أول مشاركة لي هنا \ أتمنى أن تلقى نقدكم قبل إعجابكم إذا ما أثارته .
[LEFT][RIGHT][CENTER][RIGHT][CENTER][RIGHT]تتأزم عقدة تقديم القهوة تباعا , مع كل جلسة تجتمع فيها نسوة عقولهن من زمن الأتراك , هكذا
ننعتهن أنا و ( أمينة ) , كثرٌ هي الأمور التي تجمعني بأمينة عدا صلة القرابة بيننا, كالذكريات و صفوف
المدرسة والأحلام . أما أضخم الأمور تنافرا بيننا عدا فرق الطول لصالحي هو خجلي و امتلاكها عين
قوية , فكانت تناديها جدتي : ( أمينة , إم عين قوية ) !! بالنسبة لي كانت هذه صفة جيدة وبصراحة
لطالما تمنيتها وكرهت خجلي البارد , فالخجل لا يجدي شيئا أمام نسوة عقولهن من زمن الأتراك ,
ينظرن إلي كـ (ست بيت ) وإن لم أتعد الستة عشر عاما , أعرف أن إحداهن ستميل على أمي وتهمس
بأذنها: ( ليش بعدك مش مجوزتيها , شو بتستني ؟؟ ) , وأخرى تترقب حركاتي وضحكاتي لتجد عيباً أو
حتى مدحا مفتعل تفضي به أينما حلت وارتحلت , كان ينبغي لي أن أتجاهل جمهرتهن ونظراتهن
ولمزهن وأتيقظ فقط لخطواتي و يداي فاستحكم على أي رعشة عابثة , قد تتراقص الفناجين على
رتمها , فيندلق شيءٌ من القهوة على أرضية الصينية , سيكون ذلك مخزيا بلا شك !! وبلا شك أيضا
أنني كنت أذوب خجلا حينئذٍ وهذا اعتدته , أما الحيرة فجديدة عليّ في هكذا موقف , حيث أمينة في ذيل
الحلقة , قد أسندت رأسها على كتفها , وانشقت شبه ابتسامة جعلت أحد غمازاتها يرتسم دون إكتمال
في وسط وجنتها , و أخذت ترقبني تنظر ما سأقوم به كأنها تستهزئ بخجلي وتتحداني !! بالجانب الآخر و
فور ملاحظتها انحراف وجهتي نحو اليمين , بدأت أمي ترصدني بنظراتٍ ساكنة , أخذَت تُتْبِعهَا بسيلِ
نظراتٍ سهمية باتجاه الحاجة ( هنية ) والمطلوب مني أن أتَّبِع السهم !! والحاجة هنية أكبرنا سناً
والمتصدرة وسط الجلسة كتعبير عن احترام الجميع لها , وأنا أحترمها أيضا وأمينة تفعل ذلك , ولكن..
( تيامنوا ) !! هكذا تعلمنا بالمدرسة وهكذا علمتنا ( ابتهال ) وهي زوجة عمي وداعية بالمسجد , وكبتها
صدىً بداخلي , وإذا بالمكان يضج بها , حينها اكتشفت أن لأمينة أيضا صوتٌ قوي ... كصدى
( تيامنوا ..) !! وحل صمت قبل زوبعة من ثرثرة , تشاغلتُ فيها بتقديم الفناجين بدءا من اليمين فاليسار
متعدية أولوية الحجة وكبيرات السن كما تقتضي العادات . وفعلتها ....!! وما كان ذلك ليتم بهذه
السهولة لولا نظرات إبتهال و أمينة المناصرة لي , فشعرت بقوة تدفعني من الوراء لأتقدم بثقة أكبر ,
أما النقاش والحديث المستفيض فيما بعد بالموضوع وغيره ...فقد تناسيناه وتركناه لإبتهال وأخريات
فيما كنت وأمينة نتبادل الغمز واللمز الممزوج بشعور كأنه النصر بالنسبة لنا , والوقاحة بنظرهن ,
كانت المناقشة حادة وكنت مع ارتفاع حدتها أستشعر أن ثمة شيء يمسك ذراعي وذراع أمينة و
يرفعهما للأعلى كإشارة فوز وانتصار لا على شيء سوى عقول من زمن الأتراك!! وأصبحت بنظر
البعض ( إم عين قوية ) كأمينة , وظننت أنني سأحتفظ بها , ولم يكن لي ذلك , إذ تكسرت البطولة
والعين القوية والفنجان , في جلسة تكررت في دارنا بعد ما يقارب الشهر , حينها قمت بتنفيذ ما طلبته
أمي , فكسرتُ الفنجان الذي أسقطته الحجة بامتعاض وقرف من يدها أمام النسوة , كم بدت مخيفة وقد
تراكم على وجهها أكوام من التجهم والسخط !! أتبعتها بتكشيرة وجه لا تنم عن خير بتاتا , جميعهن
حدقن بها ينتظرن تفسيرا لكل هذا !! أما أنا فاحمر وجهي وحاصرتني الظنون بِدءاً ; أن قهوتي رديئة
فلم تعجبها , أو أنني تعثرت بالملح فأضفته بدلا من السكر على القهوة , وبدا لي بعد لحظات أنني بالغت
بظنوني , كما بالغت هذه الحجة بردة فعلها عندما فوجِئَت بفنجانها المشكوم \ المكسور من أعلاه ,
وهذا بالنسبة لامرأةٍ لها عقل من زمن الأتراك سبب للتشاؤم طيلة أسبوع بأكمله وليس ليوم واحد فأي
خطيئة وأي حظٍ عاثر جمعني بالحجة ( هنية ) في يومي هذا !! لطالما خفت من زياراتها لنا , وأثناء
تواجدها احتاط بجنون لخطواتي , وكلماتي وهمساتي ونبرة صوتي , حتى تنظيف الحمامات يأخذ طابعا
أكثر حرصاً يوم مجيئها , لقد كانت سليطة اللسان وصعبة الطباع , و بالإضافة إلى عقلها الذي تنتعله
من زمن الأتراك كانت ذاكرتها بسعة إضافية على ما أعتقد !! والأصعب من ذلك أنني لم أمتلك عين
قوية حينذاك لذا كان خروجها أمرا يجلب الفرحة بداخلي .
بالنسبة للجميع كنت محظوظة لأن الحاجة ( هنية ) تخصني بالمحبة , و تلك المحبة كانت بسبب
اسمي المشابه لاسم ابنتها ( أمينة ) , وربما لخدمتي إياها بصغري , لطالما أحببت هذه الخصوصية
التي تمنحني عيدية تزيد عن بنات الحي بشواقل (1) , لكنها لم تجعلني بمأمن عن سليط لسانها
وتسلطها , لذا كنت أشارك البقية كرههم لهذه الخصال فيها , كما أنني لا أتفهم العقل الأنتيكة أو العقل
من زمن الأتراك الذي تحمله الحاجة ( هنية ) , و لا أتفهم مغالاتها في ردة فعلها على ما حدث ببيت
خالي وإحراجها ( هبة ) وهي ابنة خالي وأكثرنا رقة وخجلاً و كياسة في أمور البيت , إذ كان بنظر
الحجة تقديم القهوة بفنجان مشكوم جرم لا يغتفر و فأل شر قادم !! ومنذ ذاك الحين فكرت بشيء واليوم
حان وقته , جاءت الحجة والنسوة لزيارتنا وشرب فنجان قهوة كالمعتاد , فاستدعيت (هبة) , وكانت
الحجة بحُكم العادة تتربع بصدر المجلس , فـ ( الصدورة للبدورة ) هكذا يقال !! وأظنها كانت بدرا أيام
صباها لكن الآن أستبعد ذلك , فوجهها المدور تآكلت تدويرته وأحاطته الترهلات والتجاعيد , إلا أن
بشرتها البيضاء وعينيها ذوات الزرقة البحرية ينبئن بما كانت عليه من جمال بصباها , أما حدة نظراتها
فتنبئ عن كهن شديد يتغلغل فيها , لكنَّ كل كُهْنِ الدنيا وكل العيون الزرقاء والملونة لن تكتشف أمر
الصدع الموجود في قاع الفنجان كطُعمٍ لها , و شرعتُ بتقديم الفناجين بدءا من صدر الجلسة لأضمنَ أن
يكون الطُعُم من نصيب الحاجة ( هنية ) المتربعة هناك , ومع ذلك بقي الخوف يسدد خطاه معي إلى أن
تناولته فهدأتُ وابتسمت ثم غمزت هبة فقالت بصوت معتدل : ( تيامنوا ...) ! فافتعلت النسيان , وعدت
لأُتمَّ التقديم من اليمين إلى اليسار كما المفروض .... وكنت كما هبة أزهو وأنتشي كلما رشفت الحجة
من فنجان القهوة المتصدع , وانقطعت نشوتنا إذ ناداها ابنها الأصغر , فتركت الفنجان وتدحرجت ببطء
نحو الباب , ولما تأخرت قليلا , أخذت الظنون تتسرب إلي لكنني كنت أتشاغل عنها بالحديث , بينما
وعلى ما يبدو كانت تتناسل في رأس هبة , ومع الوقت بدت أكثر قلقلا وتشويشا , إذ بدا ذلك جليا على
ملامح وجهها و لونه المائل للصفار بعد حنطته, وكنت لا زلت أتمعنُ بوجهها حين اقتربت مني تفضي
بظنونها حول عدم رجوع الحجة بعد , وهززت رأسي بما لا يوحي لها بشيء بتاتا , وتمتمت بلامبالاة :
ربما زوجها المريض توفي ...!! وانتظرت تعقيبا ما منها , كاستهزاء أو ضحكة أو نفي أو تأكيد ...
حتى أن تنظر إلي فقط , لكنها باتت تحدق بجنون إلى الفنجان المهجور على أرضية الغرفة في قعره
صدع خفي , وعلى حوافه بصمات حجة تحمل عقلاً من زمن الأتراك , لا زلنا ننتظر عودتها ...
( 1 ) الشواقل : العملة المستخدمة بفلسطين المحتلة [/RIGHT]
[/RIGHT][/CENTER][/RIGHT][/LEFT]