لا نهايةَ ما دمنا معًا .
لم يكن يعرف كيف وصل إلى ذلك المكان. كلُّ ما يتذكره أنه فتح بابًا لا يشبه الأبواب، وحين عبره وجد نفسه في عالمٍ لا تعرفه الخرائط؛ سماءٌ بنفسجية، قمران يتعانقان فوق الغيوم، وأنهارٌ من نور تجري بين قصورٍ معلّقة في الهواء.
وكانت إلى جواره.
قال وهو يتأمل المكان بدهشة:
— ما هذا؟
ابتسمت وقالت:
— ربما عالمٌ لم تصل إليه أقدام البشر من قبل.
تابعا السير، حتى وصلا إلى مدينةٍ غريبة، كانت قصورها تلمع تحت ضوء القمرين، وأبراجها ترتفع عاليًا كأنها تحاول ملامسة السماء.
وحين اقتربا من بوابة المدينة، انفتحت أمامهما ببطء، وخرج من خلفها صوتٌ غامض:
— لقد تأخرتما كثيرًا.
نظر عابر المجهول إليها:
— هل تعرفين هذا المكان؟
هزّت رأسها:
— لا... لكنني أشعر أنني رأيته من قبل.
دخلا المدينة، وكان شيء غريب يحيط بهما؛ فالناس كانوا ينظرون إليها بدهشة، وبعضهم كان ينحني لها كلما مرّت أمامه.
قال عابر المجهول:
— لماذا ينظرون إليكِ هكذا؟
قالت وهي تتلفت حولها:
— لا أدري.
حتى وصلا إلى قصرٍ عظيم، تعلوه راية تحمل هلالًا فضيًا تتوسطه نجمة وحيدة.
انفتحت أبواب القصر، وظهر أمامهما حراسٌ يرتدون دروعًا سوداء.
قال أحدهم:
— الملكة بانتظاركما.
تبادل الاثنان النظرات... ثم دخلا.
كانت قاعة العرش واسعة، تتدلى من سقفها آلاف المصابيح الصغيرة، وفي نهايتها جلست الملكة فوق عرشٍ من الفضة.
كانت جميلة بصورة يصعب وصفها، ترتدي ثوبًا أسود تتلألأ عليه نجوم صغيرة، وعلى رأسها تاجٌ فضي.
لكنها لم تنظر إلى عابر المجهول.
كانت عيناها معلقتين بها.
نهضت الملكة ببطء وقالت:
— أخيرًا... عدتِ.
تراجعت خطوة:
— عدت؟
ابتسمت الملكة ابتسامة غامضة:
— نعم... عدتِ.
قال عابر المجهول:
— أعتقد أنكِ مخطئة، هي لم تأتِ إلى هنا من قبل.
نظرت الملكة إليه طويلًا، ثم قالت:
— ربما هي لا تتذكر.
اقتربت منها، ومدّت يدها نحو وجهها، لكنها توقفت قبل أن تلمسه.
— الزمن يمحو أشياء كثيرة... لكنه لا يستطيع أن يمحو الحكايات.
قالت:
— أي حكايات؟
أجابتها الملكة:
— حكايتك.
ساد الصمت.
ثم التفتت الملكة إلى عابر المجهول وقالت:
— وأنت... لا ينبغي أن تكون هنا.
— لماذا؟
قالت:
— لأن وجودك معها غيّر ما كان مكتوبًا.
ارتبكت:
— ماذا تقصدين؟
أخذت الملكة نفسًا عميقًا وقالت:
— منذ زمن بعيد، تنبأت كتبنا بقدوم شخصين يعبران باب المجهول. كانت الحكاية تقول إن أحدهما سيعرف الطريق، بينما سيبحث الآخر عن نفسه فيه.
نظر عابر المجهول إليها:
— وهل نحن هذان الشخصان؟
ابتسمت الملكة:
— أنتما أكثر مما تتصوران.
ثم أشارت إلى أحد الحراس:
— أحضر الكتاب.
تقدم الحارس ووضع أمامها كتابًا قديمًا، غلافه من الجلد الأسود، وعليه قفل فضي.
فتحته الملكة.
كانت الصفحات مليئة برموز غريبة، حتى وصلت إلى صفحة بيضاء.
وفجأة ظهرت عليها كلمات من نور:
(من أنا؟)
نظرت إلى الصفحة.
ثم قالت:
— هذا هو السؤال الذي أخبرنا عنه حارس الحكايات.
رفعت الملكة عينيها إليها:
— إذن قابلتماه.
أجاب عابر المجهول:
— نعم.
سألت الملكة:
— وماذا قال لكما؟
— قال إن علينا أن نختار بين الماضي والحاضر وما لم ينتهِ بعد.
ابتسمت الملكة:
— واخترتما المجهول.
قال:
— نعم.
قالت الملكة:
— إذن لم يبقَ أمامكما إلا الاختيار الأصعب.
فتح عابر المجهول عينيه:
— أي اختيار؟
نظرت الملكة إليها، ثم قالت:
— هل ستعودان إلى عالمكما... أم ستكملان الطريق هنا؟
قالت:
— وهل يمكننا العودة؟
أجابتها الملكة:
— يمكنكما ذلك.
ثم صمتت قليلًا.
— لكنكما لن تعودا كما جئتما.
قال عابر المجهول:
— ماذا يعني ذلك؟
قالت:
— بعض الأبواب حين نعبرها... تغيّرنا إلى الأبد.
نظر إليها.
كانت صامتة، وعيناها تحملان خوفًا لم يره فيهما من قبل.
اقترب منها وأمسك يدها.
قال:
— مهما كان الطريق، لن أمشيه وحدي.
نظرت إليه:
— وماذا لو كان الطريق بلا نهاية؟
ابتسم:
— عندها سنمشي حتى ننسى أننا كنا نبحث عن نهاية.
خفضت الملكة عينيها، وكأن شيئًا في كلامه أصاب قلبًا قديمًا فيها.
ثم قالت:
— الآن فهمت.
— ماذا؟
— لماذا اختارتك الحكاية.
أغلقت الكتاب، ونهضت من عرشها.
ثم أشارت إلى بابٍ خلفها.
انفتح الباب، وظهر وراءه طريقٌ طويل من الضوء، يمتد بين النجوم.
قالت الملكة:
— اذهبا.
قالت:
— إلى أين؟
ابتسمت الملكة:
— إلى حيث لا تستطيع الحكايات أن تخبركما بما سيحدث.
ثم نظرت إلى عابر المجهول وقالت:
— تذكّر شيئًا واحدًا.
— ماذا؟
قالت:
— كل حب يعبر المجهول... يدفع ثمنًا.
ضغط على يدها وقال:
— سندفعه معًا.
نظرت الملكة إليهما طويلًا، ثم قالت:
— إذن اذهبا!
استدار عابر المجهول، وأمسك يدها، وسارا نحو الباب.
لكن قبل أن يخطوا خطوتهما الأخيرة، ارتفع صوت الملكة خلفهما:
— توقّفا!
تجمّدا في مكانهما.
كانت الملكة واقفة، وقد تغيّر وجهها تمامًا.
لم تعد تلك المرأة الهادئة التي تحدثت إليهما قبل قليل؛ كان الغضب يشتعل في عينيها.
قال عابر المجهول:
— ماذا حدث؟
لم تجبه.
تقدمت نحو الباب بخطوات سريعة، ثم قالت بحدّة:
— قلتُ اذهبا!
خرجا.
وما إن ابتعدا خطوات قليلة حتى أغلقت الملكة الباب خلفهما بعنف، حتى ارتجّت أرجاء القصر.
ثم استدارت، وضربت بيدها على الكتاب القديم.
— كيف حدث هذا؟!
سقط الصمت على القاعة.
فتح الحارس فمه ليجيب، لكنها صاحت:
— لا أحد يتحدث!
كانت تحدّق في الصفحة البيضاء، وكأنها رأت فيها شيئًا لم يره أحد سواها.
قالت بصوتٍ غاضب ومختنق:
— لم يكن هذا هو المكتوب...
ثم فتحت الصفحة الأخيرة مرة أخرى.
ظهرت الكلمات ببطء:
«حين يختار قلبان بعضهما... لا يعود للمجهول سلطان.»
حدّقت الملكة فيها طويلًا، ثم أغلقت الكتاب بعنف.
— بل يبدأ سلطانٌ آخر!
وفي الخارج، لم يكن عابر المجهول يعلم شيئًا عما حدث خلف الباب.
كان يسير ممسكًا بيدها، بينما قالت له بهدوء:
— أظن أن الملكة غاضبة.
ابتسم وهو ينظر إلى الطريق الممتد أمامهما:
— ربما لأنها أدركت أننا لم نعد بحاجة إلى أحد ليكتب لنا النهاية.
نظرت إليه، وابتسمت.
ثم تابعا السير.
سارا تحت ضوء القمرين، نحو طريقٍ لم تعرفه الخرائط، ولم تكتبه الحكايات.
طريقٍ لا يعرفان نهايته...
ولا يريدان لها أن تأتي.
حتى وصلا إلى تلّ مرتفع يطل على المملكة كلها.
جلسا هناك تحت سماءٍ امتلأت بالنجوم.
قال لها:
— أتعلمين؟
— ماذا؟
— لم أعد أريد أن أعرف أين ينتهي هذا الطريق.
نظرت إليه:
— ولماذا؟
ابتسم وقال:
— لأنني وجدتك فيه.
خفضت عينيها، ثم أسندت رأسها إلى كتفه.
وفوقهما مرّ القمران ببطء، كأنهما يباركان الحكاية.
وبعيدًا، خلف أبواب القصر المغلقة، كانت الملكة لا تزال واقفة أمام كتابها.
لكن هذه المرة...
لم تكن الكلمات تظهر.
كانت الصفحة الأخيرة بيضاء تمامًا.
وكأن الحكاية نفسها قررت أن تخفي نهايتها.
أما هي، فرفعت رأسها عن كتفه وقالت:
— هل تخاف؟
قال:
— من ماذا؟
— من أن نضيع؟
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
— وكيف أضيع وأنا معك؟
ابتسمت، ومدّت يدها إليه.
أمسكها.
ثم تابعا السير تحت ضوء القمرين...
نحو المجهول.
نحو حكايةٍ لم يعد أحدٌ يملك حق كتابتها سواهما.
وقالت له، كلما سألها عن نهاية حكايتهما:
(لا توجد نهاية... ما دمتَ معي..)
.
.
.