تمشي في أزقّة الغُربة, لا شارعٌ يعرفها ولا حانوت, ولا مارة ولا أشجار ولا أيّ شيء..! تمضي وتمشي على غير هُدى في طريق لا تدري ما هي نهايته؟! هي صاحبة النهايات التعيسة دوماً وأبداً, أدركت منذ الآن أنَّ لا وطن يأويها فتركن إليه, أقدارٌ متجمّعة جعلتها تكون في ذلك المكان الّذي صارت إليه وجعلت نفسها به, تملكُ أباً رحيماً, وأُمَّاً رؤوماً, وأسرةٌ تحيطها بالحبِّ مِنْ كُلِّ جانب وبالرغم من ذلك فلا يعجبها العجب, ولا تلوي على شيء, هي المدللة الكُبرى والصُغرى في آنٍ معاً, وهي الآمرة والناهيةُ في محيطها, وبالرغم من ذلك تحيط نفسها بغلالةٍ سوداء موجعة, وتركنُ نفسها نحو الألم البغيض اللاحقيقي, زرعت نفسها بمناطق الألم والوجع, ومن ثم بعد ذلك تشتكي وتتأوّه, لا تدري حقاً إلى أين ينتهي عذابها ذاك, وآخر مشاكلها كانت مع أمِّها, وهي تحاول إقناعها بأن تعدل عمّا تفعل, حتى دار بينهما حوار أليم, يشي بانتهاء كل خيط تواصل.. إلى متى يا ابنتي وأنتِ على هذه الحالة من الهمِّ والحُزن والألم؟ تردُّ الابنة ساخرةً: وماذا تريدين مني؟! بنبرةٍ من العقوق, هبَّت عواصف الشجن على تلك الأم الّتي ربّت تلك الفتاة, هل تمادت في تدليلها مثلاً؟! أم أنّها تراهق..؟! تذهبُ إلى مدرستها وتعود دونما انتباه أو اهتمام لدروسها, تلحظ تلك الأمُّ تراجعها, وتحاول ردعها عمّا تفعل ولكنها لا تنتهي, تتمادى في إيلامها وإيذائها, وكأنّها تجدُ لذّتها بذلك الأمر, كانت تلك الأم قد زرعت فيها أحلاماً من زمن الصبا وأوردتها نهراً من الحبِّ ونبعاً من العطاء لا ينضبا, ليأتي زمناً, تحتاج الأم لقطرة الحنان والوفاء, فتجدُ أنَّ معين فتاتها قد جفَّ, تراها ذاهلة, ذاهبة بخيالها كُلَّ مذهب, ولكنها لا تجرؤ على مسِّ نيرانها, لأنّها تحبُّها كثيراً, كثيرٌ من الحوارات العقيمة كانت نهايتها كبدايتها مع ابنتها, ولكنَّها لم تمل يوماً من إسداء النصح لها, تشاركها عواطف الحبِّ والحياة والهوى, وتقول لها: أي بنيتي, لا تملي بوجهكِ عني, وابقي لي دفئاً, ولا تزيد تلك الفتاة إلا صقيعاً وهجراناً, تخربشُ جدران غرفتها, وترسمُ بحبرِ دمها حلماً لن يكون واقعاً يوماً, تمزقُ أثوابها, وترمي دفاترها, تنهرُ أمّها قائلة: لستُ بطفلةٍ لتعامليني هكذا, أنا كبرتُ وأصبحتُ مسؤولةً عن نفسي, فكفِّي عن كلامك ولا تكثري منه..! تقف الأمُّ مبهوتةً مبهورة بما تسمع من ابنتها, وسديمٌ من الحزن يسكنها ويغشو عينيها, تقلِّبُ السَماء بنظرها, بينما تلك الأخرى تميلُ إلى نافذتها, تطلُّ منها لتعبثَ أكثر, ولتتمادى في الغرق, تدعو لها الأمُّ في سرِّها, بأن يُصلح ذاك الضائع بها, وأن يرى الطريق للصلاح, لم تكُ تدري أنَّ ابنتها, الّتي جعلتها قطعةً منها ستفعلُ بها ما تفعل, ولكنها تحبُّها تحبُّها كثيراً, تغطيِّها في ليل البرد, وتطعمها في وجع الجوع, وتقولُ لها: هاكِ قلبي يا غالية, وفتاتها كما هي, تبعثُ بكـحلها, وزينتها, وشعرها الممدود الطويل ذو اللون البني المحمِّر تسرِّحه مراراً وتكراراً, وتذهب في خيالها نحو البعيد فتمدُّ منه قصورَ وهمٍ هي من شعر رأسها أقصر وأرفع وأهوى ولكنها لا تدري..!
وأمَّا الكائن الطيّب الثاني, الّتي أنهكت قواه بصدِّها وعجزها وعدم انصياعها, ذاك الّذي إن قالت له: أريدُ عينيكَ لَمَا بخلَ عليها بهما, أفتاتي ابتعدي عمّا يؤذيكِ وكوني قريبةً مني أكثر, هكذا كان يقولُ دوماً , أنا أباكِ الذي يهواكِ ويصطفيكِ عن الخلق كلّهم, تعذبين قلبي هكذا, أنا الّذي لم أجعل غيركِ به, أفتاتي اقتربي, وكفاكِ بعداً وإصراراً على الألم والوجع, فالخنجرُ المطعونُ بالظهرِ لا يزال ينزف بحدَّة, وأنا ما زلتُ أناديكَ بأَنْ تعالي..! فلِمَ الإعراض؟! يفتحُ لها ذراعيه, يضمُّها بحنوِّه الأبوي, تبكي على صدره, تتوسدُ أضلعه, ومن ثمَّ لا تلبثُ أن تنكث ما وعدته به, هي لا تدري أمجنونة, أم ما تفعله مقدَّرٌ ومكتوبٌ, لِمَ تصرُّ على مناقضة نفسها والجري وراء السراب, آخر أجوبتها, بأنَّها ليست تدري ولا تعلم, ولا تريد أن تعرف ما يجري, فتاةٌ من الطراز الأوّل بالعِناد والألم والسفاهة, وأغربُ ما بها, إِنْ جاء الليلُ البهيمُ وتركها ذاك الحلم الخرافي الممدود على الضفة الأخرى , هرعتْ لحضنِ أمها تبكي وتئن, فيئنُّ لها الصبح والمساء..! وليد أبيها تنكبُ عليها قُبلاً..!
تغمرهما ألماً, ويغمرانها أملاً, تعطيهما وجعاً, ويعطيانها حُبّاً وعطفاً, يحبّانها وهي بذات سفاهتها, لا تركنُ ولا تلوي على شيء, كما عرفتها, متبذّلة الدمع, تنشجُ بكاء على حاضرٍ وماضٍ أشبه بالخرافة, تظلُّ سفيهة, ويظلان يحبّانها, يحبّانها..!
في ليل الدُجى, ترفع الأمُّ كفَّها للسماء وتتوسل الله أن يعافي ابنتها, والأبُ ينخرط في ذهول وصمتٍ ويتمنى عودتها لرشدها.! هي تحبهما كثيراً, وتدري بأن بداخلهما فقط يحيا "الحبُّ والوطن"..!
/
\
تحياتي..
الـزّهراء..الصّغيرة