قصة تركية لعزيز نسين - وهو روائي وقاص وكاتب مسرحي تركي ساخر
ولد عام 1915، وتوفى عام 1995
تدور هذه القصة حول رجل مهذب، ومثقف، ذهب في سياحة إلى قرية من القرى التركية النائية، وعندما وصل، استقل سيارة ليتجول فيها، وبينما هو في جولته، لفت نظره بيتا جميلا من طابق واحد، يتجمهر حوله عدد كبير من رجال ونساء وأطفال القرية. . فسأل الرجل السائق: بيت من هذا؟ فإذا بالسائق يتذمر ويقول: بيت "الزفت السافل الله ياخده"!! بيت الموظف الذي أرسلته الحكومة ليرعى شؤون القرية . . قال الرجل: ما اسمه؟ . . رد السائق: ليذهب إلى الجحيم هو واسمه . . إننا ننعته بالرجل السافل الحقير .. . سافل بمعنى الكلمة.
اندهش الرجل، لأنه يعلم أن السائق رجل طيب وعلى خلق فكيف ينعت الرجل هكذا بأبشع الصفات!.
في مساء نفس اليوم، جلس الرجل في مقهى القرية الرئيسي ، وسأل صاحب المقهى قائلا: ما رأيك في الرجل الموظف الذي يرعى شؤون قريتكم؟ . . فبصق صاحب المقهى وقال: سافل حقير. . قال الرجل بفضول: لماذا؟ . . قال له: أرجوك، لا تفتح سيرة هذا الرجل إنه حقير حقير حقير, لا "تعكنن" مزاجي في هذه الأمسية بهذا السافل.
ظل الرجل يسأل كل من قابله من أهل القرية نفس السؤال، ولا يتلقى إلاّ نفس الرد "الحقير المنحط أسفل السافلين"، عندها قرر الرجل زيارة هذا الموظف في بيته ليرى عن قرب ماذا فعل لأهل القرية حتى وصفوه بكل هذه الأوصاف.
دخل الرجل إلى بيت الموظف رغم تحذير السائق, فوجد الموظف واقفا وأمامه فلاح يسيل الدم من قدميه الحافيتين والموظف يضمد جروحه ويعالجه ويمسح الجروح بالقطن، وإلى جواره ممرضته تعمل بكل همة معه لتطبيب ذلك الفلاح. اندهش الرجل وسأل الموظف: أأنت طبيب؟ فرد الموظف: لا. بعدها دخلت فلاحة شابة تحمل طفلا أعطته للموظف، فإذا بالموظف يخلع ملابس الطفل ويصرخ في أمه: كيف تتركين طفلك قذرا هكذا؟ لقد تعفن المسكين. ثم أخذ يغسل الطفل دون أن يأنف من رائحته الكريهة، ثم ضمه إليه بحنان دافق وراح يداعبه. بعد ذلك، جاء أحد الفلاحين ليستشير الموظف في أمر يتعلق بزراعة أرضه, فإذا بالموظف يقدم له شرحاً وافيا لأفضل الطرق الزراعية التي تناسب الأرض . . بعد ذلك توجه الموظف لينفرد بأحد الفلاحين, ويدس في يده نقوداً ، تأثر الفلاح، وبكى ثم حاول أن يقبل يد الموظف/ لكن الموظف صرفه بسرعه وقال: المسألة ليست في العلاج فقط، الطعام الجيد مهم جداً. بعد ذلك وجد الرجل أ، الوقت مناسب ليجلس مع هذا الموظف، وحين أحضرت الممرضة الشاي، اكتشف الرجل أنها زوجة الموظف، تجاذب الجميع أطراف الحديث- فلم يجد الرجل شخصاً أرق أو ألطف من الموظف، ولا أكثر منه ثقافةً ومودةً وحناناً.
عاد الرجل ليركب سيارته وقال للسائق: قلت لي إن هذا الرجل سافلً . . لكنني قابلته هو وزوجته ووجدتهما ملاكين حقيقيين, فما السيئ فيهما ؟! قال السائق: آه لو تعرف أي نوع من السفلة هما؟! قال الرجل في غيظ: لماذا؟! قال السائق: قلت لك سافل يعني سافل...أغلق هذا الموضوع من فضلك.
هنا جن جنون الرجل وذهب إلى محامي القرية وأكبر مثقفيها، وسأله:
هل ذلك الموظف المسؤول عن القرية يسرق؟! فأجابه المحامي: لا يمكن, إنه هو وزوجته من أغنى العائلات . . وهل في هذه القرية ما يسرق؟! فسأل الرجل: هل تعطلت الهواتف في القرية بسببه؟! فقال المحامي: كانت الهواتف كلها معطلة، ومنذ أن جاء هذا الحقير تم إصلاحها واشتغلت كلها . . فاستشاط الرجل في غيظ وقال للمحامي: طالما أن أهل القرية يكرهونه ويرونه سافلاً هكذا لماذا لا يشكونه للمسؤولين؟! هنا، أخرج المحامي ملفاً ممتلأً وقال: تفضل . . أنظر . . آلاف الشكاوى أُرسلت فيه ولكن لم يتم نقله وسيظل هذا السافل كاتماً على أنفاسنا.
قرر الرجل أن يترك القرية بعد أن كاد عقله يختل ولم يعد يفهم شيئا.ً وقت الرحيل... كان المحامي في وداعه عند المحطة. فإذا به يقول للرجل بعد أن وثق به وتأكد من رحيله: ثمة شيئ أود إخبارك به قبل رحيلك .سأله الرجل: ماهو؟
فاجاب المحالمي: من خلال تجاربنا مع الحكومة . . أدركت أنا وأهل القرية جميعاً أنه عندما يرسلون إلينا موظفا عموميا جيدا ونرتاح إليه ويرتاح إلينا تبادر الدولة فورا إلى ترحيله من قريتنا بالرغم من تمسكنا به . . وأنه كلما كثرت شكاوى أهل القرية وكراهيتهم لموظف عمومي كلما احتفظ المسؤولون به . . لذا قررنا نحن جميعاً واتفقنا أن نسب هذا الموظف وننعته بأبشع الصفات حتى يظل معنا أطول مدة ممكنه، وكلما بالغنا في إعلان رفضنا له، وأرسلنا العرائض والشكاوى ليبعدوه عن القرية ، كلما أصرت الحكومة على إبقائه، وبهذه الطريقة تمكنا من إبقاء الموظف عندنا أربعة أعوام . . أتعلم. . لو تمكنا من إبقائه أربعة أعوام أخرى، تاكّد أن قريتنا ستصبح جنة.