|
|
|
|||||||
| منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول هنا نتحاور في مجالات الأدب ونستضيف مقالاتكم الأدبية، كما نعاود معكم غرس أزاهير الأدباء على اختلاف نتاجهم و عصورهم و أعراقهم . |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
|
رقم المشاركة : 1 | ||||||||||||||
|
في ظل الهجمة الشرسة على تراثنا الفلسطيني العريق والممتد في أعماق التاريخ وحتى يتعرف النشء الجديد على تاريخه دون تزييف سنقوم في هذا المكا ن بنشر مقتطفات من دارسة البحث والكاتب الفلسطيني جميل خرطبيل ...والتي تكشف عن الأخطاء التي وقع فيها حتى المؤرخون والمفسرون العرب القدماء ...حتى تستبين الصورة ..واضحة جلية امام كل ذي بصيرة...فتابعونا الحلقة الأولى * * *كتاب فلسطين وأخطاء المؤرخين العرب القدماء جميل خرطبيل الفهرس المقدمة. هوامش المقدمة. 1- الفصل الأول: رواة الأخبار والأنساب. هوامش الفصل الأول: رواة الأخبار والأنساب. 2- الفصل الثاني: قضية التحريف والتزوير. هوامش الفصل الثاني: قضية التحريف والتزوير. 3- الفصل الثالث: المؤرخون العرب القدماء: تمهيد - الطبري, ابن الأثير, ابن كثير, اليعقوبي, المقدسي, ابن الجوزي, ابن عساكر, ابن خلدون, النويري.. هوامش الفصل الثالث: المؤرخين العرب القدماء. 4- الفصل الرابع: الأرض المقدسة في التفاسير القرآنية. هوامش الفصل الرابع: الأرض المقدسة في التفاسير القرآنية. 5- الفصل الخامس: مسجد بيت المقدس. هوامش الفصل الخامس: مسجد بيت المقدس. 6- الفصل السادس: ما تجاهله المؤرخون العرب القدماء. هوامش الفصل السادس: ما تجاهله المؤرخون العرب القدماء. الخاتمة. هوامش الخاتمة. المصادر والمراجع. * * * المقدمة: ما بين التاريخ الديني والتاريخ الحقيقي ما بين التاريخ الديني والتاريخ العلمي السياسي والحضاري والذي هو ذاكرة الشعوب, هوة كبيرة لا يمكن ردمها. والمؤرخون المسلمون القدماء بكتاباتهم عن فلسطين وبلاد الشام والعراق ومصر قديماً, لم يقدموا سوى تاريخ ديني؛ محوره قصص الأنبياء وبني إسرائيل, ومصدرهم أسفار العهد القديم والإسرائيليات! وهم وإن قيدوه بالزمان والمكان, فلا يعني تحوله إلى تاريخ علمي. فقصص الأنبياء القرآنية الموغلة في أعماق التاريخ, لم ُتؤطر أحداثها بزمان أو مكان محددين. لأن غايتها تتعلق بالدعوة إلى التوحيد والتربية من خلال الوعظ والإرشاد والتوجيه. فتحديد الزمان والمكان يصير عائقاً في وجه القصص للوصول إلى فضاء أوسع, فضاء مطلق. كما أن القصص لا تهدف إلى تقديم تاريخ مادي حقيقي للبشرية, بل هي للعبرة: [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ] (1). لذلك لا يمكن دراسة التاريخ الديني بالمقارنة أو بالموازنة التلفيقية مع التاريخ الحقيقي زماناً ومكاناً. والمؤرخون العرب القدماء بدءاً من الطبري وحتى ابن خلدون, كان همهم بالنسبة للتاريخ القديم هو حكاية التكوين والخليقة منذ آدم ومروراً بقصص الأنبياء, ثم قصص الملوك والحكام والصالحين والآثمين بهدف الوعظ... فوقعوا في تلك الغلطة الكبيرة وهي عدّ التاريخ الديني القديم هو نفسه التاريخ الحقيقي زماناً ومكاناً. لقد كانت التوراة رائدهم في المكان وتسلسل الزمن والمعلومة, وهم يتحدثون عن التكوين وتشكل المجموعات البشرية الأولى وتكون المدن والدول.. والمؤرخ القديم أخذ دور العالم (الجيولوجي والجغرافي والطبيعي والأحيائي والفلكي والآثاري...) لإكمال حبكة الوجود من الأزل وحتى القرون الأولى للميلاد, حيث أخذ التاريخ مفهومه شبه الحقيقي, ولكنه لم يكن نقياً وصافياً تماماً. بعد أن آمن المتدين قديماً بقصص الأنبياء القدماء, دفعه فضوله لمعرفة المزيد من المعلومات عنهم, وهنا دخل عنصر الخرافة والأسطورة والخيال الجامح للقاص أو المفسر لملء الفراغ. وكان المتلقي يتقبل الأمر برحابة صدر لأنه يشبع فضوله ويهدئ مشاعره المتأججة, ولم يكن همه البحث عن مصداقية تلك القصص زمانياً ومكانياً! إن ذاك التاريخ الموغل في القدم مغفل عند أولئك المؤرخين لأنه من اكتشافات العصر الحديث, فنحن لم نقرأ عند أيّ منهم حديثاً عن الفينيقيين أو البابليين أو السومريين أو المصريين.. ولم نقرأ عن الحضارات العظيمة التي صنعها العرب قبل الميلاد بآلاف السنين, بل قبل النبي نوح وأبنائه الذين نسلوا البشرية كما تقول التوراة. فالأرض العربية كانت مهد الحضارة والتي بدأت منذ آلاف السنين (2). ولنا أن نعذر مؤرخينا الذين لم يطلعوا على الوثائق أو الحفريات ولم يحظوا بالمعطيات العلمية فكل ذلك خارج إطار عصرهم, ولكن لن نعذرهم وقد وجدوا أمامهم مصدراً للمعلومات القديمة جاهزاً وعلى رأسه التوراة, فتلقفوه دونما دراسة أو تدقيق ومراجعة, ونقلوا منه دون تردد لأنه يسد النقص المطلوب عندهم, ويحقق بغيتهم ويريحهم من عناء التفكير والبحث. فهل تلك الغاية تبرر لهم ذلك؟! هناك من قرأ التوراة فلم تستوقفه بتحطيمها لشعب له حضارته, وهم رأوا بأعينهم آثار حضارات الشعوب القديمة في مصر والشام والعراق, ولم تثر دهشتهم, وإن هي أثارت وبشكل جزئي فسروها بشكل خرافي كما فعل بعضهم تجاه آثار تدمر إذ أوعز بناءها إلى جن سليمان, وجعلها مقبرة لبلقيس! من هنا يأتي لوم المؤرخين القدماء, فنحن لم نطالبهم بما هو فوق طاقتهم, فاللوم لأنهم أخذوا ينهلون من التوراة والرواة دون قيد أو شرط, وكان عليهم أن يفكروا في المطروح بين أيديهم. وقد انتقد ابن خلدون في مقدمته من سبقه على ذاك النقل دون أي تمحيص, إلا أن ابن خلدون نفسه ومن جاء بعده لم يلتزم بما قاله؛ فقد أذهب كلامه أدراج الرياح! لقد غيبت التوراة وأسفار العهد القديم كل تلك الحضارات لتحل مكانها رؤيتها هي للتكوين وبدء الخليقة وتفرع السلالات البشرية وحكايات الآباء المؤسسين لقبيلة بني إسرائيل, جاعلة منهم محور الكون. واستقطب المؤرخ المسلم الغزو الثقافي اليهودي, فتبنى تلك الرؤية المتهافتة ونقلها إلى التراث الإسلامي كحقيقة مسلم بها. فصار تاريخ فلسطين القديم ما قبل الميلاد بل وتاريخ بلاد الشام والعراق ومصر تاريخاً للمعلومة التوراتية, مع تعديلات (حذف, إضافة) هنا أو هناك أملتها مزاجية العقلية الراوية والمتلقية والمدونة, وما انتشر من شعبيات في الوسط العربي الإسلامي! إن خطأ الكتبة المسلمين الأول هو أنهم عدّوا النص التوراتي كتاباً إلهياً, وهذا ترتبت عليه القناعة بأن بني إسرائيل موحدون والكنعانيين وثنيون, وصارت كذبة مجيء الإسرائيليين إلى فلسطين أمراً حقيقياً عندهم. والأمر نفسه انعكس على التفسيرات الخاطئة التي قدمها المفسرون للآيات القرآنية المتعلقة ببني إسرائيل!! *** إن البعثات العلمية وعلماء الآثار الذين قدموا إلى فلسطين منذ القرن التاسع عشر لم يأتوا لدراسة تاريخ فلسطين القديم بروح العالم الموضوعي الباحث عن الحقيقة, إنما جاؤوا بخلفيات يسيطر عليها الهوس الديني والتعصب الأعمى وخاصة البروتستانت, وبهدف البحث أو الكشف عن جغرافية الرواية التوراتية لأرض الآباء المقدسين وأبناء إسرائيل شعب الله أجداد المسيح اليهودي (3)! كما أن المستشرقين الموظفين في دوائر المخابرات الغربية الاستعمارية, وكتبة القواميس والموسوعات والأطالس الخاصة بالكتاب المقدس, زوروا جغرافية وزمن النص التوراتي ليتلاءم مع رؤيتهم المتشنجة, ويتوافق مع الرؤية الاستعمارية والصهيونية اللتين تريدان فلسطين مكاناً, بل أكثر من هذا الأرض الممتدة عبر العراق وبلاد الشام ومصر أي من الفرات إلى النيل! هذه النظرة الضيقة الأفق والتي شجعتها من الخلف الإمبريالية والمسيحيون المتصهينون هي التي ولدت تلك الكارثة! وتم التلاعب أيضاً بقراءة الأعلام ولا سيما أعلام الأمكنة في المدونات الآثارية القديمة لشعوب المنطقة, فترجموها وكتبوها بما يساعد على إسقاطها قسراً على أعلام الأسفار.. (4) إن الفلسطينيين العرب كانوا وما زالوا في فلسطين منذ أكثر من عشرات الآلاف من السنين. ونظريات المستشرقين أو الباحثين الغربيين حول الكنعانيين ومجيئهم في منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد سواء من غرب الجزيرة أو من البحرين أو من غيرها لا قيمة علمية لها, لأنها مجرد تخمينات ولا دليل عليها. لكن من المحتمل أن تكون هناك مجموعات عربية جديدة مهاجرة جاءتهم منذ ما يقارب الثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد شأنهم في ذلك شأن العرب في بلاد الشام والعراق, فاندمجت المجموعات الجديدة فيهم, فكلهم عرب ولهم لغتهم الواحدة ضمن الأرض العربية, وانصهر الجميع في بوتقة واحدة. ونظرية شعب كنعان في فلسطين والامتداد في بلاد الشام, هي نظرية المستشرقين والمستعمرين القائمة على الرواية التوراتية. ومثلها نظرية الفلسطينيين القادمين من البحر؛ فسكان فلسطين القدماء عرب فينيقيون/ فلسطينيون/ كنعانيون/ أموريون.. وأضف ما شئت من التسميات فكلها لمسمى واحد. ومع مجيء المستعمر الخارجي من فرس ويونان ورومان بقي الشعب الفلسطيني في أرضه صامداً ومغلوباً على أمره, إلى أن جاءت الفتوحات العربية الإسلامية فحررته من الرومان وأعادته إلى هويته المستلبة وإلى السيادة العربية الإسلامية. إن نصوص العهد القديم مليئة بالآيات الكثيرة التي تقر بوجود الكنعانيين في فلسطين وبأنهم أصحاب الأرض قبل مجيء الإسرائيليين المزعوم إلى أرض كنعان, وهذا ما سعت الأسفار لتهميشه, كما سعى المستشرقون والمؤرخون الغربيون - الصهاينة خاصة – إلى تهيمشه وتغييبه ومسخه لصالح وجود أحادي هو الوجود الإسرائيلي! إن النص التوراتي الذي بين أيدينا جوهره أيديولوجية الفكر الاستعماري لأرض كنعان والمنفعة والأنانية وأخلاقية عالم التجارة والمال.. وسواء أكانت كتابته على يدي عزرا أم المجموعة السبعينية أم س من المؤلفين, فذاك لا يبدل شيئاً من رؤية حقيقة النص! كما أن القارئ لجغرافية الرواية التوراتية بعمق وبحيادية وموضوعية, لا يستطيع أن يطبقها كاملة – سواء أكانت هي الأصلية أم المزورة - على فلسطين أو بلاد الشام والعراق ومصر, لأن ذكر أسماء الأمكنة وحدها دونما الانتباه إلى السياق العام وترابط الأعلام ببعضها دونما تناقض وعلى أرض الواقع الجغرافي والتاريخي دونما تعارض, يحتاج إلى جهد يفوق قدرة عقول مؤلفي نصوص العهد القديم على تحقيقه. ومن هنا أخفقوا في إتقان التلفيق والتزوير والتزييف والتلاعب. واللاهوتيون فيما بعد في دارستهم لجغرافية الأسفار لعبوا دورهم في الإسقاطات القسرية والملفقة إلا أنهم لم ينجحوا تماماً. وجاء الفكر الاستعماري الغربي عبر المستشرقين والمؤرخين الذين داروا في فلكه ليعطي تاريخاً مزيفاً بناه هو مستنداً إلى ما يمكن أن يسعفه من شواهد ومبتعداً عن النصوص التوراتية ذات الإشكالات. وصار ما كتبوه عن تاريخ فلسطين القديم هو الوثيقة البديلة والمرجعية للدراسات الأكاديمية في الغرب والعالم.. ولكن أخيراً كان لبعثات الدراسات الآثارية قولها الفصل في ذلك, وكذلك القراءة الجادة والدراسة المقارنة! فبدءاً من ثمانينات القرن الماضي بدأت تظهر في الغرب أفكار جريئة تشكك بصحة تاريخية التوراة, وأدرك بعض الباحثين والمؤرخين الغربيين الواعين (المؤرخين الجدد) زيف العهد القديم ومدى استغلال الفكر الاستعماري الصهيوني والأوروبي (المسيحي المتصهين) فكرة أرض الميعاد، لإقامة المشروع الاستعماري الصهيوني عليها. مما أدى ذلك إلى تغييب التاريخ الفلسطيني الزمكاني وطمسه لصالح الرواية التوراتية كما طرح كيت وايتلام وتوماس طومسون وغيرهما... ولم تعد مقبولة تلك الأفكار التي قزمت تاريخ فلسطين بعصر الآباء وعصر الخروج والغزو والعصر الذهبي الوهمي لبني إسرائيل في عهد داود وسليمان, ثم عصر الانقسام والسبي والعودة والإصلاح.. أو تقسيم تاريخ فلسطين إلى مرحلتين ترتبطان باليهود مرحلة الهيكل الأول وقد انتهت مع السبي البابلي المزعوم, ومرحلة الهيكل الثاني وانتهت عام 70 ميلادي... إن النص التوراتي ليس وثيقة تاريخية أو جغرافية أو علمية, وهذا ما أثبتته الحفريات والدراسات النزيهة. كما أثبته الدارسون الشرفاء وعلماء الآثار, والذين منهم من نفض يديه بعد أن فقد الأمل في العثور على أي دليل يثبت صحة أية مقولة في النص التوراتي. فنتائج البحث المحموم عن رواية العهد القديم على أرض فلسطين باءت بالإخفاق, وبالتالي رُفِضت التوراة كمعطى تاريخي وجغرافي (إسرائيل فنكلشتاين وإسرائيل شاحاك, ياكوف رابكان وكاثلين كِنيون وزيئيف هرتسوغ..) (5). وانعكس ذاك الأمر على بعض الباحثين العرب الواعين؛ فبدأ بعضهم يفكك عقد النقص تجاه الغربي, ولكن ما زالت عيون بعضهم ترنو إلى الغرب بشيء من الدفء. وهذا ما دفع د. زياد منى إلى محاولة إعادة كتابة تاريخ فلسطين القديم "مقدمة لتاريخ فلسطين القديم". فنتيجة الإخفاق في الحصول على أي أثر يدعم الرواية التوراتية, فتّح الآفاق لإعادة النظر بما كان يسمى مسلمات. .
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | ||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | ||||||||||||||
|
الفصل الأول: رواة الأخبار والأنساباختلط العرب قبل الإسلام باليهود والمسيحيين, ولم يكونوا بمعزل عن الحضارات من حولهم. وقد عرفوا كثيراً من المعلومات عن الديانتين بالاعتماد على السماع, فعصرهم عصر الثقافة الشفوية التي يتلقونها شفاهة، وقد استمر عصر الثقافة الشفهية حتى عصر التدوين في الإسلام. فذاك عصر الثقافة السمعية إن جاز هذا التعبير. وفي العصر الإسلامي ازداد اطلاع العرب المسلمين على كتب اليهود والمسيحيين, وعرفوا أسفار العهد القديم والجديد (الكتاب المقدس) وأخذوا منها الكثير, كما استمعوا إلى علماء الديانتين. إضافة إلى اطلاعهم على بعض حكايات التلمود والشعبيات اليهودية والمسيحية. وإذا ما قفزنا إلى العصر العباسي نجد أن العراق صار البحيرة التي صبت فيها أنهر الثقافة اليونانية والرومية والفارسية والهندية, إضافة إلى تراث الديانتين اليهودية والمسيحية.. فالعرب قبل الإسلام عرفوا كثيراً من الحكايات والأنساب, ولكنها معارفهم كثرت وتضخمت في العصر الإسلامي, وحين توقدت العصبيات نتيجة الصراعات الداخلية صار موضوع الأنساب والافتخار به من صلب التكتلات المتعارضة والمتناحرة. وراجت أكثر هي والحكايات في زمن التدوين حيث ازداد الطلب عليهما. ونهضت البصرة والكوفة في عصر الثقافة الكتابية وحولهما تراث متنوع يضرب جذوره في أعماق التاريخ. فكل شيء كان جاهزاً بين اليدين المدونتين للثقافة الشفوية. وصار الراوي بطل الميدان بما يرويه مشبعاً النفوس بما تحتاجه. وبما أن المتلقي المدون يتلقف كل معلومة دون تدقيق, لم تبق هناك حدود أمام الراوي تمنعه من الأكاذيب والتلفيقات. لقد بدأت الثقافة الكتابية في خضم التيارات الثقافية المتنوعة, وكان الدين الإسلامي هو المحور المركزي للدائرة التي أخذت تتسع رويداً رويداً, وفي الوقت نفسه أخذت تتشعب وتبتعد عن المركز قليلاً قليلاً. وكان لليهود شهرتهم بأنهم أعلم الناس بأخبار الماضي, يقول القنوجي خلال حديثه عن اليهود بأنهم: (هم بنو إسرائيل وكانت عنايتهم بعلوم الشرائع وسير الأنبياء, فكان أحبارهم أعلم الناس بأخبار الأنبياء وبدء الخليقة وعنهم أخذ ذلك علماء الإسلام) (1). ومن ذاك المفهوم السائد عن أحبار اليهود أخذ المدونون ينقلون عنهم, أو عن طريق التوراة مباشرة, أو عن طريق الرواة كوسيط بين الطرفين. ولم يتحر المدون ما كان ينقله عن الرواة, بل قلما يفكر بما ينقل, فالهدف عند الجميع سد نقص في حكاية ما أو الإجابة عن استفسار ما.. وما أكثر الأسئلة المتوالدة من بعضها! ولم يدرك مؤرخونا أن الكتبة ألفوا التوراة وبقية الأسفار بهدف إعادة صياغة الوجود, ليكون اليهودي هو السيد وابن الله وهو مركز الوجود ومحوره ومبتدؤه ومنتهاه.. وبأنهم أعادوا تصنيف البشرية وفق منظورهم المبني على استعمار أرض كنعان, بعد الإطاحة بكنعان وجعله إبليس المطرود والملعون والعبد.. لقد تقبل المؤرخون الأنساب دونما نقاش جاد وحاسم. وهي وإن جعلتهم من النخب الأول أبناء سام, لكنها حققت لليهود روابط القرابة, ومكاناً في شجرة العائلة. ولم يكن هذا بمشكلة في تلك العصور عصور سيادة العرب المسلمين, ولكن في عصور الانحطاط والمشروع الصهيوني صارت قضية سام ذات أبعاد سياسية خطيرة يعاني العالم من طغيانها حتى الآن! *** لقد غزا سيل جارف من المعلومات اليهودية الساحةَ الإسلامية, وصار الهدف عند الكثيرين جمع أكبر كم ممكن, قبل أن يحظى به آخرون. ومنهم من كان يعدل في الخبر زيادة أو نقصاناً بحسب الذاكرة وما سمعته والخلفية الثقافية والمزاجية. وآخرون ارتجلوا الكثير ليلفتوا النظر إليهم فعندهم الجواب الفوري لكل سؤال! وقد انتقد بعض القدماء الرواة غير الموثوق بهم ففضحهم وكشف اختلاقهم وكذبهم, وذاك النقد ارتبط بنقد المادة المنقولة نفسها أي المعلومات الخرافية سواء أكانت متعلقة بالأنساب أم الحكايات والأخبار، والنقدان أديا إلى نقد المتلقي الذي يعتمد على جمع المعلومات دون دراسة وتدقيق. آ- نقد مبدأ التجميع دون دراسة وتدقيق: انتقد ابن خلدون المؤرخين قبله على قبول ما هب ودب من المعلومات, فقال: (إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين والمقبول والمردود, والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود, فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى, وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حِمْيَر الذين أخذوا بدين اليهودية, فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم, وليست مما يرجع إلى الأحكام فتتحرى في الصحة التي يجب بها العمل. وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا أنهم بعد صيتهم وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة فتلقيت بالقبول من يومئذ....) (2). ولم يكتف ابن خلدون بنقد مناهج المؤرخين القدماء بل طرح المنهج الذي يجب أن يتمسك به المؤرخ: (فهو محتاجٌ إلى مآخذ متعدَدةََ ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق. وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو ثميناً، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط؛ ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر ولا بد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد) (3). ولكن, هل التزم ابن خلدون نفسه بذاك المنهج وتلك الرؤية؟! لا! فهو وآخرون قد يقفون عند أمور جزئية وهامشية ينتقدونها, وإن كانت أحياناً تنم عن لفتة ذكية, ولكنهم ضمن السياق العام لا يلتزمون بها كمنهج, فهم ينسون ما يقولونه وبالتالي ينقلون كل شيء! ***
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 4 | ||||||||||||||
|
*** ب- نقد خرافات الأنساب وخرافات الحكايات والأخبار: حمل ابن حزم على خرافات السلالات والأنساب فقال: 1- نقد خرافات الأنساب: (إنه ليس على ظهر الأرض أحد يصل نسبه بصلة قاطعةٍ، ونقل ثابت، إلى إسماعيل، ولا إلى إسحاق عليهما السلام, نعني ابني إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم, فكيف إلى نوح, فكيف إلى آدم, عليهما السلام؟ هذا ما لا مرية فيه..)... (وأما الذين يسمونهم العرب والنسابون العرب العاربة كجرهم، وقطورا، وطسم، وجديس، وعاد، وثمود، وأميم، وإرم، وغيرهم، فقد بادوا؛ فليس على أديم الأرض أحد يصح أنه منهم، إلا أن يدعي قوم ما لا يثبت. وكذلك سائر ولد إبراهيم صلى الله عليه وسلم, كمدين بن إبراهيم وسائر إخوته. وكذلك بنو عمون المنسوبون إلى لوط عليه السلام. وكذلك ولد ناحورا أخي إبراهيم عليه السلام. وكذلك ولد عيصو بن إسحاق عليه السلام؛ فليس على وجه الأرض أحد يقال: "هذا منهم"، على ما كانوا فيه من كثرة العدد) (4). وهناك آخرون كان موقفهم ضبابياً يرفض من جانب ويتقبل من جانب آخر مثل ابن خلدون, فهو في هذا النص يرفض قضية الأنساب: (واعلم أنّ الامتياز بالنسب أضعف المميزات لهذه الأجيال والأمم لخفائه واندراسه بدروس الزمان وذَهابه. ولهذا كان الاختلاف كثيراً ما يقع في نَسَبِ الجيل الواحِد أوّ الأمَّة الواحدة، إذا اتصلت مع الأيام وتشعَّبت بطونُها على الأحقاب كما وقع في نسب كثير من أهل العالم مثل اليونانيين والفرس والبربر وقحطان من العرب. فإذا اختلفت الأنساب واختلفت فيها المذاهب وتباينت الدعاوى استظهر كل ناسب على صحَّة ما ادَّعاه بشواهد الأحوال والمتعارف من المقارنات في الزمان والمكان, وما يرجع إلى ذلك من خصائص القبائل وسمِات الشعوب والفِرَق التي تكون فيهم منتقلة، متعاقبة في بنيهم. وسُئلَ مالك رحمه الله تعالى عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم، فكره ذلك وقال من أين يعلم ذلك؟ فقيل له فإلى إسماعيل فأنكر ذلك، وكره أيضاً أنّ يُرْفَعَ في أنساب الأنبياء، مثل أنّ يقال: إبراهيم بن فلان بن فلان، وقال من يخبره به. وكان بعضهم إذا تلا قوله تعالى: "وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ", "سورة إبراهيم 9", قال: كَذَبَ النسابون. واحتجوا أيضاً بحديث ابن عباس أَنَّه صلى الله عليه وسلم لما بلغ نسبه الكريم إلى عدنان قال من ههنا كذب النسابون. واحتجوا أيضاً بما ثبت في أَنه علم لا ينفع، وجهالة لا تضرّ، إلى غير ذلك من الاستدلالات) (5). وابن خلدون الرافض لقضية الأنساب كما في النص السابق, يظهر ليناً في تقبل ما يذكر من أنساب العرب المتأخرين عن طريق اليهود: (وأخبار هذا الجيل من العرب وإن لم يقع لها ذكر في التوراة إلا أنّ بني إسرائيل من بين أهل الكتاب أقرب إليهم عصراً، وأوعى لأخبارهم، فلذلك يعتمد نقل المهاجرة منهم لأخبار هذا الجيل، ثم أنّ هذه الأمم على ما نقل كان لهم ملوك ودول) (6). وفي النهاية يقبل ابن خلدون والآخرون الأنساب كلها, ويذكرونها في كتبهم دون تحفظ كما سيأتي! 2- نقد خرافات الحكايات والأخبار: لقد انتقد ابن حزم الخرافات بكل أنواعها سواء أتعلقت بالأنساب أم الحكايات والأخبار, وشن حملة قوية على بعض الأخبار الخرافية متهماً واضعيها بالزندقة: (هذه الطائفة لا يعمل عندهم إلا ما جاء من طريق مقاتل بن سليمان والضحاك بن مزاحم وتفسير الكلبي وتلك الطبقة وكتب القذى, التي إنما هي خرافات موضوعات وأكذوبات مفتعلات, ولدها الزنادقة تدليساً على الإسلام وأهله. فأطلقت هذه الطائفة كل اختلاط لا يصح من أن الأرض على حوت والحوت على قرن ثور, والثور على صخرة, والصخرة على عاتق ملك, والملك على الظلمة, والظلمة على ما لا يعلمه إلا الله عز وجل, وهذا يوجب أن جرم العالم غير متناه. وهذا هو الكفر بعينه, فنافرت هذه الطبقة التي ذكرنا كل برهان ولم يكن عندها أكثر من قولهم نهينا عن الجدال, فليت شعري من نهاهم عنه) (7). ***
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 5 | ||||||||||||||
|
ج- نقد الرواة: اشتهر كثير ممن رووا القصص والحكايات والأنساب نذكر منهم: ابن عباس - هشام بن محمد الكلبي – محمد ابن إسحاق - وهب بن منبه - عبد الله بن سلام - كعب الأحبار – أبي بن كعب - قتادة – مقاتل – السدي - الثعلبي.. (8).وقد طعن كثيرون في مصداقية معظم أولئك, لشهرتهم بالكذب. وهذه مقتطفات قيلت عن بعضهم: مقاتل والضحاك والكلبي والسدي: يتحدث القنوجي عنهم فيقول: (وأوهى طريقة طريق الكلبي عن أبي صالح. والكلبي هو أبو النصر محمد بن السائب المتوفى بالكوفة سنة ست وأربعين ومائة. فإن انضم إليه رواية محمد بن مروان السدي الصغير المتوفى سنة ست وثمانين ومائة, فهي سلسلة الكذب. وكذلك طريق مقاتل بن سليمان بن بشر الأزدي المتوفى سنة خمسين ومائة, إلا أن الكلبي يفضل عليه لما في مقاتل من المذاهب الردية. وطريق ضحاك بن مزاحم الكوفي المتوفى سنة اثنتين ومائة عن ابن عباس منقطعة, فإن الضحاك لم يلقه وإن انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة فضعيفة لضعف بشر. وقد أخرج عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وإن كان من رواية جرير عن الضحاك فأشد ضعفاً لأن جريراً شديد الضعف متروك, وإنما أخرج عنه ابن مردويه وأبو الشيخ ابن حبان دون ابن جرير) (9). ابن إسحق: تحدث عنه ابن النديم فقال: (أخبار بن إسحاق صاحب السيرة أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار, مطعون عليه غير مرضي الطريقة. يحكى أن أمير المدينة رقى إليه أن محمداً يغازل النساء فأمر بإحضاره...).. (ويقال كان يعمل له الأشعار ويؤتى بها ويسأل أن يدخلها في كتابه في السيرة فيفعل, فضمن كتابه من الأشعار ما صار به فضيحة عند رواة الشعر, وأخطأ في النسب الذي أورده في كتابه. وكان يحمل عن اليهود والنصارى ويسميهم في كتبه أهل العلم الأول. وأصحاب الحديث يضعفونه ويتهمونه) (10). وهب بن منبه: يتحدث ابن عساكر عنه فيذكر بأنه روى أخباراً منكرة, وكان قاضياً في المدينة زمن هارون الرشيد فعزله: (روى منكرات فترك حديثه, ثم عزل عن المدينة) (11). وإلى جانب وهب هناك عبد الله بن سلام وكعب الأحبار, والثلاثة لعبوا الدور الأكبر في نقل الإسرائيليات إلى التراث الإسلامي! الثعلبي: يقول القنوجي عنه: (والإخباري ليس له شغل إلا القصص واستيفاؤها والأخبار عن سلف سواء كانت صحيحة أو باطلة ومنهم الثعلبي) (12). إن أولئك الرواة هم الذين فتحوا الآفاق لغزو الثقافة اليهودية بما نقلوه من التراث اليهودي إلى التراث الإسلامي, إضافة إلى ما تفتقت به عبقريتهم من الاختلاق والكذب, بدءاً من الأنساب وتوزع البشرية وانتهاء بالتاريخ والتفسير والحكايات.. والراوي كناقل للخبر أو ملفق له يتحمل جزءاً من المسؤولية وكذلك مصدر الخبر, ولكن المسؤول الأول والأخير هو المدون المؤرخ أو المفسر، وعليه تقع المسؤولية الكاملة؛ لأن الكتابة مسؤولية والتأريخ والتفسير يتطلبان الدقة والأمانة والتمحيص وليس مجرد الجمع والتدوين. وهذا ما يعطي المؤرخ أو المفسر المكانة التي يستحقها.
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 6 | ||||||||||||||
|
وفي العصر الحديث كتب كثيرون عن تلك القضايا كأحمد بهاء الدين في كتابه "الإسرائيليات", و د. طه حسين في كتابه "في الأدب الجاهلي", و د. جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" والذي سنستعرض منه بعض آرائه في ذلك:
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 7 | |||
|
أشكرك على المعلومات القيمة |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 8 | ||||||||||||||
|
شكر ا لك يا منى على هذه المتابعة ...وسوف نستمر بعون الله ..حتى يتم إنصاف تاريخ هذا الشعب الذي ظلمه حتى أقرب الأقربين ...بارك الله فيك
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 9 | ||||||||||||||
|
* * *
|
||||||||||||||
|
|
|
رقم المشاركة : 10 | ||||||||||||||
|
هجرة إبراهيم: يتحدث ابن الأثير عن هجرة إبراهيم من العراق إلى مصر مباشرة: (ثم إن إبراهيم والذين اتبعوا أمره أجمعوا على فراق قومهم فخرج مهاجراً حتى قدم مصر) [ج 1 - ص 77]. ثم يتابع عن مجيئه إلى فلسطين مع زوجته معللاً: (فكان إبراهيم قد خرج بها إلى الشام من مصر خوفاً من فرعون, فنزل السبع من أرض فلسطين. ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع مسيرة يوم وليلة) [ج 1 - ص 79]. ولا ينسى الحديث عن تعرب إسماعيل: (حتى شب إسماعيل وماتت هاجر, فتزوج إسماعيل امرأة من جرهم فتعلم العربية منهم هو وأولاده, فهم العرب المتعربة) [ج 1 - ص 80]. ويذكر وفاة سارة ودفنها في فلسطين (بقرية الجبابرة من أرض كنعان), وتزوج إبراهيم من الكنعانيين: (فلما ماتت سارة تزوج بعدها قطورا ابنة يقطن امرأة من الكنعانيين) [ج 1 - ص 94]. من زمن موسى وحتى السبي: وإذا ما انتقلنا إلى زمن موسى, نجد أنه سار إلى فلسطين كما تقول التوراة: (أوحى الله إليه يأمره بالمسير ببني إسرائيل وأن يحمل معه تابوت يوسف بن يعقوب ويدفنه بالأرض المقدسة) [ج 1 - ص 143]. ويجعل مجيء موسى إلى فلسطين أمراً إلهياً: (ثم إن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يسير ببني إسرائيل إلى أريحاء بلد الجبارين وهي أرض ببيت المقدس) [ج 1 - ص 149]. ويكرر حكاية الجبارين وعلى رأسهم العملاق عوج بن عناق الخرافية! ويروي عدة روايات عمن دخل أريحا, من بينها خبر دخول يوشع أريحا بعد حصارها وسقوط السور بالصيحة, ثم سيطرته على الشام وهو مختصر للرواية التوراتية, ونقلاً عما أورده الطبري: (وقيل بل حصرها ستة أشهر فلما كان السابع تقدموا إلى المدينة وصاحوا صيحة واحدة فسقط السور, فدخلوها وهزموا الجبارين وقتلوا فيهم فأكثروا. ثم اجتمع جماعة من ملوك الشام وقصدوا يوشع فقاتلهم وهزمهم وهرب الملوك إلى غار فأمر بهم يوشع بن نون فقتلوا وصلبوا, ثم ملك الشام جميعه فصار لبني إسرائيل). ومن تبقى من الجبارين ساروا إلى شمال إفريقية ليكونوا هم البربر: (وأما من بقي من الجبارين فإن إفريقش بن قيس بن صيفي بن سبأ بن كعب بن زيد بن حمير بن سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان مر بهم متوجهاً إلى إفريقية, فاحتملهم من سواحل الشام فقدم بهم إفريقية فافتتحها وقتل ملكها جرجير وأسكنهم إياها فهم البرابرة) [ج 1 - ص 155]. فالجبابرة مات معظمهم على يد الإسرائيليين, ومن تبقى منهم انتهى به المطاف ليصير شعباً آخر اسمه البربر! كما أن بلاد الشام صارت كلها للإسرائيليين! ورغم إفناء الكنعانيين وتهجير من بقي حياًَ, يعود ابن الأثير ليذكر فيما بعد الكنعانيين والفلسطينيين وقتالهم ضد الإسرائيليين، ولا سيما زمن جالوت الذي قتله داود بالحجارة كما في أسطورة الملوك التوراتية [ج 1 – ص 166 , 167]! وينتقد خرافات نسبت إلى بلقيس فيستنكرها ويقول بعد ذكرها معلقاً: (وقد تواطؤا على الكذب والتلاعب بعقول الجهال واستهانوا بما يلحقهم من استجهال العقلاء لهم) [ج 1 - ص 178]. لماذا نقرأ أحياناً عند مؤرخينا ما يشعرنا بوجود عقل ناقد, ولكنه يضيع فيما بعد في بحر من الأكاذيب والخرافات. فابن الأثير على الرغم من استنكاره ذاك, يتقبل خرافات لا حصر لها! هذه مشكلة التراث التاريخي والمؤرخين: تناقض, ازدواجية, انفصال, انفصام.. فهم لا ينتبهون إلى قضية تغييب شعب كامل وحضارات العرب في بلاد الشام كلها ومصر والعراق لصالح توراة سقيمة مليئة بالخرافات ألفها عزرا لغاية استعمارية في نفسه. بل يقومون بسرد خرافات لا حصر لها, وفجأة يقفون عند خبر فيه شيء ما ولكنه لا يصل إلى مستوى خرافات قبلوا بها, فيسقطون غضبهم عليه وكأنهم علماء موضوعيون وعقلانيون! ولنتابع مع مؤرخنا الذي ينقل عن غيره خبر بختنصر والسبي, فهو لا يأتي على ذكر كنعان مطلقاً, وكأنه لا وجود له ولا لسكان الشام من العرب وهو ما صنعه معظم المؤرخين القدماء! (ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس فوطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس, وأمر جنوده فحملوا التراب وألقوه فيه حتى ملأوه, ثم انصرف راجعاً إلى بابل, وأخذ معه سبابا بني إسرائيل, وأمرهم فجمعوا من كان في بيت المقدس كلهم فاجتمعوا واختار منهم مائة ألف صبي فقسمهم على الملوك والقواد الذين كانوا معه. وكان من أولئك الغلمان دانيال النبي وحنانيا وعزاريا وميشائيل. وقسم بني إسرائيل ثلاث فرق فقتل ثلثاً وأقر بالشام ثلثاً وسبى ثلثاً) [ج 1 - ص 202]. ثم يتحدث فيما بعد عن مجيء الإسرائيليين من بابل إلى بيت المقدس, وحكاية عزير - عزرا - وكتابته للتوراة المفقودة, ثم بقائهم حتى انتهائهم على يد الرومان: (ولم يزل بنو إسرائيل ببيت المقدس وعادوا وكثروا, حتى غلبت عليهم الروم زمن ملوك الطوائف فلم يكن لهم بعد ذلك جماعة) [ج 1 - ص 206]. وعندما ينتقل إلى زمن المسيحية يتحدث عن قسطنطين بأنه هو من طرد بقايا بني إسرائيل من فلسطين: (وكان الذي أنشأها قسطنطين الملك وهو أول من تنصر من ملوك الروم وأجلى من بقي من بني إسرائيل عن فلسطين والشام, لقتلهم عيسى بزعمهم) [ج 1 - ص 226]. وهو يورد أيضاً رواية السدي التي تذكر سبي بختنصر لبني إسرائيل عقب قتل يحيى بن زكريا [ج 1 - ص 231]، إلا أنه يرفض هذه الرواية: (وهذا القول وما لم نذكره من الروايات من أن بختنصر هو الذي خرب بيت المقدس وقتل بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا باطل عند أهل السير والتاريخ وأهل العلم بأمور الماضين, وذلك أنهم أجمعون مجمعون على أن بختنصر غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيهم أشعيا في عهد أرميا بن حلقيا, وبين عهد أرميا وقتل يحيى أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة عند اليهود والنصارى, ويذكرون أن ذلك في كتبهم وأسفارهم مبين. وتوافقهم المجوس في مدة غزو بختنصر بني إسرائيل إلى موت الإسكندر وتخالفهم في مدة ما بين موت الإسكندر ومولد يحيى فيزعمون أن مدة ذلك كانت إحدى وخمسين سنة) [ج 1 - ص 232]. وهذه المدة الإحدى والخمسون سنة بين موت الإسكندر ومولد يحيى بحسب رأي المجوس الذين ذكرهم, تنسحب على ولادة المسيح, فابن الأثير يذكر رواية المجوس – كما يسميها – عن مولد المسيح فيقول: (قالت المجوس: كان ذلك بعد خمس وستين من سنة غَلَبَةِ الإِسكندر على أرض بابل) [ج 1 - ص 236]. وابن الأثير الذي رفض تلك الرواية من الناحية الزمنية, يعود ليقبل رواية ابن إسحق الذي يجعل نبوزاذان (نبوزرادان) في زمن المسيح! (وأما ابن إسحاق فإنه قال الحق أن بني إسرائيل عمروا بيت المقدس بعد مرجعهم من بابل وكثروا ثم عادوا يحدثون الأحداث ويعود الله سبحانه وتعالى عليهم ويبعث فيهم الرسل؛ ففريقاً يكذبون وفريقاً يقتلون حتى كان آخر من بعث الله فيهم زكريا وابنه يحيى وعيسى بن مريم عليهم السلام, فقتلوا يحيى وزكريا فابتعث الله عليهم ملكاً من ملوك بابل يقال له جودرس فسار إليهم حتى دخل عليهم الشام فلما دخل بيت المقدس قال لقائد عظيم من عسكره اسمه نبوزاذان وهو صاحب الفيل: إني كنت قد حلفت لئن أنا ظفرت ببني إسرائيل لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلا أن لا أجد من أقتله وأمره أن يدخل المدينة ويقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم. فدخل نبوزاذان المدينة فأقام في المدينة التي يقربون فيها قربانهم.. ).. ويتابع سرد الحكاية إلى أن يقول معلقاً: (وكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده ثم رد الله سبحانه لهم الكرة, ثم كانت الوقعة الأخيرة جودرس وجنوده وكانت أعظم الوقعتين فيها كان خراب بلادهم وقتل رجالهم وسبي ذراريهم ونسائهم) [ج 1 - ص 233 , 234]. ونبوزاذان هو في أسفار العهد القديم نبوزرادان، وهذا يعني رفض الرواية زمنياً, وقبول رواية أخرى في الزمن نفسه تجعل السبي عقب مقتل يحيى بن زكريا وهو يعود إلى أكثر من خمسة قرون, وهذا يختلف عما يتحدث عنه المؤرخون المؤمنون بصحة الأسفار! وقد جاء في سفر إرميا [52/ 12 - 16]: (قدم نبوزرادان رئيس الشرط الواقف أمام ملك بابل إلى أورشليم. وأحرق بيت الرب وبيت الملك وجميع بيوت أورشليم وكل بيت للعظماء أحرقه بالنار. وهدم جميع جيش الكلدانيين الذين مع رئيس الشرط، كل أسوار أورشليم مما حولها. وبعضاً من مساكين الأرض وسائر الشعب الذين بقوا في المدينة والهاربين الذين هربوا إلى ملك بابل وسائر الجماعة أجلاهم نبوزرادان رئيس الشرط. وترك رئيس الشرط من مساكين الأرض كرامين وفلاحين)... ومن ثم: (جلي يهوذا من أرضهم). [ملوك 2 - 25/ 21]. ومن بقي منهم هرب إلى مصر. إننا نؤمن يقيناً لا شك فيه أن الروايات كلها كاذبة ومختلقة, فالزمن ضائع في ميوعة تناوله, والمكان الذي جعلوه في فلسطين لا أساس له من الصحة. ومشكلتنا مع المؤرخ العربي المسلم المدون للمعلومات من الرواة والقصاصين الكذبة, أنه ثبت تلك المعلومات في التراث الإسلامي, دون بحث ودراسة وتقص للحقائق!! * * *
|
||||||||||||||
|
![]() |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| أقلاميون في اللائحة السادسة لاتحاد كتاب الأنترنت العرب | عبد النور إدريس | منتدى أسرة أقلام والأقلاميين | 1 | 11-11-2007 10:52 PM |
| الإعلان عن القائمة الرابعة من المقبولين في عضوية اتحاد كتاب الإنترنت العرب | وفاء الحمري | منتدى الحوار الفكري العام | 10 | 15-05-2007 03:14 AM |
| تسجيل اتحاد كتاب الإنترنت العرب في الأردن | معاذ رياض | منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول | 0 | 20-04-2006 09:08 AM |
| اتحاد كتاب الإنترنت العرب يحتفل بمناسبة مرور عام على تأسيسه | معاذ رياض | منتدى الحوار الفكري العام | 3 | 24-03-2006 07:51 PM |
| فلسطين لفلسطين | د.أسد محمد | منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول | 7 | 22-03-2006 01:28 AM |