مقدمة الطبعه العربيه .. 1 .
جغرافية التوراة لم تكن في فلسطين بل في غرب شبه الجزيره العربيه بمحاذاة البحر الاحمر , وتحديدا في بلاد السراة بين الطائف ومشارف اليمن .
وبالتالي فان بني اسرائيل من شعوب العرب البائده , أي من شعوب الجاهليه الأولى .
وقد نشأت اليهوديه الأولى بين ظهرانيهم , ثم انتشرت من موطنها الأصلي , الى العراق والشام ومصر وغيرها من بلاد العالم القديم . والتوراة " العهد القديم " تشتمل على ثلاثة مجموعات من الأسفار يعترف بها اليهود , وهي " التوراة , والأنبياء , والكتب " . ( بالعبريه : سفرتوره نبي ءيم وكتوبيم ) . والجدير بالملاحظه أن لفظة " التوراة " لا تطلق عرفا الا على الأسفار الخمسه الأولى من " العهد القديم " المنسوبه لموسى , وهي سفر التكوين , سفر الخروج , سفر الّلاوييّن , سفر العدد , سفر التثنيه . ولا بد من توضيح الفرق الرئيسي الهام بين مفهوم " بني اسرائيل " ومفهوم " اليهود " و " اليهوديه " .
بنو اسرائيل كانوا في زمانهم شعبا دان باليهوديه . وقد كان لهم , بين القرن الحادي عشر والقرن السادس قبل الميلاد , ملكا في بلاد السراة . وقد زال هذا الشعب من الوجود بزوال ملكه ولم يعد له أثر بعد أن انحلّت عناصره وامتزجت بشعوب أخرى في شبه الجزيره العربيه وغيرها . امّا اليهوديه , فهي ديانه توحيديه وضعت أسسها أصلا على أيدي أنبياء من بني اسرائيل , بناء على شريعة " توراة " موسى .
وقد كان بنو اسرائيل أول من دان باليهوديه , ولكنهم لم يكونوا وحدهم اليهود في زمانهم . والديانه اليهوديه التي ربما أنتشرت أول الأمر على أيديهم استمرت في الانتشار بعد زوالهم وانقراضهم كشعب . وما زالت هذه الديانه منتشره في معظم أرجاء العالم بين شعوب مختلفه لا تمت الى بني اسرائيل بصله , لغه وعرق , مع العلم أن هناك عناصر من بني اسرائيل القدامى لا بدّ انها انصهرت في المجتمعات اليهوديه التي انتظمت في مختلف الأقطار بعد زوال ملك اسرائيل حيث قام .
ومن البديهي ان العرق بحدّ ذاته لا يموت , انما الذي يموت هو " المجتمع والانتماء والاسم " , وذلك عن طريق التحول من واقع تاريخي الى واقع آخر . والإدعاء السائد بين يهود العالم بأنهم من سلالة بني اسرائيل هو ادعاء شعري ّ لا يقوم على أي اساس من التاريخ . وبناء على ذلك فان الأدعاء " الصهيوني " الحديث بأن اليهود ليسوا مجتمعا دينيا فحسب بل شعب وريث لبني اسرائيل , هو ادعاء باطل اصلا , لأن بني اسرائيل شعب باد منذ القرن الخامس قبل الميلاد
.
الواقع ان هذا الكتاب يبحث في " الجغرافيا التاريخيه للتوراة " وليس في أي أمر آخر , بما فيه قضية الصهيونيه . فيهود اليوم ليسوا استمرارا تاريخيا لبني اسرائيل ليكون لهم شيء يسمّى حقوق , والصحيح أن الحقوق التاريخيه للشعوب تزول بزوالها .
وأساس هذا الكتاب هو المقابله اللغويه بين اسماء الأماكن المضبوطه في التوراة بالحرف العبري , وأسماء أماكن تاريخيه أو حاليه في جنوب الحجاز وفي بلاد عسير مأخوذه اما عن قدامى الجغرافيين العرب ( الحسن الهمداني صاحب "صفة جزيرة العرب " , وياقوت الحموي , صاحب " معجم البلدان " ) أو عن المعجم الجغرافي للمملكه العربيه السعوديه , الذي بدأ بالظهور عام 1977 م . و" معجم معالم الحجاز " و " معجم قبائل الحجاز "
الذين صنفهما المقدّم عاتق بن غيث البلادي , (ويذكر المؤلف عدة مراجع أخرى .....)
وجدير بالاشاره الى أن المسح الأثري للمناطق الغربيه من شبه الجزيره العربيه لم يتم بعد بشكل كامل .
ولم يقم علماء الآثار بحفريات منتظمه في هذه المناطق . ولربما جاء هذا العلم بما يدعم الاستنتاجات اللغويه والنظريه الموجزه في هذا الكتاب ويزيد في توضيحها . وجلّ ما هو معروف عن هذا الأمر حتى الان هو أن المناطق المشار اليها غنيه جدا بالأثار والنقوش القديمه .
وهذا ما يجمع عليه الجغرافيون والرحالة من عرب وأجانب . ومن الكتابات الصخريه الموجوده هناك ما كتب بأحرف أبجديه لم تحلّ رموزها بعد , كنقش " رهو الرّاء " في وادي الخلصه الذي يذكره الزهراني في معجمه الجغرافي لبلاد غامد وزهران .
وقد تبدو مقولة هذا الكتاب في منتهى الغرابه للوهله الأولى ليس فقط بالنسبه لليهود والمسيحيه بل أيضا للمسلمين .
والواقع هو أن القرآن الكريم يقول بكل وضوح أن مقام ابراهيم الخليل كان " ببكّه " ( سورة آل عمران , 96 – 97 ( .
وليس هناك في النص القرآني ما يشير الى أيّة علاقه بين بني اسرائيل وأرض فلسطين
. ناهيك عن أن مفسّري القرآن الكريم لم يستبعدوا وجودا تاريخيا لبني اسرائيل في غرب شبه الجزيره العربيه .
والوجود اليهودي القديم في شبه الجزيره العربيه مشهود به في التواريخ العربيه وفي الشعر الجاهلي . وقد كانت اليهوديه ديانة آخر ملوك حمير باليمن , وربّما كانت أيضا ديانه واسعة الانتشار في مملكة حمير منذ أن قامت هذه المملكه عام 115 قبل الميلاد .
..........
مقدمة الطبعة العربية .. 2 .
يقول القرآن الكريم ان هناك من اليهود من " يحرّفون الكلم عن مواضعه " وأنهم يفعلون ذلك " ليّا بألسنتهم " ( سورة النساء ) .
وفي هذه الايه اشاره واضحه وبالغة الدقّه في الوصف الى العمل الذي كانت تقوم به فئه دون غيرها من أحبار اليهود , وهم المعروفون بالمصورييتّين ) أي أهل التقليد ) , ابتداء بالقرن الميلادي السادس وحتى العاشر الميلادي .
وبالفعل , فقد قام هؤلاء بتحريف النصوص التوراتيه عن طريق ادخال الحركات والضوابط عليها بصوره اعتباطيه في أحيان كثيره , ممّا غيّر اعراب الجمل وحوّر المعاني .
ولم يرق عمل المصوريتيين هذا لغيرهم من أحبار اليهود المعروفين بالربّانيين في البدايه , لكن الربانيين قبلوا ما عمله المصوريتيون مع الوقت , بحيث أصبح النص التوراتي المصوريتي المضبوط من التوراة هو النصّ المعتمد من قبل اليهود .
وقبل المسيحيون أيضا بالنص المصوريتي للتوراة , وعلماء التوراة اليوم , بمن فيهم العلماء اليهود , يعرفون تماما ان ضبط المصوريتيين للتوراة لم يكن صحيحا في مواقع كثيره , وقد قامت عدة محاولات لاعادة النظر في هذا الضبط , وهذه المحاولات لم تف بالمطلوب , لأن التحريف الذي أدخله الضبط المصوريتي على النّص التوراتي هو أضخم بكثير مما يتصوره علماء التوراة .
وبناء على ذلك , فقد عمدت في معالجتي للنصوص التوراتيه في هذه الدراسه الى اهمال الضبط المصوريتي لهذه النصوص , واجتهدت قدر الامكان في فهم المقصود منها كما وردت أصلا بالأحرف الساكنه .
وقد نتج عن ذلك فهم جديد لمقاطع توراتيه عديده , وذلك زياده عن النتائج التي توصّلت اليها بشأن جغرافيا التوراة .
ومن علماء التوراة من يفترض بأن المصوريتيين لم يكتفوا بتحريك النص التوراتي حسب ما ارتأوا , بل أنهم ذهبوا الى أبعد من ذلك فغيّروا الأحرف الساكنه في بعض الأحيان .
وربما حدث ذلك بالفعل دون أن يمس بأسماء الأماكن .
يقدم الكاتب طرح مثير جدا في ما يلي :
- ان اللغات الساميّه الثلاث التي نحن بصددها كانت لغات قائمه جنبا الى جنب , سواء في الشام أو في غرب الجزيره العربيه , في آن واحد .
وفي هذا الواقع وحده ما يقلب المفاهيم بالنسبه الى جغرافيا اللغات الساميّه وتاريخها رأسا على عقب .
ولا عجب في أن "اللغه العربيه" كانت معاصره (للكنعانيه والآراميه) في ((الأزمنه التوراتيه)) .
فالعربيه , سواء من ناحية تصويتها ( أي فونولوجيتها ) أو من ناحية صرفها ( أي مورفولوجيتها ) تعتبر ((أقدم اللغات الثلاث من قبل أهل الأختصاص)) .
وربّما كانت في الأصل لغة الأعراب من أهل الباديه , في حين أن الكنعانيه والاراميه كانتا من لغات النبط ( أو النبيط وهم سكّان الحواضر ) .
ولا بدّ أن انهيار حضارات النبط في هذه الأقطار , ابتداء بالقرن الثاني أو الثالث للميلاد , وامتداد نفوذ الأعراب الى الحواضر المحيطه بالباديه , كان هو السبب في انتشار لغة الأعراب وحلولها مكان اللغات النبطيه حيث وجدت .
وفي اليمن حلّت اللغه العربيه محل ّ اللغه اليمنيه القديمه القريبه من الحبشيه . والواضح من أسماء الأماكن في اليمن أن لهجات من الكنعانيه والآراميه كانت منتشره هناك قبل تحوّل هذه المنطقه من شبه الجزيره العربيه الى اللغه اليمنيه القديمه .
وربّما حدث هذا التحول في وقت سابق للقرن السادس قبل الميلاد , اذ هناك نقوش باللغه اليمنيه تعود , حسب تقدير أهل الاختصاص , الى ذلك القرن .
ويبدو أن هذه اللغه كانت منتشره في زمانها من اليمن شمالا حتى مشارف الحجاز .
- المهم في ذلك أن الدراسه اللغويّه لأسماء الأماكن هي ضرب من علم الأثار , لأن أسماء الأماكن هي في الواقع أثار .
- ومهما كان الأمر بالنسبه الى صحة مقولة هذا الكتاب على وجه العموم , فلا بدّ أني وقعت في أخطاء كثيره في التفاصيل , خصوصا وأني أوّل من عالج هذه التفاصيل .
- وقد قيل ان الحقيقه هي وليده الزمن , ولا يصح في النهايه الا الصحيح .
كمال سليمان الصليبي - 27 اذار 1985 .
..
_________________