يعتبر مثال وباء الانفلونزا الاسبانية الذي انتشر عند نهاية الحرب العالمية الأولى بين عامي 1918 –1920 م مفضلاً لدى تجار الرعب و من يعملون أبواقاً اعلامية لديهم،فلا يكاد يخلو مقال أو حديث أو تحذير لمنظمة الصحة العالمية أو لأحد ممثليها أو لأحد مروجي تجارة الخوف من تذكير للناس بحكاية الانفلونزا الاسبانية ،مذكرين بأعداد الضحايا الذين صرعهم هذا الوباء ، و قد بدأت بورصة أرقام عدد الضحايا بعشرين مليوناً كرقم مستقر معتمد في الأدب الطبي ارتفع عام 1991 إلى ثلاثين مليوناً ، لكن منذ سنوات تحدث متعهدو تجارة الخوف عن أربعين مليوناً صرعتهم الانفلونزا اللعينة الاسبانية . و قبل أيام ( الأحد 24 مايو 2009 ) و في مقال منشور في جريدة الحياة كتبه مدير «المكتب الإقليمي شرق المتوسط» في منظمة الصحة العالمية الدكتور حسين عبد الرزاق الجزائري رُفع سقف رقم الضحايا من جديد ، فتحدث عن عدد يتراوح بين ثلاثين و خمسين مليوناً صرعتهم الانفلونزا ، و كأن هؤلاء الأموات يتناسلون !
و كي لا نظلم الدكتور الجزائري فإنه على ما يبدو يستند إلى الدراسة التي أجرتها مدرسة الصحة العامة في جامعة هارفارد و نشرتها مجلة لانست الطبية الشهيرة عام نهاية 2006 و قالت برقم يتراوح ما بين خمسين إلى مائة مليون . لكن استشهاد متعهدي تجارة الخوف بهذه الدراسة انتقائي و منقوص على طريقة لا تقربوا الصلاة . فهم يأخذون ما يناسبهم من تلك الدراسة التي رفعت أرقام ضحايا الانفلونزا الاسبانية ، و يهملون ما لا يريدون أن يطلع عليه الجمهور .
اتبعت تلك الدراسة أسلوباً علمياً معقولاً يعتمد على دراسة سجلات الوفيات بين عامي انتشار الوباء 1918 و 1920 في منطقة محددة و قارنته بسجلات الوفيات خلال ثلاثة أعوام سابقة و أخرى لاحقة . و اعتُمد الفرق بين أرقام الوفيات بين السنوات السابقة و اللاحقة و سنوات الانفلونز كوفيات بسبب الانفلونزا ، و بناءً على ذلك رُفعت تقديرات الوفيات بسبب المرض الاسباني إلى ما يتراوح بين 50 – 100 مليون . لكن الدراسة أشارت إلى نقاط بالغة الأهمية تنسف نظرية تجار الخوف فيما لو اطلع عليها الجمهور .
الأمر الأول الذي وجدته هذه الدراسة أن نسبة الوفيات في الهند كانت أكثر بثلاثين مرة عنه في الدانمارك ، حيث بلغت 7.8 % في ولاية بيهار و المقاطعات الوسطى من الهند مقابل 0.25 % في الدانمارك .و لتفسير هذا الفارق الاحصائي الهام جداً في نسبة الوفيات قام الفريق الطبي بدراسات عديدة و في النهاية عزا الأمر إلى الفقر السائد في الهند فالدراسة تقول (ملاحظة : دراسة لانست التي يحب تجار الخوف الاستشهاد بأرقامها هي التي تقول و لست أنا ،و لا ماركس ، و لا غيفار...الخ ) . تقول :
" لكل 10 % زيادة في الدخل، كان هنالك انخفاض بنسبة 10% في معدل الوفيات "
و بالتالي فالقاتل ليس الانفلونزا الاسبانية بل الفقر الذي يؤدي إلى سوء التغذية التي تؤدي بدورها إلى نقص المناعة ، فإن لم يمت الفقير الجائع المعتل جسدياً و نفسياً و مناعياً بالانفلونز مات بسواها ، مثلاً بمرض السل أو غيره .
المسبب الأساسي للوفيات هو الفقر هذا ما خرجت به تلك الدراسة الطبية التي يُحب ممثلو منظمة الصحة لعالمية الاستشهاد بأرقامها لكنهم لا يكملون استشهاداتهم و لو أكملوها لخرجوا بنداء لمحاربة الفقر و سوء التغذية و المجاعة لأنها هي الوباء الصحي الذي يجتاح العالم بفضل سياسات الرأسمال العالمي التي قسمت البشرية إلى مليار ذهبي غني يملك كل شيء على كوكب الأرض و خمس مليارات من البشر لا يملكون قوت يومهم . لذلك استنتجت تلك الدراسة أنه في حال حدوث وباء مشابه للوباء الاسباني في العالم المعاصر فإن 96% من الوفيات ستكون في العالم الثالث ، و ممثلو منظمة الصحة العالمية هم أكثر من يعرف هذه الحقائق لكنهم متواطئون مع سادة النظام الدولي ، فعلى سبيل المثال هناك مرض اسمه السل تزوره أو تتذكره منظمة الصحة العالمية كل سنة مرة ، إذ خصصت له يوماً عالمياً ، و ليتها خصصت لهذا المرض نذراً ً يسيراً مما خصصته لمكافحة الأوبئة الوهمية ( الطيور ، السارز ، الخنازير ...) .تقول الحقائق التي تنشرها المنظمة أنه يصاب سنوياً ثلاثين مليوناً بالسل يموت منهم ثلاثة ملايين ، أي في كل دقيقة يصاب ستون شخصاً و يموت ستة أشخاص .و تركز حملات مكافحة السل المدعومة من المنظمة على أن سبب الوفاة هو مقاومة العصيات السلية المتزايد على الصادات الحيوية ، و بالتالي فإن الحلول التي تدعو لها البرامج الصحية المتبعة في كل دول العالم تعتمد على تكثيف المعالجة بالصادات ، و دعوة شركات الدواء إلى تطوير صادات حيوية جديدة ، و هذان الأمران مرحب بهما من قبل الاحتكارات الدوائية التي تكدس الأرباح من وراء هذا المرض المخيف ، و أما الحقيقة التي يعلمها أي ملم بتاريخ الأوبئة و بحقائق الحياة البسيطة فهي تقول :إن الأمرين اللازمين لوقف انتشار هذا الوباء ( الحقيقي هذه المرة و ليس الموهوم كما هو حال أوبئة الطيور و الخنازير و السارز ) . إن الشرطين الجامعين المانعين لوقف انتشار وباء السل هما تأمين سكن واسع لتخفيف الازدحام داخله و أن يكون ذا تهوية جيدة تدخله الشمس ، و تأمين وارد غذاء جيد يحتوي البروتين و العناصر الأساسية الأخرى بما يكفل لجهاز المناعة أن يمارس دوره بمكافحة الأمراض . لكن لا تتوقعوا من تجار الموت و المرض من ممثلي الاحتكارات الدوائية و موظفيهم أن يذكروا هذه الحقائق أمام الجمهور إذ سيبدون و كأنهم يدعون لتبديل نظام العلاقات الدولية و توزيع الثروة و الموارد بشكل أفضل لذلك يرطنون بأحاديث عن المقاومة الدوائية ، و عن ضرورة تطوير صادات جديدة ، فتزغرد الاحتكارات الدوائية فرحاً عندما تسمع هذا الحديث .
لننتقل إلى جانب آخر يُعتم عليه تجار الخوف و موظفيهم أثناء تخويفنا بالانفلونزا الاسبانية . فقد حدثت الانفلونزا المذكورة قبل عصر الصادات الحيوية ، و كما هو معلوم فإن أكثر الوفيات بسبب الانفلونزا تحدث بسبب الإنتان الرئوي الجرثومي الذي يتلو الإصابة بها . و من البديهي في عصر الصادات أنه يمكننا تقليص الوفيات بشكل حاسم بواسطة الصادات ، و بالتالي فإن المخاوف المبثوثة من الإنفلونزا لا طعم لها . كما أنهم يمرون مرور اللئام على حقيقة أن الانفلونزا الاسبانية حدثت عند نهاية الحرب العالمية الأولى حيث كانت ظروف المجاعة ، وسوء التغذية ، و هي أمور تحدثنا عنها . و انهيار الدول و الأنظمة الصحية و الهجرات السكانية و غالبيتها كانت قسري، فقد بدلت جموع بشرية أماكن سكنها و هي تقدر بعشرات الملايين و بظروف قسرية ، و مشياً على الأقدام في كثير من الحالات و لمسافات وصلت إلى مئات و آلاف الكيلومترات في ظروف غياب الأمن و انعدام التغذية ، فصار الناس فريسة سهلة للأمراض و المجاعة . كما أن ملايين من الشباب كانوا محتشدين إما في معسكرات اعتقال أو في معسكرات حربية و هذا ما سهل انتشار أي وباء بينهم . كل ذلك يُمسك تجار الخوف عن الكلام عنه فيتحدثون صباح مساء عن عشرين أو ثلاثين أو أربعين خمسين مليوناً فتكت بهم الانفلونزا الإسبانية و عن خشيتهم من تكرار هذا الأمر مع انفلونزا الطيور أو الخنازير .