الوصل والفصل قالوا هما نصف البلاغة لأنه لايجيدهما إلا من أجاد أكثر أساليب البلاغة والوصل هو عطف الجمل على بعضها البعض كعطف جملة على جملة مقل زيد مجتهد وعمرو كسول والفصل عدم العطف مثل(لاتلمني إني معذور)لم نعطفهما إذا يصح أن نعطفهما بالفاء(لا تلمني فإني معذور).
لاحظ هاتين الآيتين:
(فاخرج منها فإنك رجيم)بدون العطف بالفاء
(فاخرج إنك من الصاغرين)بالعطف بالفاء
لماذا عطف ولماذا لم يعطف؟
نحتاج الى تمهيد وهذا المقال ماهو إلا تمهيد وأمثلته صناعية للشرح لذلك لاتظن أن هذا الموضوع فائدته قليلة لأنك عندما تتعرف على الأمثلة الواردة في القرآن الكريم والحديث والشعر ستعرف أن هناك أسراراً في الكلام لن تعرفها إلا إذا عرفت هذا الموضوع .
تمهيد عن الوصل وهو عطف الجمل
العطف معناه التشريك وأصله مساعدة العامل في الوصول الى المعمول مثل مساعدة الفعل في الوصول للفاعل مثل قام زيد عمرو .
تقول قام زيد وعمرو .
فواو العطف ساعدت العامل وهو الفعل قام في العمل في معمولين زيد وعمرو بأن أوصلته الى عمرو بينما الفعل وصل بنفسه الى زيد أي أنك تقول(جاء زيدٌ)وترفع زيد فاعلا لأن العامل الفعل جاء استطاع بنفسه الوصول لمعموله زيد والعمل فيه بأن رفعه فاعلا فإذا قلت(جاء زيد عمرو)وصل الفعل بنفسه إلى الفاعل الأول زيد ولم يستطع الوصول إلى الفاعل الثاني عمرو فاحتاج إلى حرف عطف لكي يوصله إلى الفاعل الثاني عمرو فتقول(جاء زيد وعمرو)وهذي هي وظيفة حرف العطف إيصال العامل إلى معموله الذي لايستطيع العامل أن يصل إليه بنفسه .
هذا هو العطف ويكون في المفردات أي ليس جملة ويكون في الجمل .
وهنا نبدأ الموضوع : ماهي المعاني النحوية التي في العطف ؟
١- معنى ناتج من التشريك في الإعراب .
مثل قام زيد وعمرو فعمرو أيضا فاعل في المعنى أي انه وزيد تشاركا في القيام بالفعل .
تقول(زيد مجتهد وعمرو كسول)عطفت جملة عمرو كسول على جملة زيد مجتهد والجملة المعطوف عليها(زيد مجتهد)لامحل لها من الإعراب لأنها جملة إبتدائية أي ابتدأ الكلام بها ولذلك تكون الجملة المعطوفة(عمرو كسول)لامحل لها من الإعراب فإذا قلت(قال سعاد : زيد مجتهد وعمرو كسول)فالجملة المعطوف عليها(زيد مجتهد)لها من الإعراب فهي جملة مقول القول أي الذي قالته سعاد وجملة مقول القول تكون في محل نصب مفعول به وعلى هذا تكون الجملة المعطوفة(عمرو كسول)العطف جعلها تشترك مع الجملة المعطوف عليها في الإعراب أي في محل نصب مفعول به وعلى هذا يكون المعنى فلو قلت لك ماذا قالت سعاد؟ ستقول : زيد مجتهد وعمرو كسول . لن تكتفي بجملة زيد مجتهد لأن حرف العطف جعل جملة عمرو كسول تشاركها هذا الإعراب وهذا المعنى أي مقول القول .
وكذلك معنى حرف العطف أي لحروف العطف معاني معروفة لاداعي لذكرها إلا إذا احتجنا لها .
٢-معنى ناتج من مسوغات العطف :
مسوغات العطف نوعان :
الأول : مسوغ لفظي وهو اشتراك الجملتين في المسند أو المسند إليه أو في كلاهما والمسند هو الفعل والخبر والمسند إليه هو الفاعل والمبتدأ تقول (أكل زيد التفاحة)الفعل هو أكل وهو المسند والفاعل هو زيد فهو المسند إليه وتقول(زيد مجتهد)فمجتهد هو الخبر الذي أخبرت به زيد أي أخبرت عنه بأنه مجتهد وزيد هو المُخبر عنه ويسمونه المبتدأ . فزيد هو المسند إليه ومجتهد هو المسند لاحظ الجملتين:
أكل زيد التفاحة
زيد مجتهد
من هو المُخبر عنه في الجملتين ؟
زيد
بماذا أخبرنا عنه؟
بأنه أكل التفاحة وبأنه مجتهد .
هذا هو حقيقة الإسناد أنه لايكون هناك معنى لكلام إلا إذا أكان هناك(مُخبر عنه)و(خبر)فالمخبرعنه في الجملة إما أن يكون مبتدأ وإما فاعلا وهما المسند إليه والخبر عن المخبر عنه إما أن يكون فعلا أو خبرا يعني إعرابه خبر تقول مبتدأ مثلا تقول عمرو ثم تخبر عنه فتقول عمرو كسول والفعل والخبر هما المسند .
اشتراك الجملتين في المسند :
ذهب زيد الى السوق وذهب عمرو الى العمل
الجملتين تشاركتا في المسند(ذهب)ولم تشتركا في المسند إليه زيد وعمرو .
اشتراك الجملتين في المسند إليه :
زيد ذهب الى السوق واشترى برتقالا
لم تشترك الجملتان في المسند وهما الفعلان ذهب واشترى لكنهما اشتركتا في المسند إليه وهو الفاعل ففاعل ذهب هو ضمير مستتر تقديره هو يعود على زيد أي(ذهب هو)أي زيداً وكذلك الفعل اشترى(اشترى هو)أي زيدا .
اشتراك الجملتين في المسند والمسند إليه :
زيد يكتب الشعر ويكتب النثر
هذا الأقوى من جهة المسوغ اللفظي للعطف فالجملتان اشتركتا في المسند الفعل يكتب واشتركتا في المسند إليه الفاعل وهو الضمير المستتر الذي يعرب فاعلا ويعود على زيد (يكتب هو الشعر) أي زيداً و(يكتب هو النثر)أي زيداً
شبه الاشتراك في المسند
زيد يقول الشعر ويكتب النثر
المسند في الجملتين هما الفعل(يقول)والفعل(يكتب)معناهما واحد يقول بمعنى يكتب ويكتب بمعنى يفول لكننا نقول يقول الشعر ولانقول يقول النثر بل نقول يكتب النثر من جهة أن العرب أصلا أمة شعر وامة لاتكتب فاستقر في الكلام منذ القدم قولهم فلان يقول الشعر وفي الشعر يقول الشاعر إذا فلت شعرا ولايقول إذا كتبت شعرا :
وَما الدَهرُ إِلّا مِن رُواةِ قَلائِدي
إِذا قُلتُ شِعراً أَصبَحَ الدَهرُ مُنشِداً
والكاتب لايقول إذا قلت نثرا بل يقول إذا كتبت نثرا . هكذا استقر هذا الأمر في الكلام وإنما الشاعر والكاتب في زماننا يكتبان النثر والشعر ويقولانهما وهذا فيه شبه من(اقرأ باسم ربك الذي خلق)أي ردِّد يامحمد وقل وليس معناه اقرأ المكتوب فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يقرأ .
ثانياً : المسوغ المعنوي
تقول (زيد يقول الشعر ويكتب النثر)لأن قول الشعر وكتابة النثر هما عنصرا الأدب فالعلاقة المعنوية التي سوغت العطف هي هذه .
ولاتقول(زيد يقول الشعر ويحب أكل الحبحب)لأنه لاعلاقة معنوية بين قول الشعر وحب أكل الحبحب .
وعلى هذا الأساس تفهم العطف فمثلا(زيد مجتهد وعمرو كسول)لابد أن يكون هناك علاقة معنوية تربط زيد بعمرو لاحظ(المتنبي مغرور وصلاح الدين الأيوبي متواضع)لايقول مثل هذا أحد لأنه لاعلاقة بين المتنبي وصلاح الدين الأيوبي لكن(المتنبي مغرور والبحتري متواضع)مقبول لأنهما شاعران فهناك علاقة معنوية سوغت العطف .
٣-معنى ناتج من ترتيب المعطوفات .
له أيطلا ظبي وساقا نعامة
وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
له إعرابان الأول هكذا(له) خبر مقدم. (أيطلا ظبي)مبتدأ مؤخر .(وساقا ونعامة)(وإرخاء سرحان) (وتقريب تتفل)معطوفة على المبتدأ والعطف هنا عطف مفردات .
وإعراب هو (له أيطلا ظبي)(وله ساقا نعامة)(وله إرخاء سرحان)(وله تقريب تتفل)والعطف هنا عطف جمل بتقدير خبر محذوف.
وكلا الإعرابين نوعهما عطف مجموع مفردتين(إرخاء سرحان وتقريب تتفل) على مجموع مفردتين(أيطلا ظبي وساقا نعامة) وعطف مجموع جملتين(له إرخاء سرحان وتقريب تتفل) على مجموع جملتين(له أيطلا ظبي وساقا نعامة). وكلا العطفين معناهما عطف نوعان من أنواع العدو والجري(إرخاء السرحان وتقريب التتفل)على آلة الجري(أيطلا الظبي وساقا النعامة).
هذا تشبيه أربعة تشبيهات معطوفة على بعضها البعض وهذا يعني أننا نحتاج الى التامل لمعرفة هذا التشبيه .
أهم شيء تركيب الصورة أي ان هناك معطوفات هي جزء من الصورة الحسية والشاعر عطفها على بعض لأنه يقوم بتركيب الصورة وكذلك هناك معطوفات ليست جزءا من تركيب الصورة .
أقصد أن الشعر كلام مصنوع ونحن نفهمه من خلال صنعة الشاعر لانه كلام مصنوع منه .
فتحليلنا إنما هو تتبع للمسات الشاعر في صناعة المعنى أو الصورة .
وكان الشاعر رسام ونحن نتابع فرشاته وألوانه ونقول حرك الفرشاة من هنا الى هنا ونسير مع حركة الفرشاة ثم نقول لماذا وضع هذا اللون هنا وهذا اللون هنا لان الرسم له معاني مثل المعاني النحوية .
أيطلا ظبي هما خاصرتا الظبي أي المنطقة التي بين الضلع وعظمة الفخذ أي الخصر تكون ظامرة عن الظبي وأيضا الفهد والكلب السلوقي .
وإرخاء السرحان قيل هو الخبب موع من العدو أو الجري وتقريب التتفل نوع من العدو مثل عدو الفهد السريع يدان قدمان وتكون القدمان في موضع اليدين أثناء العدو ويحتاج الحصان ليقوم بهذا العدو الى أيطلان كأيطلي الظبي وهذا هو الهيف أهيف هيفاء أفعل فعلاء أخضر خضراء أعرج عرجاء يكون في الألوان وصفات الجسم .
إذاً هناك نوعان من العدو وهناك أعضاء الجسم التي تقوم بهذا العدو .
هل لاحظت معنى ترتيب المعطوفات يعني العطف هكذا :
(له أيطلا ظبي وساقانعامة)و(إرخاء سرحان وتريب تتفل).
أي أن تركيب الصورة هو ساقا نعامة فوقهما أيطلا ظبي ثم مشهد الحصان وهو يعدو ذلك النوعين من العدو .
فساقا النعامة المركب فوقهما أيطلا الظبي مكنا الحصان من القيام بهذين النوعين من العدو .
عطف مجموع معطوفين اثنين على مجموع معطوفين اثنين .
فعلى أي أساس يكون هذا العطف .
على أساس صنعة الشاعر وبهذا صار العطف وعدم العطف هما نصف البلاغة لأن لهما علاقة بجميع الأساليب من خلال صنعة الشاعر لأن المعاني تتوالى على شكل جمل والجمل قد تحتاج الى العطف أو عدم العطف حسب ماتقتضيه صنعة الشاعر .
والله أعلم