين يوم الحساب.. خمس دقائق فقط!!- ماذا هناك؟؟تساؤل تلقيه المعلمة هند عندما رأت الحيرة على تقاسيم الطالبات والذعر ايضا..تفتيش..!! ثم تبعثر الحقائب والدفاتر بحثا عن ماذا..؟؟ لا اعلم!!ويطالني الدور في هذه الحملة.. تقلب الصفحات وتبعثر المحتوى.. تتطاير من عينيها فرحة بوجود قصاصة صغيرة كتبت عليها بعض الكلمات..تتمتم وعيناها تسابق الحروف لتصل لنهاية الجمل.. ثم تنظر الي وقد احمرت عيناها..لمن هذه؟؟انها لي.. قلتها وانا ارتجف من هلع الصراخ والحدة..قفي هناك.. فأقف بجانب ندى التي وجدت معها مشطا صغيرا.. فبعثرة.. فبعثرة.. ثم يهدأ الاعصار وتعود الطالبات للدرس، اما انا وندى فقد كان نصيبنا النزول الى الادارة، ونقف خمس طالبات امام المديرة.. فاشعر باختناق ودوار فقد افزعني الدخول الى هذه الغرفة التي لم يسبق لي دخولها.. وعلى طاولة المديرة ادوات الجرائم ما بين اوراق وامشاط وعطور..والمعلمة منى واقفة تضرب الارض بقدميها فيزداد التوتر وتجف الحلوق من الهلع والوجل الذي ارخى حتى العظام، فتلونت الاوجه بألوان الخريف الذابلة وغدونا كورقة صفراء في مهب الصراخ..المساعدة تحضر البيانات تبدأ بالاستجواب.. ما اسمك؟؟ندى العبدالله..رقم هاتف المنزل والعمل؟؟لا احفظهما..بسيطة.. وأنت..عبير احمد.. وقد كانت فرائصي ترتعد ودبت برودة غريبة في اطرافي وقشعريرة وخيل الي للحظة ان ما ارتدي قد اصابه بلل ما.. وتتوالى الاسماء.. وتستخرج المساعدة الارقام لكل واحدة منا.. ونحن كأوراق دهستها الاقدام دون رحمة.. وشارفت على الانتحار بسقوطها، في هذه الاثناء كانت المساعدة قد قامت باستدعاء الامهات الى الحرم المدرسي، وخيل لي ان الادارة قاعة للمحاكمة، ويأتي دور الاستجواب من المديرة..هل هذه الورقة لك؟؟ااااجل..ولمن كتبتها يا عبير؟؟لم اكتبها لاحد..!!هل تدركين المقصود من كتابتك؟؟اجل.. ولكنها خاطرة تعبيرية كمادة التعبير، والخوف يستوطن في كلماتي تلك اللحظات فلم اعد استوضح المكان من شدة اغماضي وانحشار رأسي بين كتفي.. تناولني الورقة ثم تقول اقرئي ما كتبت امام والدتك..اتناول الورقة وقد يبست حروفها وجفت اوصالها وتقاطر منها الامل على ارض تلك الطاولة التي امتصت بقايا الوجود فيها.. أقرأ ودمعتي تصرخ بين عروقي.. في عين القمر ارسم لك صورة.. وارسم دربا مع الطيف يغني.. من عين القمر اسرق نورك.. وأتوارى بين اسرارك.. انت نور أيامي وصدى احلامي.. ثم تقف كلماتي وانا انظر اليها بحيرة وألم كوني اعلم بأنهن سيحكمن عليها بالإعدام رميا بالوعيد، فلم اخرج الا بعد ان وقعت امي تعهدا على مشاعري بأن لا اعود لتلك الافعال..وتمضي بي الاعوام وانا في رحلة مع الورقة والقلم فلم تثنيني صرخات المعلمة منى او حتى تلويح المديرة مريم بالفصل.. يا إلهي.. ايعقل هذا وبعد تلك السنين ان من يطلب اهداء لمجموعتي هي من صادرت حقي في مرحلة مبكرة.. ايعقل ان تكون هي مديرتي مريم الحسن.. ولكن قد يكون تشابها.
http://aljsad.com/forum36/thread37451 الرابط /







 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 09:59 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط