شجرة عفيفة
أحضرت عفيفة مستلزمات الزينة كاملة لشجرة عيد الميلاد, جلست على الأرض قبالها لكي توزعها على أغصان تلك الشجرة التي تبثّ في أعماقها طاقة الفرح والأمل اللذين يشحناها للعام القادم.
نظرت إليها وشريط عمرها يواكب تفكيرها بعمر هذه الشجرة مع ساعات اقتراب ولادة العام الجديد.
عفيفة تلك الفتاة التي نبتت وترعرعت في كنف قرية ذات تقاليد وأعراف قيّدت معاصم الكثير الكثير من نساء عالمنا العربي قديماً وحديثاً بالعديد من الأغلال المثبطة.
ابتسمت عفيفة وهي تتذكر كيف أن أباها الذي عارض دراستها منذ طفولتها رغم حبّه الشديد لها,وكيف أنَّ حظها النيّر أرغمه كأنوار تلك الشجرة التي أمامها بمتابعة دراستها لوجود أخ أصغر منها يتابع تعليمه, لكن بُعد المدرسة عن المنزل أوجد مبرراً تتواجد من يكون بمثابة المرافق لإيصال ذاك الذكر المميّز.
علّقت الضوء الأول بشجرة الميلاد وهي مزهوّة بنفسها, كيف استطاعت أن تتفوق وتثبت جدارتها بالمدرسة لدرجة لفتت انتباه معلميها,الذين تفهّموا وضعها فساعدوها لأن تأخذ السنة الدراسية بسنتين, موقنة تماماً أنّ الحظ وحده لا يكفي بل يجب أن يرافقه عمل وتصميم وهمّة عالية لتحقيق الأحلام.
وأوشكت على تعليق الضوء الثاني حين توارد إلى ذهنها معارضة أبيها لإكمال دراستها بمعهد إعداد المدرسين الذي قُبلت فيه, حيث لا يستطيع أن يأمن لهذا الضلع المكسور والضعيف أن يذهب لوحده للمدينة ...- مستحيل لا يوجد لدينا بنات بالقرية مثلها - كيف له أن يكسر ويهدم كل التقاليد التي رسخت بذهنه - لا.. لا غير معقول-
علّقت عفيفة الضوء على أحد الأغصان وهي تردّد رحمك الله يا أبانا, لولاك لما قبِل والدي, تذكرت عفيفة كيف جاءته للكنيسة وشرحت له حبّها لتحصيل العلم, حين كانت عيناها تبرقان كنجمتين في سماء واعدة بأمطار خيّرة من الانجازات المتوقعة من تلك الفتاة الذكية, التي أكملت دراستها نتيجة إقناعه لوالدها طبعاً تحت شرط أن يكون تواجدها في المدينة بدير الراهبات.
ازدادت تبسماً حين أمسكت الجرس الصغير لتعلّقه أيضاً والذي بدأ يرنّ من لمسّتها, فرنينه على الفور أرجع لذاكرتها ذكرى زواجها السعيد بذاك الشاب المخلص الذي أنجبت منه أبناءها جميعهم وهي محاطة بكمّ كبير من الحظ والحبّ اللذين أشرقا في تربيتها لهؤلاء الأبناء وفي بيتها كما ستشرق شجرتها بهذه الليلة السعيدة.
وعلى فور وقفت على رجليها المتعبتين اللتين حملتاها و أحلامها الكبيرة ستين نيف و أكثر لتبحث عن كيس وضعته في غرفتها فيه الهدية التي أحضرتها لذاك الزوج المخلص, أحضرتها لتلتفت برهة لنافذة الصالة المطلّة على حديقة منزلها وقد هربت أوراق أشجارها خوفاً من صقيع الشتاء أو لربما رحلت تلك الوريقات لتحضر نفسها لربيع شهي قادم.
اقتربت من هذه النافذة التي أغرتها بالالتصاق, لتضع رأسها على الزجاج وكأنّها تريد أن تأخذ قسطاً من الراحة حتى من الذكريات تعلم أنها الآن راضية تماماً فقد أدّت أمانتها بإخلاص وتفاني وبكثير من الحب والأمل, وأن ما حققته من طموح تم بتعب وسهر لم يرافقه الحظ الأبيض فقط والذي نعتقده نحن بل بأكثر من ذلك هم الأناس الجيدون الذين أحاطت سنوات عمرها بهم فزينوا حياتها كما تلك الزينة التي وضعتها على شجرتها .