الأخت يسرى يسرني في الحديث عن جماعة " قلق " أن أقدم هذه العجالة المؤلفة من خبر الجزيرة نت ، و مشروع بيان للشاعر عيسى الشيخ حسن ، و رسالة الناقد العراقي فاروق يوسف ، إضافة إلى ندائي و هو بمثابة بيان معتمد من الجماعة عسى تتشكل لديك رؤيا عن جماعتنا " قلق " خاصة و أنها في المرحلة التمهيدية حيث إننا لم نضع حتى الآن استراتيجية واضحة لعمل الجماعة فنحن نخاف على جماعتنا أن تصاب بداء الفشل الذي أصاب الجماعات الشعرية السابقة :
* الجزيرة نت :
تلقت الجزيرة نت بيانا من جماعة شعرية جديدة تأسست في الدوحة وأطلقت على نفسها اسم "قلق الشعرية" تعنى بالهم الشعري ومنظومته الكونية، حسب ما جاء في البيان التأسيسي.
وأكدت الجماعة الجديدة أنها لا تسعى إلى إنشاء مؤسسة تهتف للشعراء ولا أن تلم شمل أحد، لإيمانها بأن القصيدة جناح الشاعر وحده لا يشاركه فيها أحد سواه, وأضافت "لا نملك إقامة نصب تذكارية لأي مذهب في الشعر ولا لأي صاحب مذهب، فالتكريس عبودية، ما نراه هو ما نعرفه وما نحس به هو ما تقودنا بوصلتنا إلى غنائه بروح شفيفة، تشق طريقها إلى حياة، نحاول تجميلها وصياغة قيم نبيلة فيها أحلامنا ليست بعيدة التحقق ولكنها ليست قريبة منه".
وقد عبرت "قلق الشعرية" عن منهجها المبدئي معتبرة إياه طيفا لم يتضح بعد وإنما يكاد يحس في أبجدياته القلقة مثل ارتباك تداخل الألوان القزحية كما جاء في ما أسمته الجماعة "فضاء أول يشبه البيان".
وأوضح أصحاب "قلق" موقفهم من السياسة "لسنا ضد شيء ولكننا أيضا لسنا مع أي شيء، ومن هنا نتطلع إلى إعلاء تقاليد الكتابة الشعرية، مثلما نتطلع إلى إعلاء تقاليد احترام البيئة، وننظر إلى أحقية الإنسان بأن يعيش حرا غير منقوصة حريته، من باب الواجب الذي تضطلع بمهمته مهمتنا".
* بيان عيسى الشيخ حسن :
أظنه بياني فقط ..بافتراض وهمٍ صالحٍ للادعاء ، وهمِ أنّ عينيّ لي ، أرى بهما صحراء تزحف، ويباساً ..وخراباً ..ودماً . وأرى فيهما وجهي حين تغازلني المرأةُ ، والمرآةُ ...كاذبتينِ عليّ ، أو مخدوعتين بي ، هما عيناي ..أمينتا سرّ شغبي القليل ..الثاوي في الجزء المقضوم من نفاحة العمر ، وشهية عودته المرتجاة إلى الجزء الباقي منها.
أظنه بياني فقط..
لأني لم ألصق صوري التي قصصتها من دفتر الذاكرة ..كما ينبغي أن تلصق ، لم ألمّ حجارتها بعدُ لأنثرها ، ولم أقرأ الوردة قبل الموت ، ولم أنشر حزن الحدبقة على حبل القصيدة ، كأني لم أفعل شيئاً ، بالرغم من الحبر الطافح والورق المهدور ..وساعات الجنون المتناثرة في القطار الكسول .
وعلى بوابة الأربعين تسري كهرباء خضراء في وجع الروح ، ويمكن للمرء أن يكون نبياً بوحي ، أو بقصيدة ، أو شتلة ورد غامرَ في غرسها ، يمكن للمرء أن يصبو ، وينتظر السحابة ، ويضحك مع الأطفال ، ويزعم أن السماء ستعود إلى الطيور ، و على بوابة الأربعين يمكن للقصيدة أن تتصابى ، متأبطة ً ذراع الشاعر نحو سهر ، و سحر ، وحميّا ، ورؤيا .
ولهذا أقول هما عيناي تريان الأسود والأحمر ، تتوهمان رؤية سنابل خضر في نهاية المشهد ، وأجنحة شهباء بعد كلّ رعاف ، تتوهمان ، ولا توهِمان ، وتَقرأان ، ولا تُقرئان ..عيناي لي ، وهو بياني فقط ..تريان في الحديقة ومضة الجنة التي طارت ، وفي القصيدة نشوة الخلق الأول .
الشعر عندي ملعب إحالات ، و ترجمان أحوال ..إحالات تتناسى سفر الدلالة و لاتنساها ، وأحوال تتوسل اللغة و لا تتسولها ، الشعر هو اللغة في أقاصي ارتباكاتها ، والهواء في أعلى شجره ، وغاية هروبه ، الشعر ليس طائراً كسولاً ليرتمي في قفص التعريف ، ولا هلاماً فالتاً من أدوات المعرفة ، أحسّه ، ولا أبصره ، وأشتمّ عطره ، ولا أجد قميصه ، الذي قيل عنه : إن الناقد جاء به ، وعليه آثار حبرِ كذب ، باكياً موت القصيدة والشاعر .
صيادون ..وعشاق ..وتلامذة ..وسماسرة .. ادّعوا أنهم قبضوا عليها بعد موت الشاعر ، فنظّروا ..ونظّموا ..ونظموا ..ثُمّ : لاقصيدة !!
القصيدة عندي هي تلك البرهة العابرة في فضاء الزمن ، يراها الجميع ..منهم من يلتقط لها صورة فوتوغرافية ، ومنهم من يجيد تذكرها ، والحكي عنها ، ومنهم من يطلق عليها النار ويشويها ، ومنهم من يصبرها في حوض زجاجي أنيق ، ومنهم من يحضّر خطوط الفلاحة لانتظار مطرها .
غير أنّ البرهة العابرة تظلّ محض افتتان ، أو وهم بطيفٍ عصيّ على القنص ، القصيدة هي الوهم الذي نطلقه على تذكرنا للجزء المقضوم من التفاحة ، وتصورنا للجزء الباقي منها ، القصيدة إجادة الإضاءة ، ومهارة التعتيم .
على بوابة الأربعين يهذي المرء بكلام ٍ يشبه الشعر ، محاكياً لغة اعلى ، وبياناً أسمى ، و جهات ٍ بريئة ً من الخطا ، و أجنحة ً سادرة في الهواء .
هو بياني كما أحسب ، إذ الصحراء تزحف ، واليباس يدبّ ، وشتلة الورد في يدي .. وعيناي لي ، توهماني بعروق نعناع ، وبروق قصيدة .
* رسالة الشاعر والناقد العراقي فاروق يوسف المقيم في السويد :
أيها الأخوة الشعراء
كل حديث على الشعر هو وشاية غامضة، أما تعريفه فهو نوع من الدسيسة الفاسدة. فالشعر لا يقيم في مكان بعينه ليمسك، ولا تدركه الحواس المباشرة لكي يكون ممكنا. إنه يستأنف سيرته في لحظة عصية على الوصف من وجودنا ذاهبا بها إلى العدم. يا لمعجزته: يمد الطرق تحت أقدامنا وينفث الهواء النقي من حولنا ويبث موجاته المتوترة في قلوبنا من غير أن يمكننا من رؤيته. النفيس الذي يتكاثر على شفاهنا في كل مرة نقوله. هو دائما ليس هو. الشعر لا يقرأ مرتين. في كل مرة يكتسب توقا جديدا. الشعر يضل ويسخر ويجرح ويعذب ويسر ويمطر ويصفع وينوء ويرمم ويعري ويسأل ويفتح ويحيي ويميت ويزيح ويسبق ويفاجئ ويحير ويغيب وكأنه لم يكن. الشعر لا يموت ولا يخون ولكن آيته في قلته كالجمال.
لا أجد راحة في النصيحة. فأنا لا أعرف ما هو الشعر. ولا أعرف من أين يأتي ولا إلى أين يذهب. حيرتي التي تشبهني تقربني أحيانا منه، غير أنها غالبا ما تضعني في قبضة السؤال القلق: لماذا يغيب الشعر زمنا طويلا وحين يجيء فإنه ينهمر مثل شلال يعمي لمعان خيوطه العين؟ لقد علمتني التجربة أن ليس لي سلطة عليه، إن قمت باستدعائه فلن يكون ذلك إلا فعلا يدل على ما أنا فيه من خرق وقلة حيلة. فالشعر أبدا لنا يقيم هنا. هناكه يتطلب الذهاب إليها التفكير دائما بالأسوأ. الهلاك أوله وهو المقيم أبدا على الحافات.
انظر إلى الطبيعة من حولي وأقول: ألا يكفي كل هذا الجمال للدفاع عن كرامة الشعر؟. لقد كدت أقول بداهته، وأنا أفكر بما لم يقله الشعراء بعد، وهو العصي على كل معجم. ذلك الناتئ من الخيال كما لو أنه يصل العدم بسواه بهواء من أبجديات، هي في طريقها إلى التشكل. رسول خفته العابر إلى خفائه، المتستر بغموضه، الساخر من كل معنى، حتى ذلك المعنى الذي يحمل شقاءه، وهو المعافى من كل شائبة. لقد كان هنالك شعر دائما، شعر يقيم معنا بغواياته وشهواته وامتناعه وطهارته وعنفه وتمرده وسعته وجموحه وسخائه وقلقه وصلابته وعزلته ومسراته وشغبه، شعر تقولنا خبرته وتخونه أفعالنا. ينصت إلى أنفاسنا بإشفاق حين تخذله شفاهنا بيأس. ذلك هو الشعر الآخر الذي لا يكتسب ولا يمكن تعلمه في الوقت الذي يستبيح فيه حواسنا بحثا عن مخرج لها من فقر لذائذها وحجة قنوطها. شعر لم يقله أحد وهو النفيس الذي لا يلتفت، حاملا غربته مثل فانوس في ليل حيرتنا. نرد إليه إذا ما بلينا ليجدد أرواحنا، وهي التي تملأ أوقاتها برمل ساعاته. بريته مفتوحة لغرباء يشبهوننا، لخطواتهم إيقاع لعثمات أصواتنا ولخرافهم حزن رعاتنا. شعر لم يقله أحد ذلك لأنه لا ينتسب إلى الكلام ولم يكتبه أحد ذلك لان الكتابة لا تقوى على حمل عذابه. شعر يشبهنا ويقولنا بل ويكتبنا في كل لحظة من لحظات غيابه. الجائع وخبزه على الطريق، المشرد وبيته مضاء، اليتيم ودمعته جمرة، العاشق وحبره بحر، والمعتم وشمسه بين الأكف. قرين العشبة وهي تشق الأخضر ورفيق الثلج في قلب فكرة البيضاء. الذي هو لنا مثلما هو علينا. الذي هو فينا مثلما هو بنا. حافة ولا نداء، حسن وما من يوسف، لمعة وما من نجمة. الكلمات مادته ولا يمسك. فاصلته الهام لا يحضر إلا بصفته نوعا من الغياب.
أصدقائي ليتني أستطيع أن أقول عن الشعر لكم شيئا ينفع، ولكن الكلام، كل الكلام يتفتت حين تلمسه أصابع الشعراء. أحييكم، ربما ينفعنا قلقلكم في العثور على سنتميتر واحد من جنته، سنتميتر يجعلنا قادرين على الوقوف أمام الله مع الشاكرين.