فجرُُ يغُطُ فى النومِ .. و ليلُُ يسدلُ الظلمةَ على البقاعِ ..
الساحراتُ الماجِناتُ فككنَ الضَّفائرَ نثرنَ جدائِلَهُنَ و رُحنَ يوقِدنَ النارَ .. يمارسنَ الطقوسَ تقرباً لإلهِ الظلمةِ كى يترُكَ الفجرَ نائماُ و يضفى على هذا الليلِ مزيداً من اللونِ الأسودِ الذى يساعدهُنَ على ممارسةِ السحرِ و اللهوِ و الضحكاتْ ..
و أبو بكرٍ الطفلُ مُتيقظُُ يتأملُ الأشياءَ من حولهِ و الكبارُ الذين يغُطُّونَ إلى الفجرِ فى نومٍ عميقٍ ..
رأى نفسهُ يحبو بين أرجُلِهم .. ينظرُ فى سخطٍ إلى هذه الهاماتِ العاليةِ التى تستطيعُ أن تلمسَ السماءَ بأطرافِ أصابِعِها و كيف أنهم يتلاعبون بالأشياءِ من حولهِ .. كيف يستطيعون فتحَ بابِ الثلاجةِ و إشعالِ الموقدِ و نقلِ لُعبهِ المفضلةِ من رفٍ إلى رفِ غير عابئينَ برغبتهِ فى إعادةِ ترتيبها كما يتراءى لهُ و حينها لا يملكُ سوى البكاءَ الذى يدفعُهم أحياناً إلى استنتاجِ رغبتهِ أو تجاهُلها بإلقاءِ اللعبِ على الأرض بجواره و كأنهم يقولون له ضعها حيثُ تشاء .. ساخرين من عدمِ قدرتِهِ على أن يطاوِلَ هاماتَهم و ما يستطيعون ..
اللحظاتُ تمرُ و أبو بكرٍ يتأملُ .. الساحرات يترقبنَهُ بشغفٍ عابثين به تارةً و تارةً ينظرنَ إليه فى ريبةٍ حين يسألهُنَ عن أشياءَ كثيرة لا يردن له أن يعلم عنها شيئاً .. سألهن عن السماءِ و الأرففِ و سطحِ الموقدِ و بابِ الثلاجةِ و كن يجبنه
– غداً ستعرف ..
سألهن عن الألوان وهذا اللونِ الأبيضِ الذى دائماً ما يظهرُ فى باطنِ السماءِ متجاوزاً رُقعة اللون الأسود – غداً ستعرف .. ( يا له من غدٍ بعيدٍ .. يا ليتنى أستطيعُ بلوغَهُ قبل استيقاظِ الكبارِ ..
أبو بكر الآن وحده متيقظاُ .. و الكبار نيامُ .. تنبه إلى أنهم دائماً واقفون .. أعوادُهم منتصبةُُ .. و هذا ما يجعلها ترتفع إلى حد السماء ..
- لهذا لا يتركوننى أحاولُ الوقوفَ .. ربما يخشون أن أباريهم فى ممارسة الأشياء التى يستطيعونها .. الساحراتُ يترقبنه.. و أبو بكر قرر أن يشدَّ عوده .. أن يصل إلى باب الثلاجة و أرفف اللعب و سطح الموقد ..
– سوف أتجاوزُ كلَّ هذه الأسطح عابراً إلى عنانِ السماءِ .. فبماذا أبدأ ..
ترك النيامَ يغطُّون و راح يحبو جيئةً و ذهاباً
- بماذا أبدأ ..
هداه التفكيرُ إلى الموقدِ .. أقربُ الأسطحِ .. راح يُرْبِى خطواتِ الحبوِ تجاهه .. و الساحراتُُ يتحفزن .. يشعرن برغبته فى إيقاظِ الفجرِ .. قتلِ إلهِ الظلمةِ و استدعاءِ الغدِ الذى سوف يجيبُ على كلِّ أسئلتهِ .. أقتربَ من الموقدِ .. لامَسَهُ .. استندَ إلى أحدِ قوائِمِهِ .. ها هو الآن يقفُ على ركبتيِهِ مبتسماً ..
قارب أن يصل .. و الساحرات يتربصن به و هو يحاول أن يقف على قدميه .. سارعن إليه .. حملن جُذوةَ النارِ و المراجلِ و عَدَوْنَ إلى السطحِ .. فى اللحظة التى طالت أصابعُهُ سطحَ الموقدِ قذفْنهُ بكراتِ النارِ ..
سكبن المراجلَ على ظهرهِ .. أسقطنهُ أرضاً ، فانطلق الضوءُ كنجمٍ ثاقبٍ قتل إلهَ الظلمةِ .. ألقى بالساحرات فى جُبٍ سحيقٍ .. أيقظ الفجرَ و النائمينَ و صراخَ أبى بكرٍ متألماً من وهج النار على جسده
استيقظَ فجرُُ و جاءُ غدُُ .. و أبو بكرٍ ممددُُ فوق السريرِ .. الكبارُ حولهُ ينظرون إليه فى لهفةٍ و شغفٍ عليه و هو شاحبُ الوجهِ .. شاردُ الذهنِ .. يفكر فى النارِ .. الضوءِ .. راح يسأل أعينهم
- أما من سبيل لنشأة الضوء سوى التوهجِ و الاحتراق ..
لم يجبه أحد .. ما رحلوا .. لا يزالون حول السرير يثرثرون .. يقصون الحكايات عن نوادر الصغار .. يحتسون أكواب الشاى الذى أتوا به من فوق بقايا النار على سطح الموقد ..
ألُُم مفرطُُ ..
صهٍ .. فلقد نام الآن أبو بكر